زيارة جوزيف عون إلى واشنطن: الدعم الأميركي للجيش بين وعود ترامب ومطرقة الكونغرس

في أول زيارة لرئيس لبناني إلى العاصمة الأميركية واشنطن منذ عام 2009، حمل الرئيس جوزيف عون ملفات بلاده الشائكة إلى البيت الأبيض. هناك، التقى بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أطلق وعداً صريحاً بأن “الولايات المتحدة ستساعد لبنان في المرحلة المقبلة”. شكّل هذا التصريح دعماً سياسياً بارزاً للمسار الذي يقوده عون، خصوصاً في توقيت شديد الحساسية تسعى فيه بيروت لتثبيت وقف إطلاق النار مع إسرائيل، وضمان انسحاب القوات الإسرائيلية من الجنوب، إلى جانب الهدف المحوري المتمثل في تعزيز قدرات الجيش اللبناني.

وشملت الزيارة الرسمية لقاءات مع أركان الإدارة الأميركية، أبرزهم وزير الخارجية ماركو روبيو، بالإضافة إلى أعضاء في مجلس الشيوخ، لبحث العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية. ورغم الأجواء الإيجابية التي غلفت المحادثات، والتأكيد على دعم المؤسسة العسكرية اللبنانية، إلا أن القراءة المتأنية لآليات صنع القرار في واشنطن تؤكد أن المساعدة الأميركية للجيش ليست “شيكاً مفتوحاً”.

عملياً، لا يوجد ما يضمن استمرار هذا الدعم بشكل كامل بناءً على وعد شخصي من الرئيس ترامب وحده؛ فأي مساعدة أميركية تصبح مرتبطة حكماً بقرار سياسي ومالي أميركي داخلي. الدعم الأميركي هو أداة ضغط سياسية ترتبط بشروط واضحة، أبرزها دور الجيش في ضبط الجنوب ونزع سلاح حزب الله. وقد تجلى ذلك بوضوح في قانون الدفاع لعام 2026 الذي أقره الكونغرس، والذي وضع شروطاً صارمة على المساعدات للبنان، شملت إلزام وزارة الدفاع والقيادة المركزية بتقديم تقرير مفصل بحلول 30 يونيو 2026، مع الاحتفاظ بحق تعليق المساعدات إذا رأت واشنطن أن الجيش اللبناني غير مستعد لنزع سلاح الحزب.

من هنا تبرز مسألة المحاسبة وآليات التنفيذ. فالضمانة ليست مرتبطة بجهة لبنانية، بل تخضع لرقابة صارمة من داخل النظام الأميركي نفسه. الكونغرس يمسك بزمام الأمور عبر قوانين الاعتمادات، بينما تتولى وزارات الدفاع، الخزانة، والخارجية آليات الصرف. والتاريخ القريب يشهد على دور هذه الإجراءات، حيث سبق أن جُمّدت مساعدات مخصصة للبنان قبل أن يُفرج عنها لاحقاً وفقاً للتقييمات السياسية.

وحتى على الصعيد المالي الداخلي، وفي حال واجهت واشنطن عجزاً أو ضغطاً في الميزانية بسبب إنفاق إضافي أو أزمات طارئة، فإن الكونغرس والإدارة الأميركية هما من يعيدان ترتيب أولويات الاعتمادات، وليس الوعود الرئاسية المنفردة.

بناءً على ذلك، فإن الضمانة الحقيقية لنجاح مساعي الرئيس جوزيف عون لا تكمن فقط في “الثقة الشخصية” التي قد يمنحها إياه ترامب، بل في قدرة الإدارة اللبنانية على إثبات تقاطع المصالح الأمنية بين بيروت وواشنطن، والتعامل مع نصوص قانونية صارمة، واستمرار رقابة الكونغرس الذي سيبقي عينه ساهرة على كل دولار يُرسل إلى بيروت خلال عامي 2025 و2026.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …