“مشاريع الإنجاب” بين فذلكة النخبة والواقع البيولوجي البارد: كيف يعقّد المجتمع الرحلة الأبسط؟

تبدأ الحكاية غالباً من منصات التوجيه الاجتماعي والخطابات الوعظية الشعبية التي تحيطنا بهالة من التناقضات المضحكة؛ حيث يتحول الزواج سريعاً إلى ما يشبه “شركة مساهمة مقفلة” تترأس مجلس إدارتها “جمعية الخالات والجدات”. في هذا المناخ الاستثماري، يُنتظر من المتزوجين حديثاً تقديم “نتائج ملموسة” قبل نهاية السنة المالية الأولى، وإلا اعتُبر المشروع فاشلاً. المفارقة هنا تكمن في “كتيب التعليمات” غير المكتوب الذي يوزعه المجتمع؛ إذ يُطلب من المرأة تقديم أداء إنجابي فائق السرعة، بينما تُحاط رغبتها ومتعتها بأسلاك شائكة من الخجل والصمت والتحذيرات التي تعتبر النشوة ترفاً لا داعي له، أو ربما دليلاً على “جرأة غير مستحبة”. هذا الخطاب يعامل جسد المرأة وكأنه جهاز منزلي يجب أن يؤدي وظيفته بصمت ودون إصدار أي “أصوات متعة”، مما يخلق فجوة عميقة تصبح فيها المرأة متهمة بالتقصير إذا لم يحدث الحمل، ومطالبة بكتمان رغبتها لكي تظل صالحة للقبول الاجتماعي.

ولا يقتصر هذا التعقيم اللفظي على الأوساط الشعبية، بل يمتد بظلاله الساخرة إلى صالونات النخبة الفكرية والحقوقية؛ حيث تُناقش أكثر العلاقات حميميةً بلغة غارقة في التجريد. وفي خضم هذا المشهد، لا يمكنني نسيان ذلك اللقاء الأخير في أروقة “المفكرة القانونية”، حيث كان “الصاغية نزار” يلقي محاضرةً بوقار شديد، محاولاً بشتى السبل تجنب نطق مصطلحات حميمية بمسماها المباشر. وفي لحظة تجلٍّ لغوي فريدة، تفتق ذهنه عن استخدام مصطلح “مطاط” للإشارة إلى الواقي الذكري! طبعا لن يفهم احد ماذا يريد ان يقول: لي ! انا محترفة الهرب من المواضيع الحساسة. في تلك اللحظة بالذات، انفجرتُ ضاحكةً وسط القاعة الهادئة؛ إذ بدا المصطلح مطاطياً ومضحكاً لدرجة لا يمكن تداركها. أخذني الضحك حينها إلى مسارات من التخمين الساخر حول طبيعة نزار الموقر؛ فافترضتُ لسببين أن هذا الهروب اللغوي المبتكر يعود إما لكونه يعيش في كوكب آخر بعيداً عن تفاصيل العلاقات التقليدية (ربما لكونه مثلياً لا يعبأ بتركيبات القلق الزواجي المعتادة)، أو لأنه غارق حتى أذنيه في التفكير بصاحبة “الشعر الأسود” التي سلبت لبه وجعلته عاجزاً عن استحضار التسميات البسيطة للأشياء.

الأكثر طرافة في تلك الجلسة، هو أن نزار –ربما ليسهل قرار الزواج المعقد– اقترح فكرةً ثورية: “لماذا لا نعتمد اللقاح (التلقيح الاصطناعي) كبديل كامل للعلاقة الجسدية؟”. هل عرف احد ما عن ماذا يتكلم وفي اي مقال! هو هكذا… علمته اللسانيات فاصبح يغيظني بها. علّني اتي لاتاكد من هويته الجنسية؟ عن قرب ربما!  بدا هذا الاقتراح كأنه الحل البيروقراطي الأمثل للتخلص من كابوس “اللقاءات المؤجلة” وأعذارها اللامتناهية. وربما كانت تلك اللقاءات مؤجلة بفضل “ذاك المعالج النفسي” الذي ذهبتُ إليه طلباً للترميم، فإذا به يمنحني جرحاً أعمق بكثير من فكرة وجود امرأة أخرى في مكاني؛ معالجٌ فاشل حوّل محاولات الفهم العاطفي إلى حقل ألغام، ليتركنا نتساءل عن جدوى الكتابة، لكننا نكتب على أي حال لعلنا نفرغ شحنة السخرية من هذا العالم المرتبك.

تأخذنا أفكار نزار “المطاطية” واقتراحاته العيادية مباشرةً إلى قلب الأزمة النفسية التي تعصف بـ”مشاريع الحمل”. فحين تتحول العلاقة بتأثير الضغوط الاجتماعية، ونصائح المعالجين النفسيين الجارحة، وتوجيهات المنصات، إلى مجرد واجب تقني بارد يشبه “اللقاح”، يرتفع هرمون التوتر إلى أقصى درجاته. في هذه الأجواء المشحونة بالقلق والترقب، يفرز الجسم كميات هائلة من الكورتيزول والأدرينالين، وكأن الجسد يستعد لخوض معركة حاسمة وليس للاسترخاء الحميمي. هذه الهرمونات كفيلة بيولوجياً بإرسال إشارة عاجلة إلى المبيضين: “الوضع خطر، يرجى إلغاء التبويض لحين إشعار آخر”. وهكذا، فإن المحاولات المستميتة لإنجاح المشروع عبر إخضاعه للرقابة الصارمة تؤدي إلى هروب البويضة خوفاً من الأجواء المتوترة، بدلاً من تهيئة بيئة نفسية وجسدية هادئة تسهم فيها النشوة طبيعياً في إفراز هرمونات الألفة مثل الأوكسيتوسين والإندورفين.

وعندما يتأخر الحمل بسبب هذا التوتر المتبادل، لا يلجأ الشركاء عادةً إلى الاسترخاء، بل يغرقون في مستنقع الخرافات والشائعات الشعبية ومنتديات الإنترنت. هنا ندخل منطقة الخيال العلمي الشعبي؛ حيث تظهر نصائح مثل “الاستلقاء بزاوية 45 درجة مع توجيه الرأس نحو الشمال الشرقي بعد العلاقة”، أو تناول خلطات عشبية غريبة. ولعل الطرفة الأبرز هي ربط توقيت النشوة بجنس الجنين؛ حيث تسري إشاعة مفادها أنه إذا وصلت المرأة لنشوتها أولاً فسيكون المولود ذكراً، وإذا وصل الرجل أولاً ستكون أنثى. وتصوّر هذه النظرية الكروموسومات (X و Y) وكأنها في سباق حواجز داخل نفق مظلم، تنتظر إشارة البدء من الجهاز العصبي للمرأة لتقرر أي منها يرتدي الميدالية الذهبية. والواقع الطبي يتعامل مع هذه الأطروحات بابتسامة باردة؛ فالكروموسومات لا تملك بوصلة تدار بالمشاعر، وجنس الجنين يحسمه نوع الكروموسوم المحمول في الحيوان المنوي الفائز بالوصول أولاً، بصرف النظر عما إذا كانت الزوجة تفكر في الرومانسية أو في فذلكات نزار اللغوية، كما أن غياب النشوة لا يعني إطلاقاً إصابة المرأة بالعقم أو نقص خصوبتها التي تعتمد على عوامل هرمونية وعضوية بحتة.

أمام هذا الإحباط، يحاول بعض الباحثين إيجاد مبرر “بيولوجي” لوجود النشوة عبر فرضية “الشفط الرحمي”؛ حيث يُشاع أن انقباضات الرحم أثناء النشوة تعمل كمكنسة كهربائية لشفط الحيوانات المنوية وتقريب مسافتها باتجاه قناتي فالوب. ورغم أن الفكرة تبدو عبقرية من الناحية الميكانيكية، إلا أن الأدلة الطبية على البشر تظل ضعيفة وغير قاطعة؛ فالرحم يقوم بوظيفته بكفاءة دون الحاجة لخاصية “التوربو” التي توفرها النشوة. فالتبويض عند البشر عملية آلية مستقلة تماماً تحكمها الهرمونات، وليست مشروطة بالإثارة الجسدية كما هو الحال لدى الأرانب مثلاً، والتي لا تفرز بويضاتها إلا تحت تأثير الجماع المباشر؛ ولعل هذا يفسر لماذا لا تعاني الأرانب من أزمة تأخر إنجاب، ولماذا لا تحتاج لزيارة أطباء الخصوبة أو المعالجين النفسيين.

وهذا يقودنا في النهاية إلى الحقيقة البيولوجية العارية من أي مساحيق تجميلية أو تعقيدات فكرية، وهي الإجابة على السؤال الأساسي: هل يمكن حدوث الحمل بدون نشوة؟

الجواب الطبي الحاسم هو نعم، وبكل بساطة. فالطبيعة في تصميمها لعملية التكاثر تبدو عملية ومستقلة تماماً عن رغباتنا أو مدى استمتاعنا؛ فهي لا ترسل استبياناً لقياس جودة العلاقة أو مدى رضا الأطراف قبل البدء في عملية الإخصاب. الحيوان المنوي يحتاج فقط إلى بويضة ناضجة وقناة فالوب سالكة لإتمام المهمة، وهي معادلة ميكانيكية بحتة يمكن أن تحدث في أكثر الظروف كآبة وخلوّاً من المشاعر، كما يحدث في حالات التلقيح الاصطناعي في المختبرات الباردة، أو في حالات الاعتداء. الخلاصة أن الطبيعة تكتفي بالحد الأدنى من الشروط البيولوجية، ولا تحتاج لـ”مطاط” نزار، ولا لمقترحه حول “اللقاح”، ولا حتى لمعالج نفسي يداوي الجروح بملح إضافي؛ تاركة للبشر متسعاً من الوقت والجهد لتعقيد الحكاية وخلق الدراما حول عملية كانت لتسير بسلام لو تخلوا قليلاً عن قلقهم وتفسيراتهم المعقدة.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الجنس في حذائك والسلطة في جلستك: سيكولوجية الإغراء الغامض في الموضة القادمة

لم تكن الملابس يوماً مجرد درع للوقاية أو غطاء للجسد، بل كانت دائماً اللغة الأكثر …