سابوتاج السيولة والامتثال: الإستراتيجية الإسرائيلية للعزل المالي وتفكيك مقومات الصمود في لبنان

تتكامل الإستراتيجية الإسرائيلية في تدمير البنية التحتية المادية للبنان مع عمليات التخريب المالي والمؤسساتي لشبكات التحويل لتكشف عن غايات وأهداف جيوسياسية وعسكرية بعيدة المدى. ومن خلال منظور الأمن القومي والاقتصاد السياسي للنزاعات، يمكن صياغة ما تريده إسرائيل من هذا الاستهداف المزدوج في أبعاد إستراتيجية مترابطة تنسجم مع مفهوم “الحرب الهجينة” (Hybrid Warfare).

تتمثل الغاية الأولى لإسرائيل في فرض التسوية السياسية والأمنية بشروطها من خلال التركيع الاقتصادي الشامل. تدرك العقيدة الأمنية الإسرائيلية أن حسم المعارك لم يعد يقتصر على الميدان العسكري، بل يتطلب إحداث انهيار في منظومة الصمود الداخلي للخصم. ومن خلال قطع شريان الحوالات المالية الخليجية عبر “OMT” وتجفيف النقد الأجنبي، تسعى إسرائيل إلى تحويل تكلفة الحرب والدمار المادي إلى ضغط معيشي يومي خانق يمس تفاصيل الحياة الأساسية لكل عائلة لبنانية. وتريد إسرائيل من هذا الضغط توليد حالة من السخط الشعبي والتذمر الاجتماعي تدفع بالداخل اللبناني، بمختلف مكوناته الطائفية والسياسية، إلى الضغط على المقاومة وحلفائها للقبول بتنازلات سيادية وأمنية قاسية، تشمل قبول ترتيبات حدودية جديدة، وتفكيك البنية العسكرية، وعزل لبنان عن قضايا المنطقة، دون حاجة إسرائيل لخوض حرب برية طويلة ومكلفة.

أما الغاية الثانية فتركز على منع أي فرصة للتعافي الهيكلي وإعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الحرب. تسعى إسرائيل إلى إبقاء لبنان في نموذج “الدولة الفاشلة” (Failed State) بصفة دائمة، بحيث يظل غارقاً في أزماته الهيكلية وغير قادر على تشكيل أي تهديد إستراتيجي مستقبلي. ومن خلال ضرب سمعة الامتثال المالي للشركات اللبنانية لدى المصارف الخليجية والمراسلة، وتعميق تداعيات إدراج البلاد على القائمة الرمادية، تضمن إسرائيل امتناع الرساميل العربية والغربية عن الاستثمار في إعادة الإعمار، وقطع أي إمكانية لتدفق الودائع والمساعدات المالية الحكومية من الخليج. وتريد إسرائيل بذلك تحويل المساعدات للبنان إلى مجرد برامج إغاثية إنسانية محدودة ومشروطة تقودها المؤسسات الدولية، مما يمنع نهوض الاقتصاد اللبناني مجدداً ويحرمه من ركائزه الإنتاجية والخدماتية.

وتتمثل الغاية الثالثة في إحداث هندسة ديمغرافية واجتماعية تفرغ البلاد من طاقاتها البشرية الحيوية. من خلال تضييق الخناق المالي على النخب والبرجوازية المناطقية كآل معوض في الشمال وأمل أبو زيد في الجنوب، ومحاصرة أدوارهم الخدمية والعقارية المرتبطة بوسطاء كطلال دويهي، تسعى إسرائيل إلى شل أطر الحماية الاجتماعية والاقتصادية الذاتية للمناطق اللبنانية، بما فيها تلك البعيدة عن جبهات القتال المباشر. ويؤدي هذا الشلل الاقتصادي المفتعل إلى دفع شريحة واسعة من الشباب اللبناني والنخب المتخصصة في مجالات الاتصالات، التكنولوجيا، الهندسة، والقطاع المالي (الذين تستهدفهم شبكات التجسس عبر عروض العمل الوهمية) إلى خيار الهجرة الدائمة كسبيل وحيد لتأمين مستقبلهم. وتريد إسرائيل من هذا التفريغ البشري حرمان الدولة والبلد من كفاءاته الأساسية اللازمة لبناء وتطوير أي بنية تحتية دفاعية، تكنولوجية، أو اقتصادية صلبة في المستقبل.

أما الغاية الرابعة والأخيرة فهي تأمين اندماج إسرائيل الاقتصادي والتكنولوجي في المحيط العربي والخليجي مع تهميش وشطب الدور الوظيفي التاريخي للبنان. تسعى إسرائيل إلى تقديم نفسها كالشريك التكنولوجي والأمني الموثوق والقادر على حماية وتطوير المشاريع السيادية الخليجية، لاسيما “رؤية السعودية 2030″، في مقابل تصوير لبنان كمنصة للتهديدات السيبرانية، والتهريب، والتجسس، والجرائم الأمنية والمالية. ومن خلال إحداث قطيعة مالية واقتصادية بين بيروت والرياض والمحيط الخليجي بموجب مفاعيل التخريب الأمني والمالي، تريد إسرائيل عزل لبنان كلياً عن عمقه العربي التاريخي، وتحويله من مركز مالي وثقافي وخدماتي رائد في الشرق الأوسط إلى جيب جغرافي معزول وفقير، بينما تترسخ مكانة إسرائيل كقطب تكنولوجي واقتصادي مهيمن يقود صياغة المعادلات الإقليمية الجديدة.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …