هندسة العزلة النقدية: تكتيكات السابوتاج الاستخباري وتفخيخ الامتثال لقطع التدفقات المالية بين لبنان والخليج

لم تعد أدوات الصراع المعاصر تقتصر على المواجهات العسكرية التقليدية، بل امتدت لتشمل جبهات الحرب المالية الناعمة التي تستهدف تجفيف منابع السيولة وتقويض الصمود المجتمعي. وفي الحالة اللبنانية، يمثل قطاع الحوالات المالية غير المصرفية، وتحديداً شبكة شركة “OMT” بوصفها الوكيل الأبرز لشركة “ويسترن يونيون” العالمية، العصب الحيوي لاقتصاد نقدي مباشر يسد الشلل المصرفي القائم منذ عام 2019. ومن هنا، تتبلور الإستراتيجية الإسرائيلية الرامية لعزل لبنان اقتصادياً عن عمقه الخليجي من خلال استهداف وتخريب مصالح هذه الشبكة، عبر تفخيخ معايير الامتثال المالي الدولية لضرب موثوقية الائتمان ومقاصة الأموال بين بيروت والعواصم الخليجية.


تكتيك تفخيخ الامتثال والتحريض الرقابي الدولي

يرتكز التكتيك الأبرز للسابوتاج الاستخباري على استغلال الأنظمة التقنية لشركات التحويل المالي وتوظيفها لإنتاج مؤشرات مخاطر مرتفعة. وتقوم الأجهزة الإسرائيلية بتمرير مبالغ مخصصة للتجنيد والتشغيل الأمني المتراوحة بين 50 و500 دولار عبر قنوات “OMT”، ليس فقط لتمويل شبكات التجسس بكلفة منخفضة، بل لإنتاج قيد مالي مشبوه داخل نظام تتبع المعاملات. ويهدف هذا السلوك بشكل متعمد إلى إثبات فشل نظام التحقق “اعرف عميلك” (KYC) لدى الوكيل اللبناني في رصد المعاملات المرتبطة بأنشطة غير مشروعة أو حسابات وهمية، مما يمنح الجهات المحرضة دليلاً ورقياً يُقدّم لوكالات الرقابة الدولية والمصارف المراسلة لإثبات عدم أمان القنوات المالية اللبنانية.


تحفيز سياسات “تقليل المخاطر” وقطع المقاصة الخليجية

ينطوي هذا التخريب الممنهج لسمعة الامتثال لشركة “OMT” على هدف إستراتيجي يتمثل في دفع المصارف الخليجية المراسلة نحو تبني سياسات “تقليل المخاطر” (De-risking). وحيث إن الحوالات الواردة من الخليج تمثل الرافد الأكبر للكتلة النقدية المغذية لـ 130 ألف عائلة لبنانية، فإن تشويه سمعة الوكيل المحلي يهدف إلى إجبار البنوك المركزية والتجارية في دول الخليج، ولاسيما السعودية، على وقف تعاملاتها وتجميد خطوط المقاصة مع “OMT” تجنباً للوقوع تحت طائلة العقوبات الأميركية الثانوية. ويؤدي قطع هذه القنوات إلى عزل لبنان مالياً واقتصادياً عن مغتربيه، وهو ما يترجم مفاعيل تخريب العلاقات الدبلوماسية والمالية عبر آليات الضغط النقدي الموجه.


استغلال القائمة الرمادية وتصفية الترخيص الدولي

يستغل المخطط الاستخباري حساسية الموقف النقدي للبنان، لاسيما بعد إدراجه مؤخراً على القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي (FATF). إن وضع النظام المالي اللبناني تحت المراقبة المشددة يجعل أي شبهة أو خرق أمني يُرصد داخل شبكة “OMT” سبباً كافياً لإثارة الذعر لدى الإدارات المالية الدولية. وتسعى هذه الإستراتيجية الإسرائيلية إلى تصدير صورة لشركة “ويسترن يونيون” الأم تفيد بأن وكيلها اللبناني يمثل ثغرة أمنية ومالية تمرر من خلالها أموال خلايا التجسس، مما يضغط باتجاه تعليق رخصة الوكيل المحلي أو فرض قيود تمنع المعاملات الرقمية، وهو ما يعني حرمان الاقتصاد اللبناني من شريان السيولة الرئيسي وتعميق الهشاشة الاجتماعية للأسر.


الآثار الماكرو-اقتصادية وتفكيك الصمود المجتمعي

تتعدى نتائج هذا الحصار المالي حدود حظر الحوالات الفردية لتضرب البنية التحتية للاستقرار الاجتماعي وصمود البيئات المحلية. ويؤدي تجفيف قنوات التمويل الخليجية لـ “OMT” إلى حرمان قطاعات واسعة من المعروض النقدي، مما ينعكس مباشرة على تراجع القدرة الشرائية وإصابة الأسواق بحالة من الشلل التجاري والإنتاجي. وتخدم هذه النتيجة الإستراتيجية الرامية لتقويض البيئة الحاضنة وتفريغ الصمود المجتمعي، حيث تتراجع قدرة البرجوازية المناطقية والوسطاء المحليين، في مناطق حساسة كجزين وزغرتا، على تأمين شبكات الرعاية والخدمات والمساعدات الصحية والتعليمية لعائلاتهم، مما يولد ضغوطاً معيشية متصاعدة تدفع السكان نحو خيارات الانكفاء والهجرة كسبيل وحيد للبقاء.


الرقابة السيبرانية المالية كخط دفاع سيادي

لمواجهة هذا المخطط الذي يوظف الأنظمة المالية كأدوات لتخريب الاستقرار الوطني، تبرز حاجة ملحة لتطوير أدوات الدفاع الوقائي عبر تعزيز الأمن السيبراني المصرفي والمالي في لبنان. ويتطلب ذلك فرض رقابة قضائية وتفتيشية صارمة ومستمرة على التحويلات الصغيرة المتكررة الواردة عبر قنوات التحويل السريع، لاسيما تلك المشحونة من حسابات وهمية أو عبر دول وسيطة دون غطاء اقتصادي مبرر. إن تشديد هذه الرقابة يسهم في كشف التدفقات المالية المستخدمة في التشغيل الأمني، ويحمي مصداقية شركة “OMT” وامتثالها الدولي، مما يقطع الطريق على محاولات عزل لبنان المالي، ويصون المصالح الحيوية المشتركة مع البيئة الخليجية الحاضنة للاغتراب اللبناني.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …