يواجه النظام القانوني والقضائي في لبنان تحديًا مستمرًا يتمثل في الموازنة الدقيقة بين حماية الأمن القومي ومكافحة الجرائم الخطرة من جهة، وبين صون الحريات الفردية وضمانات الدفاع المكرسة دستوريًا ودوليًا من جهة أخرى. وتبرز هذه الموازنة بشكل جلي عند التعاطي مع فئات متعددة من الأفراد أمام القانون؛ بدءًا من الفارين من وجه العدالة، مرورًا بالمحكومين السابقين، وصولاً إلى المتهمين بالانخراط في شبكات التجسس والتعامل مع جهات معادية.
وفي ظل التحولات الجيوسياسية المعاصرة، لم يعد العمل الاستخباراتي يقتصر على جمع المعلومات العسكرية التقليدية، بل امتد ليشمل مناورات معقدة تستهدف ضرب الاستقرار الداخلي من بوابة السلم الأهلي، وتعمّد تعكير صفو علاقات لبنان الدبلوماسية مع الدول الشقيقة والصديقة، لا سيما المملكة العربية السعودية. تحلل هذه المقالة الأطر القانونية اللبنانية التي تحكم هذه الحالات، مستعرضةً آليات الملاحقة القضائية، وحدود سلطة الدولة، والضمانات المرتبطة بقرينة البراءة.
أولاً: الخصومة الجنائية بغياب المتهم: آليات التعامل مع الفار والقرارات القضائية المرتبطة به
تنظم القواعد الإجرائية في قانون أصول المحاكمات الجزائية اللبناني مسار الخصومة الجنائية في مواجهة المتهم المتوارى عن الأنظار بناءً على تدرج تشريعي يسعى لحماية المصلحة المجتمعية وضمان عدم الإفلات من العقاب.
1. التدابير الاحترازية في مرحلة التحقيق الابتدائي
يبدأ هذا المسار الإجرائي عندما يتخلف المدعى عليه عن الحضور أمام قاضي التحقيق دون أن يبدي عذراً مشروعاً، أو عندما يخشى القاضي فراره؛ فيصدر في حقه مذكرة إحضار تتضمن أمراً خطياً إلى قوى الأمن لتأمين إحضاره مخفوراً خلال أربع وعشرين ساعة من موعد الجلسة المقرر. ويجري استجواب المدعى عليه المطلوب بورقة دعوة في الحال، أما من يحضر بموجب مذكرة إحضار فيستجوب خلال أربع وعشرين ساعة من وقت تنفيذها. وعند انقضاء هذه المهلة دون استجوابه، يتعين على رئيس النظارة إحضار المتهم تلقائياً إلى النائب العام الذي يطلب من قاضي التحقيق استجوابه فوراً تفادياً للتوقيف التعسفي.
وفي حال تعذر تنفيذ مذكرة الإحضار بسبب تواري المدعى عليه عن الأنظار، يجوز لقاضي التحقيق، بعد استطلاع رأي النيابة العامة، أن يصدر قراراً معللاً بتوقيفه غيابياً. ويبلغ هذا القرار بتعليق صورة عنه على باب مسكنه الأخير بحضور مختار المحلة أو شاهدين من الجيران ينظم محضر بتبليغهم. ويمنح القانون رجال قوى الأمن الداخلي المكلفين بالتنفيذ صلاحية دخول المنزل الذي تتوافر أدلة على لجوء المدعى عليه إليه، غير أن هذا الدخول مقيد بفترة زمنية محددة تمتد من الخامسة صباحاً حتى الثامنة ليلاً، ما لم يوافق صاحب المنزل صراحة على خلاف ذلك، أو إذا كانت الجريمة مشهودة وتطلبت التدخل السريع.
2. التباين الإجرائي بين الجنايات والجنح في المحاكمة الغيابية
عندما يحال الملف إلى المحكمة، يختلف التعاطي القانوني والآثار المترتبة على غياب المتهم بحسب طبيعة الجرم ووصفه القانوني بين الجناية والجنحة. وتوضح المقارنة التحليلية التالية هذا التباين الإجرائي والآثار المدنية والجزائية المرتبطة بكل منهما:
| المرحلة الإجرائية والأثر القانوني | مسار ملاحقة المتهم الفار في الجنايات (أمام محكمة الجنايات) | مسار غياب المدعى عليه في الجنح (أمام القاضي المنفرد الجزائي) |
| التنبيه الأولي وقرار المهلة | يصدر رئيس محكمة الجنايات “قرار مهل” يدعو فيه المتهم لتسليم نفسه خلال 24 ساعة قبل بدء المحاكمة. | تبلغ ورقة دعوة بالهوية والوصف قبل 3 أيام على الأقل من الجلسة دون الحاجة لقرار مهل مسبق. |
| آلية النشر والتبليغ | ينشر قرار المهل ويعلق لمدة 10 أيام على باب سكنه الأخير، وفي ساحة بلدته، وعلى باب قاعة المحكمة. | يبلغ المدعى عليه شخصياً أو في محل إقامته الفعلي أصولاً وفقاً لقواعد التبليغ العادية. |
| التمثيل القانوني بوكيل | يمنع تمثيل المتهم الفار بوكيل عنه في المحاكمة الغيابية، ويقتصر دور الوكيل على تقديم معذرة مشروعة لتأجيل الجلسة. | يجوز تمثيل المدعى عليه بوكيل محامٍ دون حضوره بالذات إذا كانت العقوبة لا تزيد عن الحبس سنة واحدة. |
| التدابير العينية والمدنية المؤقتة | التجريد من الحقوق المدنية، تجميد الأموال، منع التصرف بها، ومنع إقامة الدعاوى غير الشخصية، وتعيين قيم لإدارتها. | لا تفرض أي تدابير عينية أو تجميد للأموال بمجرد الغياب، وتقتصر الإجراءات على متابعة الخصومة الجنحية. |
| طرق الطعن في الحكم الغيابي | لا يقبل الحكم الصادر بتجريم المتهم الفار الاعتراض أو النقض أمام محكمة التمييز، إلا إذا وصف الفعل بأنه جنحة. | يقبل الحكم الغيابي الاعتراض (المعارضة) أمام المحكمة نفسها والاستئناف أمام محكمة الاستئناف. |
| مآل الحكم عند الحضور أو القبض | يسقط الحكم الغيابي وكافة المعاملات التمهيدية حتماً وبقوة القانون بمجرد حضور المحكوم عليه أو القبض عليه، ليعاد محاكمته وجاهياً. | يسقط الحكم الغيابي بالاعتراض المقبول شكلاً وتجري المحاكمة مجدداً، وإلا يصبح مبرماً وينفذ خلاصة الحكم. |
3. الآثار المترتبة على حضور أو القبض على المحكوم غيابياً بالجناية
إن مآل التدابير التي اتخذت بحق المحكوم عليه غيابياً بالجناية يتغير بشكل جذري عند مثوله مجدداً أمام القضاء. فبمجرد القبض عليه أو تسليمه لنفسه، يسقط قرار التجريم الغيابي وتسقط معه العقوبات الفرعية والإضافية وتدابير تجميد الأموال والتجريد المدني، وتسترد النيابة العامة التمييزية خلاصة الأحكام الموزعة للتنفيذ.
وإذا انتهت المحاكمة الوجاهية الجديدة بإعلان براءة المحكوم عليه غيابياً أو إبطال التعقبات بحقه، جاز له قانوناً مراجعة القضاء المدني ومقاضاة كل من نفذ تعويضات شخصية بموجب الحكم الساقط بدعوى الإثراء بلا سبب لاسترداد ما دفع بغير حق.
ثانياً: قرينة البراءة والضمانات الدستورية للمشتبه به والفار من وجه العدالة
يقوم النظام الجنائي اللبناني على مبدأ أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بموجب حكم قضائي مبرم تؤمن فيه كافة ضمانات الدفاع. غير أن هذا المبدأ يشهد اختباراً عند تعاطي القانون اللبناني مع المتهم الفار؛ إذ تفرض التدابير المقيدة لحقوقه المالية والشخصية وحرمانه من الاستعانة بوكيل للدفاع عنه وجهاً لوجه أمام المحكمة واقعاً يصطدم بظاهر هذه القرينة. ويبرر المشرع هذا المسلك بضرورة إيجاد وسيلة ضغط قانونية لحمل المتهم على الامتثال للقضاء ومنع التهرب من العدالة، مرجحاً مصلحة المجتمع في الاستقرار العام على حرية الفرد الممتنع عن الحضور.
1. تطور التكريس التشريعي والضمانات المستحدثة (المادة 47 المعدلة)
على الرغم من خلو قانون أصول المحاكمات الجزائية القديم من نص صريح ومباشر يكرس مبدأ افتراض البراءة، إلا أن التعديلات التشريعية والالتزامات الدولية للبنان كرست هذا الحق عبر مبادئ المحاكمة العادلة ورفض الإجراءات التعسفية. وقد انعكس هذا التوجه جلياً في تعديل المادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية بموجب القانون رقم 191 تاريخ 16/10/2020، والذي رسخ ضمانات للمشتبه به فور احتجازه لدى الضابطة العدلية تحت طائلة بطلان التحقيقات الأولية والمحاضر المرتبطة بها.
وتشمل الضمانات المستحدثة بموجب المادة 47 المعدلة ما يلي:
-
الاتصال بالخارج والطلب الفوري للمساعدة: حق المشتبه به فور توقيفه في الاتصال بأحد أفراد عائلته، أو صاحب عمله، أو أحد معارفه، بالإضافة إلى حقه في الاستعانة بمحامٍ يختاره لمرافقته وحضور استجوابه لدى الضابطة العدلية.
-
التوثيق السمعي والبصري: إيجاب تصوير إجراءات الاستجواب أو الاستماع إلى أقوال المشكو منه بالصوت والصورة منذ لحظة تلاوة حقوقه عليه، وإرفاق هذه التسجيلات بمحضر التحقيق تحت طائلة بطلان المحضر والتحقيقات اللاحقة.
-
تحديد مدد الاحتجاز الإداري: حظر احتجاز المشتبه به في نظارات الضابطة العدلية إلا بقرار معلل من النيابة العامة وضمن مدة لا تزيد على ثماني وأربعين ساعة، قابلة للتمديد لمرة واحدة مماثلة فقط بناءً على موافقة النيابة العامة المختصة.
-
معاينة الوضع الصحي والبدني: حق الموقوف في طلب فحصه من قبل طبيب فور توقيفه للتحقق من سلامته الجسدية وعدم تعرضه لأي إكراه مادي أو معنوي.
2. امتداد الحماية للفار عبر الدفوع الشكلية (المادة 73)
لا تقتصر حماية قرينة البراءة على الموقوفين وجاهياً، بل تمتد لتشمل المتهم الفار عبر تمكين وكيله القانوني من تقديم الدفوع الشكلية المنصوص عليها في المادة 73 من قانون أصول المحاكمات الجزائية في غيبة موكله. وقد استقر اجتهاد محكمة التمييز على إجازة تمثيل المتهم بغيابه بواسطة محاميه لتقديم الدفوع المتعلقة بسقوط الدعوى العامة بالتقادم، أو لشمول الجرم بالعفو العام، أو لزوال الصفة الجرمية لعدم قيام الدليل، دون اشتراط حضور المتهم بالذات للمثول أمام قوس المحكمة.
3. بديل التوقيف الاحتياطي: تدابير المراقبة القضائية
من ناحية أخرى، منح القانون لقاضي التحقيق صلاحية الاستعاضة عن توقيف المدعى عليه بوضعه تحت المراقبة القضائية بقرار يستطلع فيه رأي النيابة العامة. ويفرض هذا التدبير موجبات بديلة توازن بين حرية المشتبه به وضمان مثوله أمام القضاء، وتشمل:
-
إلزام المدعى عليه بالإقامة في مدينة أو بلدة محددة واتخاذ محل إقامة فيها ومنع مبارحتها.
-
منع التردد على محلات أو أماكن معينة يحددها قاضي التحقيق لتلافي التأثير على مجريات التحقيق.
-
إيداع جواز السفر لدى قلم دائرة التحقيق وإعلام المديرية العامة للأمن العام بذلك لمنعه من السفر.
-
التعهد بعدم تجاوز دائرة المراقبة وإثبات الوجود دورياً لدى مركز المراقبة الأمنية المعين.
-
عدم ممارسة بعض المهن أو الأعمال التي يحظر عليه القاضي ممارستها طيلة فترة المراقبة.
-
تقديم كفالة ضامنة يعين مقدارها قاضي التحقيق لضمان الحضور والوفاء بالالتزامات المالية.
وإذا أخل المدعى عليه بأي من هذه الموجبات، جاز لقاضي التحقيق الرجوع عن قرار المراقبة وإصدار مذكرة توقيف بحقه ومصادرة الكفالة لمصلحة الخزينة العامة. كما يجوز للقاضي، بموافقة النائب العام، استرداد مذكرة التوقيف الغيابية أو وقف تنفيذها لقاء كفالة أو بدونها، شرط تعهد المدعى عليه بحضور جلسات المحاكمة، وفي حال تغيبه دون عذر مشروع يعاد العمل بمذكرة التوقيف فوراً بقرار لا يقبل أي طريق من طرق المراجعة.
ثالثاً: المتابعة والرقابة اللاحقة للمحكومين بجرائم التعامل والتجسس والعمالة المزدوجة
1. الاختصاص العسكري والمنظومة العقابية للتعامل والتجسس
يخضع النشاط الاستخباراتي والتجسسي الموجه لصالح العدو الإسرائيلي لمنظومة قضائية وعقابية استثنائية في القانون اللبناني. وبموجب المادة 24 من قانون القضاء العسكري، ينعقد الاختصاص الحصري للمحكمة العسكرية الدائمة للنظر في كافة الجرائم المتعلقة بـ “الصلات غير المشروعة بالعدو”.
ويعد لبنان قانوناً في حالة حرب مستمرة مع إسرائيل، وهو ما دفع المشرع اللبناني إلى إصدار قانون مقاطعة إسرائيل في عام 1955، والذي يحظر بموجب مادته الأولى على كل شخص طبيعي أو معنوي أن يعقد، بالذات أو بالواسطة، أي اتفاق مع هيئات أو أشخاص مقيمين في إسرائيل أو منتمين إليها بجنسيتهم أو يعملون لحسابها. وتعتبر في حكم الهيئات المحظور التعامل معها الشركات والمؤسسات التي لها فروع أو توكيلات عامة في إسرائيل.
ويمتد الحظر ليشمل تبادل البضائع والسلع والمنتجات الإسرائيلية أو السندات المالية والقيم المنقولة. ويعاقب قانون العقوبات اللبناني بموجب المادة 285 منه بالحبس سنة على الأقل وبغرامة مالية كل لبناني أو مقيم في لبنان أقدم أو حاول أن يقدم مباشرة أو بواسطة شخص مستعار على صفقة تجارية مع رعايا العدو، أو دخل بلاد العدو دون موافقة مسبقة من الحكومة اللبنانية. وإذا انطوى التعامل على تقديم خدمات لوجستية أو استخبارية لتمكين قوات العدو، ترتفع العقوبة إلى الإعدام بموجب المادة 275 من قانون العقوبات. كما يعاقب بالأشغال الشاقة المؤبدة كل من اتصل بالعدو ليدفعه إلى مباشرة العدوان على لبنان، وترتفع العقوبة إلى الإعدام إذا أفضى الفعل إلى النتيجة المرجوة.
2. التكييف القانوني لجرائم التجسس المختلفة وأسرار الدولة
لا تقتصر الجرائم الاستخبارية على الجوانب العسكرية الكلاسيكية، بل تشمل التجسس الاقتصادي والصناعي والتكنولوجي الذي يستهدف كشف أسرار الدولة الحيوية وإضعاف مناعتها المالية. ويعالج قانون العقوبات هذه الأفعال عبر توصيفات جرمية دقيقة وعقوبات رادعة يوضحها الجدول التالي:
| الوصف الجرمي والتكييف القانوني | الركن المادي للجريمة وأفعال التنفيذ | العقوبة المقررة في الحالة العادية | العقوبة المقررة في حال التشديد (منفعة دولة أجنبية) |
| دخول الأماكن المحظورة بقصد التجسس (م 281) | الدخول أو محاولة الدخول إلى ثكنات، منشآت عسكرية، وزارات، أو أماكن سرية محددة رسمياً للحصول على وثائق مكتومة. | الحبس سنة على الأقل. | الأشغال الشاقة المؤقتة إذا ثبت السعي بقصد التجسس الفعلي. |
| سرقة أو الاستحصال على أسرار الدولة (م 282) | سرقة وثائق، معلومات، أو أسرار سياسية، عسكرية، أو اقتصادية يجب أن تبقى مكتومة حرصاً على سلامة الدولة. | الأشغال الشاقة المؤقتة. | الأشغال الشاقة المؤبدة إذا اقترفت الجناية لمنفعة دولة أجنبية. |
| إفشاء الأسرار والمعلومات المكتومة (م 283) | إبلاغ أو إفشاء وثائق أو معلومات سرية بحوزة الشخص دون سبب مشروع. | الحبس من شهرين إلى سنتين. | الأشغال الشاقة المؤقتة لمدة لا تقل عن 5 سنوات إذا تم الإبلاغ لمنفعة دولة أجنبية. |
| إفشاء الأسرار من قبل الموظف العام (م 283 ف 2) | قيام موظف، عامل، أو مستخدم في الدولة بإفشاء الأسرار التي بحوزته بحكم وظيفته. | الاعتقال المؤقت. | الأشغال الشاقة المؤبدة لصالح دولة أجنبية، والحبس من شهرين إلى سنتين إذا وقع الفعل نتيجة خطأ غير مقصود. |
| تخريب المنشآت الحيوية لسلامة الدفاع (م 276) | الإضرار العمدي بالمنشآت، المصانع، البواخر، الطائرات، أو وسائل الاتصال لشل الدفاع الوطني. | الأشغال الشاقة المؤبدة. | تفرض العقوبة القصوى لتأكيد الردع العام والخاص لحماية البنى التحتية للدولة. |
3. تدابير الرقابة والمتابعة اللاحقة للمحكوم السابق والشركاء
بعد أن يستوفي المحكوم عليه عقوبته الجنائية أو الجنحية بالكامل ويفرج عنه، تظل الخطورة الإجرامية الكامنة في شخصيته، خاصة في جرائم الأمن الخارجي والتجسس والعمالة المزدوجة، محط رصد ومتابعة دقيقة من الأجهزة الأمنية والقضائية. وتوظف الدولة في هذه المرحلة نظام “التدابير الاحترازية” كأدوات وقائية تهدف إلى مواجهة هذه الخطورة وحماية المجتمع وإزالة ظاهرة العود الإجرامي، وتشمل:
-
الحرية المراقبة: يفرض تدبير الحرية المراقبة حكماً لمدة خمس سنوات على المعتادين على الإجرام والمكررين المحكوم عليهم بالإقامة الجبرية أو الحبس بعد الإفراج عنهم. ويجوز للمحكمة تعديل هذه المدة أو إعفاء المحكوم عليه منها بناءً على تقييم سلوكه وصلاح حاله.
-
منع الإقامة: تقضي المادة 82 من قانون العقوبات بإخضاع المحكوم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة أو الاعتقال المؤبد، في حال الإفراج عنه بموجب عفو عام أو خاص أو خفضت عقوبته، لتدبير منع الإقامة لمدة خمس عشرة سنة تلقائياً في أماكن تحددها المحكمة. ولا يجوز إبدال منع الإقامة بالحرية المراقبة إلا بعد المباشرة الفعلية في تنفيذ منع الإقامة والتثبت القضائي من سلوك المحكوم.
-
المنع من مزاولة بعض الأعمال: حرمان المحكوم عليه من حق العمل في وظائف عامة، أو تولي إدارة مؤسسات تعليمية، أو ملكية وتحرير الصحف ووسائل النشر، أو تولي مهام قيادية في النقابات والجمعيات.
-
تقديم كفالة احتياطية: إلزام المفرج عنه بتقديم تعهد مالي أو كفالة عينية لضمان عدم الإقدام على أفعال جرمية جديدة، وتصادر الكفالة لصالح الخزينة في حال الإخلال بشروطها.
أما بالنسبة للشركاء في الجرم الذين لا يزالون متوارين عن الأنظار، فإن ملاحقتهم تظل مستمرة دون تأثر بتنفيذ الشريك الأول لعقوبته. ومن الناحية الإجرائية، تستثني الفقرة الثانية من المادة 115 من قانون القضاء العسكري جرائم الفرار إلى بلاد العدو، أو الفرار أمام العدو، أو التحاق الفار ببلاد أجنبية والبقاء فيها إبان الحرب، من أحكام مرور الزمن (التقادم)، مما يعني أن ملاحقة الشركاء الفارين تظل قائمة وقابلة للتفعيل في أي وقت مهما طال الزمن.
وفي حال قرر أحد الشركاء أو المتدخلين في الجريمة إبلاغ السلطات الرسمية عن بقية الشركاء وأماكن اختبائهم، فقد منح القانون ميزة تشجيعية بموجب المادة 654 من قانون العقوبات؛ إذ يعفى من العقوبة كل من أقدم على الإخبار قبل البدء بأية ملاحقة قضائية، أو أتاح القبض على الشركاء ولو بعد مباشرة الملاحقات، شريطة ألا يكون المخبر مكرراً للجرم. وإذا ثبت وجود تواصل أو تنسيق جديد بين المحكوم المفرج عنه وبين شركائه الفارين بغرض إعادة تنشيط شبكات التعامل أو التجسس، فإن هذا التواصل يؤلف جريمة مؤامرة جديدة مستقلة تطلق ملاحقة جنائية موازية بعقوبات مشددة لا تحميها قاعدة سبق الملاحقة.
رابعاً: التجريم الجنائي للمساس بالعلاقات الدولية وتخريب الروابط الدبلوماسية
أفرد المشترع اللبناني مواد خاصة تحت عنوان “الجرائم الماسة بالقانون الدولي” (المواد 288 إلى 294 من قانون العقوبات) لضمان عدم إقدام أفراد أو جماعات على تصرفات أحادية تخرب علاقات الدولة الخارجية أو تعرض مصالح اللبنانيين ومصالح مغتربيهم لخطر الأعمال الانتقامية.
وتنص المادة 288 على معاقبة كل من أقدم، دون موافقة وترخيص مسبق من الحكومة، على أعمال أو كتابات أو خطب عرضت لبنان لخطر أعمال عدائية، أو عكرت صلاته بدولة أجنبية، أو عرضت اللبنانيين لأعمال ثأرية تقع عليهم أو على أموالهم. وتعد هذه المادة الأساس القانوني لملاحقة الأنشطة والإساءات الموجهة للدول الصديقة والشقيقة، لا سيما دول الخليج العربي وفي طليعتها المملكة العربية السعودية، والتي تؤدي إلى أزمات دبلوماسية أو تهدد مصالح الاستقرار العام ومصالح الجاليات اللبنانية في الخارج.
Code
┌────────────────────────────────────────┐
│ مفاعيل المادة 288 (تعكير الصلات) │
└───────────────────┬────────────────────┘
│
┌─────────────────────────────┼─────────────────────────────┐
▼ ▼ ▼
┌────────────────────────────────┐ ┌────────────────────────────────┐ ┌────────────────────────────────┐
│ خطر الأعمال العدائية │ │ إفساد صلات لبنان │ │ تهديد مصالح اللبنانيين │
│ تعريض البلاد لمخاطر عسكرية أو │ │ إفساد العلاقات الدبلوماسية │ │ تعريض المغتربين أو الاستثمارات │
│ أمنية من دول أخرى. │ │ مع دول صديقة (كالسعودية). │ │ لأعمال ثأرية مضادة. │
└────────────────────────────────┘ └────────────────────────────────┘ └────────────────────────────────┘
وإلى جانب تعكير الصلات، تتنوع العقوبات والتوصيفات الجرمية للاعتداءات الأخرى على العلاقات الدولية بحسب جسامة السلوك وأثره السياسي والدبلوماسي:
-
الاعتداء لتغيير دستور دولة أجنبية بالعنف (م 289): يعاقب بالاعتقال المؤقت كل من أقدم على فعل أو اعتداء مادي في الأرض اللبنانية أو من قبل الرعايا اللبنانيين بهدف تغيير دستور دولة أجنبية أو حكومتها بالعنف أو اقتطاع جزء من أراضيها. وتوجب المؤامرة التي ترمي إلى إحدى هذه الجنايات الحبس لمدة سنة على الأقل.
-
التجنيد لصالح دولة أجنبية (م 290): يعاقب بالاعتقال المؤقت أو بالإبعاد (إذا كان الفاعل أجنبياً) كل من أقدم في الأرض اللبنانية، دون موافقة وتفويض مسبق من الحكومة اللبنانية، على تجنيد جنود للقتال في سبيل دولة أجنبية.
-
تحريض الجنود الأجانب على الفرار أو العصيان (م 291): يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين وبغرامة كل من قام في لبنان، أو قام به لبناني بالخارج بأي من الوسائل المنصوص عليها في المادة 288، بتحريض جنود دولة أجنبية على الفرار أو العصيان العسكري.
-
التحقير والقدح والذم بحق الدول الصديقة ورؤسائها (م 292): يعاقب بالعقوبات ذاتها المقررة للتحقير الوطني، وبناءً على شكوى الفريق المتضرر (الدولة أو الممثل الدبلوماسي)، كل من أقدم علانية على تحقير دولة أجنبية أو جيشها أو علمها أو شعارها الوطني، أو تحقير رئيس دولة أجنبية أو وزرائها أو ممثلها السياسي في لبنان. ويحظر القانون في دعاوى القدح والذم الموجهة لرؤساء الدول الأجنبية وممثليها إثبات صحة الفعل الذي كان موضوعاً للذم، حماية للاستقرار الدبلوماسي وهيبة الممثلين المعتمدين.
خامساً: التمويه العقائدي والشبكات الاستخباراتية المتفرعة كأدوات لتخريب العلاقات
تظهر التحقيقات الجنائية المعاصرة أن الأنشطة التخريبية لا تبدأ بالضرورة بشكل عسكري مباشر، بل تستخدم أساليب غير كلاسيكية تعتمد “التفاصيل الصغيرة” والملفات العقائدية أو الدينية كأدوات تمويه (Diversion) أو كمنصات لإثارة الفتن وتخريب علاقات لبنان الدبلوماسية مع الدول الشقيقة والصديقة كالمملكة العربية السعودية.
1. آلية “التمويه بالتفاصيل” والتكليف متعدد المستويات
في هذا النمط من العمليات، يعمد جهاز المشغل إلى تقسيم المهام على مستويين رئيسيين:
-
المستوى الظاهر (التمويهي): تكليف أفراد أو خلايا بإثارة قضايا عقائدية حساسة ومستفزة، مثل الترويج لخطاب ينكر نبوة الرسول محمد، أو الادعاء لاحقًا بأن ما نُقل عنه مجرد “سوء تفاهم” بهدف امتصاص ردود الفعل وتجنب الملاحقة المباشرة تحت ستار “حرية الرأي” أو “النقاش الفكري”.
-
المستوى المستتر (الأمني اللوجستي): في الوقت الذي ينشغل فيه الرأي العام أو الأجهزة الرقابية بالجدل العقائدي، يتم تكليف أعضاء آخرين في الفريق بمهام لوجستية أو استخباراتية بحتة (مثل رصد المواقع، جمع البيانات، أو تتبع حسابات محددة).
2. تهافت دفع “سوء التفاهم” وعلاقته بالعملاء السابقين
عند وقوع المشتبه بهم في قبضة التحقيق، يكثر اللجوء إلى خطوط دفاع تكتيكية، مثل الزعم بأن التصريحات أو الأنشطة العقائدية كانت ناتجة عن “سوء تفاهم” أو قراءة خاطئة للنصوص. ومع ذلك، فإن هذا الدفع ينهار أمام القضاء اللبناني في حال تقاطعت المعطيات الفنية مع أدلة مادية ملموسة:
-
الاتصال بالعملاء السابقين: إذا كشف التحليل الجنائي الرقمي (Digital Forensics) وتتبع حركة الاتصالات وجود صلات، مباشرة أو غير مباشرة، بين أفراد هذا الفريق وبين “عملاء سابقين” (أشخاص صدرت بحقهم أحكام سابقة بالتعامل أو التجسس)، فإن القضاء يستخلص من ذلك قرينة على “سوء النية” وتوفر “القصد الجرمي”.
-
إعادة تدوير الشبكات: يُظهر هذا الترابط أسلوب الاستخبارات في إعادة تدوير الخطوط القديمة أو استخدام “عملاء معتزلين” كعقد اتصال (Nodes) لتوجيه العناصر الجديدة وتزويدهم بالتعليمات، مما يحول القضية من مجرد انحراف فكري أو “سوء تفاهم” إلى مؤامرة أمنية تهدف إلى زعزعة الاستقرار الداخلي وضرب المصالح الخارجية للدولة.
3. المسؤولية الجنائية للشبكات المتفرعة وغير المباشرة
تعتمد أجهزة الاستخبارات الحديثة على تجنيد أفراد ضمن مجموعات صغيرة جدًا (3 إلى 4 أشخاص أو بشكل فردي)، بحيث ينفذ كل فرد مهمة تقنية أو لوجستية صغيرة (مثل تصوير موقع، جمع بيانات اتصالات، رصد إحداثيات، أو تسليم أموال) دون معرفة باقي أفراد الشبكة أو إدراك المخطط الكامل.
أمام هذا الواقع، لا يشترط القضاء اللبناني وجود “هيكل تنظيمي كلاسيكي موحد” لإثبات الجرم. بل ينظر إلى الغاية النهائية للأفعال والجهة المستفيدة منها؛ فإذا ثبت بالدليل الرقمي أو المالي أن هذه الأنشطة الجزئية صبت في مصلحة جهاز استخباراتي معادٍ، تُكيف الأفعال كجرائم تجسس واشتراك في مؤامرة لمصلحة العدو، ويُحاسب كل فرد بحسب دوره كفاعل أو شريك أو متدخل طالما ثبت لديه عنصر العلم والإدراك بأن سلوكه يخدم جهة أجنبية أو يضر بمصالح لبنان العليا.
سادساً: مآلات المنظومة الجنائية والتوجهات الاستشرافية للتطوير التشريعي
تظهر الدراسة التفصيلية للنصوص الجزائية والإجرائية في القانون اللبناني تصميماً تشريعياً يهدف إلى التوفيق بين مصلحتين متعارضتين: حق الدولة والمجتمع في حفظ السلم الأهلي وملاحقة الجناة، وحق المتهم والمشتبه به في التمتع بقرينة البراءة وضمانات الدفاع العادلة.
ويتضح أن القضاء اللبناني يمتلك أدوات قانونية حازمة في التعامل مع الفارين من وجه العدالة عبر تجميد أموالهم بشكل مؤقت لدفعهم للمثول أمام القضاء، مع الحفاظ على حقهم الدستوري في سقوط تلك التدابير حتماً وإعادة محاكمتهم وجاهياً بمجرد مثولهم من جديد. وفيما يتعلق بجرائم التجسس والتعامل مع العدو، فإن المشرع اللبناني يبدي حزماً ينعكس في إسناد الاختصاص للمحاكم العسكرية واستبعاد أحكام مرور الزمن على الفارين لبلاد العدو في زمن الحرب، متكاملاً مع فرض تدابير رقابة لاحقة كالخطوط الدفاعية الوقائية لمنع المحكومين المفرج عنهم من العودة للنشاط الجرمي.
وعلى صعيد حماية العلاقات الخارجية، تظل المادة 288 عقوبات وما يليها صمام الأمان القانوني الذي يمنع الانزلاق الدبلوماسي الفردي والتخريب المتعمد لعلاقات لبنان الخارجية. غير أن التحدي القائم أمام المشرع والقضاء اللبناني في المستقبل يتمثل في:
-
ضبط معايير “تعكير الصلات” لضمان وضوح النص الجنائي وتجنيب حرية الرأي والتعبير القيود غير المتناسبة.
-
تطوير الأدوات الرقمية والتقنية لأجهزة الضابطة العدلية بما يضمن ملاحقة جرائم التجسس الإلكتروني والعمالة الافتراضية الحديثة، مع الاحترام الكامل للضمانات الأساسية المقررة بموجب التعديلات الأخيرة لأصول المحاكمات الجزائية (كالمادة 47 المعدلة)، ضماناً لسيادة القانون والعدالة الإجرائية والموضوعية على حد سواء.