ملاك التعذيب: اترك منزلك كما هو… ما بعد بعد الاخفاء القسري والتهجير

اترك منزلك كما هو… وانا اصبح انت بقصة شبيهة. لكن بتفاصيل ذنبي المبرأ . في غرفتي string… لا يلاءم رؤوس لا تميز بين الجنس للجنس والاثارة بهدف بناء الانسان ومستقبل وتلوين الحياة باطفال، واحلام، وطموحات! صاغية: يصلح مكتبك للـ 24-24؟ 

يسود في الثقافة السياسية والشعبية تصور تقليدي يربط الصراعات الدولية والجهود الاستخباراتية بأعمال التجسس الكلاسيكي والحروب المادية المباشرة. غير أن الواقع العملي يكشف عن حقيقة مغايرة تماماً؛ إذ تتركز الاستراتيجيات الحديثة للقوى المهيمنة على ما يُعرف بـ “التخريب الأيديولوجي” أو الحرب النفسية وصياغة الإدراك. إن الهدف الأسمى لهذه الاستراتيجيات لا يكمن في تدمير مادي عابر، بل في صياغة هزيمة معنوية مستدامة عبر هندسة نفسية وإدراكية ممنهجة تُعرف بمفهوم “كي الوعي”، وهي عملية تتجاوز حدود إحباط الخصم لتصل إلى قرصنة مكتسباته وتاريخه وإعادة توظيفها لخدمة مشاريع الهيمنة.

تتحرك عملية “كي الوعي” عبر مسارات مترابطة تتداخل فيها القوة المادية مع التوجيه النفسي والإعلامي لتغيير إدراك المجتمع لذاته وللعدو وللمستقبل، بحيث يصبح الاستسلام خياراً عقلانياً وتلقائياً. وتبدأ هذه العملية بتطبيق نظرية علم النفس المعروفة بـ “العجز المكتسب”؛ حيث يُعرَّض المجتمع المستهدف لصدمات مادية متتالية ومفرطة عسكرياً واقتصادياً، تُصمم لتكون استعراضية وفوق متوقعة. ومع تكرار هذه التجارب الصادمة، يتولد لدى الوعي الجمعي شعور بأن أفعاله ومقاومته لا جدوى منها، فيتوقف تدريجياً عن الممانعة حمايةً لما تبقى من مقومات الحياة. ويرافق هذا الشلل المعنوي تفكيك ممنهج للسردية التاريخية عبر شيطنة الرموز وتصوير محطات النضال السابقة كأخطاء كارثية جلبت الدمار، مع فرض بدائل فكرية تُصوّر الطرف المهيمن كقوة عقلانية وتقدمية حريصة على الاستقرار.

ولعل النموذج الإسرائيلي في إدارة الصراع يمثل أحد أوضح التطبيقات العملية لهذا المفهوم في المنطقة العربية والفلسطينية؛ إذ توظف استراتيجية “كي الوعي” لترسيخ سردية التفوق المطلق للعدو وبث روح الهزيمة الحتمية. ويظهر ذلك جلياً في سياسة تدجين الأولويات وتقزيم الطموح الوطني، حيث تُنقل انشغالات المجتمع من الأهداف الكبرى كالحرية والاستقلال والسيادة إلى قضايا البقاء البيولوجي واليومي. وعبر سياسات التضييق الاقتصادي والحصار الممنهج، يُصبح الحصول على معبر أو تمديد ساعات الخدمات الأساسية بمثابة إنجاز وطني تفاوضي، مما يحد من الأفق الاستراتيجي للمجتمع ويحصره في متطلبات العيش المؤقت. ومع إذكاء الانقسامات البينية وإبراز عبثية التضحية، تتسع الفجوة بين المجتمع الحاضن ومرجعياته الفكرية والسياسية، مما يؤدي في النهاية إلى الاعتياد والتكيف النفسي مع الواقع المشوه كآلية دفاعية للبقاء.

غير أن عملية “كي الوعي” لا تكتفي بإيصال الخصم إلى حالة العجز والقبول بالأمر الواقع، بل تتجاوز ذلك في مراحلها الأكثر تعقيداً إلى ما يمكن تسميته بـ “القرصنة الإدراكية”؛ وهي عملية السطو على مكتسبات المجتمع وتضحياته وإعادة تأطيرها ونسبتها إلى أطراف أخرى لتمرير رسائل تخدم مشروع الهيمنة. وتبدأ هذه القرصنة بـ “العزل الدلالي” للإنجازات؛ فإذا حقق مجتمع ما مكسباً بفعل صموده، يُعزل هذا المكسب عن سياقه النضالي ويُعاد تصويره كـ “مبادرة حسن نية” من الطرف المهيمن أو نتيجة لمرونة وتنازلات المفاوض المهادن، مما يرسخ فكرة أن المساومة والتبعية هما السبيل الوحيد لتحقيق النتائج.

وفي هذا السياق، تلجأ القوى المهيمنة إلى صناعة وتصدير “الوكلاء الإدراكيين”؛ وهم شخصيات أو كيانات تُصنع بمقاييس الاعتدال المطلوبة، وتُمنح تسهيلات أو انتصارات وهمية مسيطر عليها لتبدو كإنجازات دبلوماسية ناتجة عن علاقاتهم الطيبة مع المهيمن. ومن خلال نسبة تضحيات المجتمع التاريخية لهذه الواجهات المدجنة، تُصنع لها شرعية شعبية زنيفة تُستغل لاحقاً لتمرير رسائل الاستكانة والتعايش غير المتكافئ، واستخدام ذات الشعارات النبيلة التي كان يرفعها المجتمع سابقاً بعد تفريغها من مضمونها الفعلي.

وتكتمل هذه المنظومة بالسطو على المصطلحات وإعادة تعريفها؛ فيتحول “السلام” إلى مرادف للقبول بالأمر الواقع دون شروط، وتصبح “الواقعية” غطاءً للتخلي عن الثوابت والتضحيات، بينما تُطرح “التنمية والازدهار” كبدائل للحرية والسيادة الوطنية عبر مقايضة الحقوق الأساسية بمشاريع اقتصادية مشروطة وتابعة. ويترافق ذلك مع عملية “قلب أخلاقي” وتبادل للأدوار، حيث تُصنف المكتسبات الدفاعية للمجتمع كاعتداءات وسلوكيات غير مسؤولة، بينما تُصوّر تدابير القوة المهيمنة كخطوات دفاعية مشروعة للحفاظ على النظام والاستقرار. ويؤدي هذا التبادل للأدوار إلى توليد شعور بالذنب الأخلاقي لدى المجتمع تجاه ماضيه النضالي، مما يسهل على الشخص البديل تمرير رسائل الإدانة المبطنة للتاريخ الوطني والدعوة لصفحة جديدة تقوم على التبعية الكاملة تحت غطاء العقلانية والتسامح.

إن الحصيلة النهائية لتكامل آليات “كي الوعي” مع القرصنة الإدراكية هي وصول المجتمع إلى حالة لا يكتفي فيها بالقبول بالهزيمة، بل يتبنى رسائل خصمه ويدافع عنها باعتبارها المخرج الوحيد للأزمة. ومن هنا، فإن مواجهة هذه الأنماط المتقدمة من الحرب النفسية تتطلب بناء “حصانة فكرية ومعرفية ذاتية” تقوم على استعادة الذاكرة الجماعية وحمايتها من التشويه، وتثبيت المفاهيم والمصطلحات في سياقاتها الصحيحة، ورفض مقايضة الحقوق السياسية والسيادية بالامتيازات الخدمية المؤقتة. إن تمسك المجتمعات بوعيها وتاريخها وقدرتها على تقييم الأمور بشكل مستقل يظل خط الدفاع الحقيقي والوحيد لإحباط مشاريع التفكيك والقرصنة قبل استقرارها كأمر واقع

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …