من إنهاك الجنس المكرر إلى قيامة الرحم: التفكيك الإيروتيكي والسيميائي لفيلم “Pieces of a Woman”

يقدم فيلم “Pieces of a Woman” الصادر عام 2020 على منصة نيتفليكس، للكاتبة كاتا فيبر والمخرج المجرّي كورنيل موندروتسو، تجربة سينمائية فريدة تتجاوز حدود الدراما التقليدية حول الفقد، لتستحيل ملحمة بصرية ونفسية تفكك أبعاد التروما، الصراع الطبقي، والتاريخ البشري المثقل بالصدمات. وقد تجسد هذا العمل الخالد بفضل الأداء المذهل لفريق الممثلين، وعلى رأسهم فانيسا كيربي في دور الأم مارثا ويس، وهو الأداء الذي حازت عنه جائزة كأس فولبي لأفضل ممثلة في مهرجان فينيسيا السينمائي ورُشحت بفضله لجائزة الأوسكار، إلى جانب شيا لابوف في دور الزوج شون كارسون، وإيلين بورستين في دور الجدة إليزابيث ويس، وساراه سنوك في دور المحامية والمقربة سوزان، ومولي باركر في دور القابلة إيفا وودوارد، وإيليزا شليسينغر في دور الأخت أنيتا، وستيفن باسكوال في دور بائع السيارات كريس. يعمل الفيلم على عدة مستويات متقاطعة تجمع بين دقة التشريح الطبي والواقعية المفرطة لمشهد الولادة المنزلية، وبين التحليل السيكولوجي العميق للحزن غير الخطي، والإسقاط الفلسفي والسيميائي الذي يربط بين الطبقية، الفكر البنائي، الهوية التاريخية، والتعافي من الصدمات.

يبدأ الفيلم بمشهد افتتاح يمتد لأربع وعشرين دقيقة في لقطة واحدة متواصلة دون انقطاع، تجسد تجربة الولادة المنزلية بواقعية طبية سينمائية غير مسبوقة. لم يكن هذا المشهد استعراضاً تقنياً مجرداً، بل كان تشريحاً جسدياً نادراً اعتمد على استخدام بديلين اصطناعيين شديدي الواقعية لبطن الحامل وجسدها السفلي؛ حيث أُلحقت القماشية الاصطناعية بجسد فانيسا كيربي عبر تثبيت مخفي أسفل الأرداف دون أن يظهر أي شد غير طبيعي للجلد، مع بروز واضح لسرّة البطن وانحناءات الحمل الطبيعية. وقد استعرض المشهد سلوك التأشيش الفطري لدى الثدييات في أواخر الحمل، موضحاً الفارق الطبي بين مرحلة التناقل في الحمل التي تنتهي بالولادة، وبين مرحلة التناقل في الأمومة التي تمتد إلى ما بعد الولادة. ومع بدء الانقباضات، ظهر تحول مارثا النفسي وانكفاؤها الداخلي فيما يعرف بـ “أرض الولادة”، حيث يقل تفاعلها الاجتماعي مقارنة بظهورها السابق في حفلة مغادرتها للعمل أو في معرض السيارات مع كريس. وفي هذه الأثناء، ظهر شون بدوره التقليدي متسائلاً عما يمكنه فعله، لتبدأ الاتصالات بالقابلة الأساسية باربارا، والتي تملك كغالبية قابلات الولادة المنزلية قابلة بديلة هي إيفا. وقد استعرض المشهد لقطات عملية لمساعدة الأم عبر لعبة بطاقات خيارات الولادة، إلى جانب وسائل التشتيت كإلقاء شون لدعابة حول الموسيقى المفضلة للبروكلي وهي موسيقى الروك آند رول، وهو أسلوب طبي يسهم في خفض هرمون التوتر الكورتيزول وزيادة نسبة الأكسجين.

