أمن العلاقات الدبلوماسية في مواجهة التجسس الحديث: مقاربة تشريعية وجنائية

تُشير مسارات التحقيق الجنائي المعاصرة إلى تحول ملموس في طبيعة الأنشطة التخريبية؛ إذ لم تعد تقتصر على المواجهات العسكرية المباشرة أو الأساليب الكلاسيكية المعزولة، بل باتت تعتمد على توظيف “التفاصيل الصغيرة” والملفات العقائدية والدينية كأدوات تشتيت وتمويه (Diversion). وتهدف هذه الاستراتيجيات الممنهجة إلى إثارة الفتن الداخلية من جهة، وتقويض العلاقات الدبلوماسية التاريخية للبنان مع الدول الشقيقة والصديقة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، من جهة أخرى.

ويقوم هذا النمط العملياتي على تقسيم المهام بين مستويين متكاملين يعملان بالتوازي؛ يتمثل الأول في “المستوى الظاهر والتمويهي”، حيث تُكلف عناصر معينة بإثارة سجالات عقائدية مستفزة للرأي العام، كطرح خطاب يمس بالثوابت الدينية، ثم الادعاء لاحقاً بأن الأمر لا يتعدى كونه “سوء تفاهم” أو ممارسة لـ “حرية التعبير”، وذلك بغرض امتصاص الغضب وتفادي الملاحقة القضائية المباشرة. وفي المقابل، يتحرك “المستوى المستتر” في الظل؛ فبينما ينشغل المجتمع والأجهزة الرقابية بالجدل العقائدي المفتعل، يتولى أعضاء آخرون في ذات الشبكة تنفيذ مهام استخبارية بحتة، مثل رصد المواقع، وجمع البيانات، وتتبع الحسابات المستهدفة دون لفت الأنظار.

وعند سقوط هؤلاء المشتبه بهم في قبضة العدالة، غالباً ما يلجأون إلى دفوع تكتيكية ترمي إلى تصوير أنشطتهم ومواقفهم كخطأ غير مقصود أو سوء فهم عابر. إلا أن هذه الدفوع تنهار سريعاً أمام القضاء اللبناني عندما تتقاطع المعطيات الفنية مع الأدلة المادية الملموسة؛ فالتحليل الجنائي الرقمي (Digital Forensics) وتتبع حركة الاتصالات يكشفان في كثير من الأحيان عن صلات—مباشرة أو غير مباشرة—تجمع بين المشتبه بهم وأشخاص صدرت بحقهم أحكام سابقة بالتجسس أو التعامل مع العدو. هذا الترابط لا يقدم فقط قرينة قضائية على توفر القصد الجرمي وسوء النية، بل يوضح أيضاً الأسلوب الاستخباري القائم على “إعادة تدوير الشبكات” واستخدام العملاء السابقين كعقد اتصال وتوجيه (Nodes) للعناصر الجديدة، مما ينقل القضية من إطار الانحراف الفكري الفردي إلى مخطط أمني منظم يهدد الاستقرار العام.

وفي سياق متصل، لم تعد الأجهزة الاستخبارية الحديثة تعتمد بالضرورة على الهياكل التنظيمية التقليدية، بل باتت تفضل تجنيد أفراد ضمن مجموعات صغيرة ومنفصلة (لامركزية)، ينفذ فيها كل عنصر مهمة تقنية أو لوجستية مجردة—كالتصوير، أو جمع البيانات، أو نقل الأموال—دون علم بالشبكة الكاملة أو المخطط النهائي. وإزاء هذا التعقيد، تكيّف القضاء اللبناني قانونياً؛ إذ لم يعد يشترط وجود هيكلية تنظيمية كلاسيكية لإثبات الجرم، بل بات يركز على الغاية النهائية للأفعال والجهة المستفيدة منها. فمتى ثبت بالدليل الرقمي أو المالي أن تلك المهام الجزئية تصب في مصلحة جهة معادية، تُكيف الأفعال بوصفها جرائم تجسس واشتراك في مؤامرة، ويُحاسب كل عنصر بناءً على علمه وإدراكه بأن سلوكه يخدم جهة أجنبية أو يضر بمصالح لبنان العليا.

وتكشف القراءة التحليلية للمنظومة الجزائية اللبنانية عن سعي تشريعي مستمر للتوفيق بين مصلحتين أساسيتين: حق الدولة في حماية أمنها القومي وسلمها الأهلي، وحق المتهم في التمتع بقرينة البراءة وضمانات الدفاع العادلة. ويتضح ذلك جلياً في مرونة الإجراءات القضائية التي تتيح تجميد أموال الفارين مؤقتاً لحثهم على المثول أمام القضاء، مع حفظ حقهم الدستوري في إعادة محاكمتهم وجاهياً بمجرد تسليم أنفسهم. كما يبدي المشرع حزماً صارماً في جرائم التجسس عبر إسناد الاختصاص للمحاكم العسكرية واستبعاد مرور الزمن على الفارين إلى بلاد العدو في زمن الحرب، بموازاة فرض تدابير رقابة لاحقة كخطوط وقائية لمنع المحكومين المفرج عنهم من العودة إلى الأنشطة الجرمية.

وعلى صعيد العلاقات الخارجية، تظل المادة 288 من قانون العقوبات صمام الأمان القانوني لمنع السلوكيات الفردية التي قد تؤدي إلى تعكير صلات لبنان الدبلوماسية. ومع ذلك، فإن التحدي المستقبلي أمام المشرع والقضاء يكمن في ضبط معايير “تعكير الصلات” لحماية حرية التعبير من القيود غير المتناسبة، إلى جانب تحديث الأدوات التقنية لأجهزة الضابطة العدلية لمواكبة جرائم التجسس الإلكتروني والعمالة الافتراضية، مع الالتزام التام بالضمانات الإجرائية المقررة في المادة 47 المعدلة من قانون أصول المحاكمات الجزائية، ترسيخاً لسيادة القانون والعدالة الموضوعية.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

تتويجاً لمسيرة الشفافية: «غربال» تطلق أضخم أرشيف رقمي للجريدة الرسمية اللبنانية كحجر زاوية في صرح المساءلة الوطنية

في لحظة فارقة تزامنت مع الاحتفاء باليوم العالمي للحق في الوصول إلى المعلومات، دشّنت مبادرة …