وتلت ذلك لحظة تمزق الأغشية وتدفق السائل الآمنيوسي، والتي جسدها الفيلم بدقة علمية تصحح المبالغات السينمائية الشائعة؛ فلم يحدث ذلك الانفجار المائي الدرامي المعتاد في المتاجر، بل اقتصر الأمر على تسرب بسيط لعدة معالق نشأ عنه شعور يشبه التبول غير الإرادي، مما أدى فوراً إلى تسارع حدة الانقباضات وتواترها. واستعرض المشهد استخدام الصوت والأصوات الصادرة عن الأم كطريقة طبيعية لإحداث اهتزازات تخفف ألم الأنسجة والعظام، إلى جانب تعامل شون مع نوبات الغثيان والقيء التي تصيب الأم في نحو ربع حالات الولادة بإحضار وعاء مخصص. وقد تنقلت مارثا بين وضعيات الاستلقاء الجانبي، التدليك، وضعية الركوع على الأيدي والركبتين، والعلاج المائي داخل حوض الاستحمام لتخفيف ألم الحوض مع نزول رأس الطفل إلى النقطة صفر في منطقة العجان. وعند وصول القابلة البديلة إيفا وودوارد بهدوء، أجرى الفحص المهبلي الأول ليظهر اتساع الرحم بمقدار ستة سنتيمترات، قبل أن يصل لاحقاً إلى الاتساع الكامل. ولكن المأساة بدأت بالظهور عندما سجلت سماعة الأجنة انخفاضاً متواصلاً في نبضات قلب الطفل خلال انقباضتين متتاليتين دون العودة إلى النبض الطبيعي بين الانقباضات؛ وهنا أظهرت القابلة ثباتاً مهنياً بحث شون هادئاً على الاتصال برقم الطوارئ تسعة واحد واحد دون إخافة الأم. وعقب مرحلة بروز الرأس، ولدت الطفلة إيفيت وأطلقت صراخها الأول الذي منح الجميع طمأنينة مؤقتة، حتى أن القابلة انسحبت للمرآة لبكاء خاطف من شدة التأثر بعيداً عن أعين الوالدين، قبل أن تصاب الرضيعة فوراً بالزراق وفشل التنفس. ورغم استخدام القابلة لكيس التنفس الاصطناعي وهرع شون للشارع لاستقبال سيارة الإسعاف، توفيت الطفلة.

ولم يقتصر الفيلم على تشريح الولادة، بل امتد لتقديم قراءة سيميائية وفلسفية للتوازي البيولوجي والجمالي بين الولادة والممارسة الجنسية العنيفة؛ حيث ظهرت الأعضاء التناسلية والرحم في مشهد الولادة كمسرح مقدس يفيض بجماليات الجنس نفسه الذي يخرج الحياة من أعمق نقطة في الجسد. فمن الناحية الفيزيولوجية، يُعد هرمون الأوكسيتوسين المفرَز بكثافة أثناء انقباضات الرحم هو نفسه الهرمون المسؤول عن الوصول إلى الذروة الجنسية، مما جعل الأصوات، الزفير، التعرق، والانقباضات الجسدية الارتدادية في مشهد الولادة الممتد تتشابه تماماً مع جماليات وفيزيائية الذروة الجنسية المجهدة التي تعقب جنس تكرر كثيراً فأصبح الوصول لشرارته معقداً. الكاميرا لم تتعامل مع الرحم والأعضاء التناسلية كموضوع طبي بارد أو معقم، بل استعرضت الجسد الأنثوي في ذروة حقيقته العارية والجمالية، حيث يلتقي ألم خروج الطفل بجمالية اللذة التي أوجدته. لقد كان هذا التشابه العضوي يتعمد إبراز التناقض الدرامي القاتل؛ حيث يتحول عطاء الجسد الأقصى، الذي يفترض أن ينتج قمة اللذة والحياة عبر خروج طفل حقيقي من الرحم، في ثوانٍ معدودة إلى صدمة الموت والصمت. وقد كانت تلك النشوة والشغف الجسدي بمثابة المخدر الذي غطى في البداية على الاختلافات الطبقية والثقافية الهائلة بين ابنة الأثرياء وعامل البناء، وجعلتهما يستمران بل ويقرران الإنجاب رغم أن زواجهما يفتقر للأرضية الفكرية المشتركة. وكانت الولادة الحية للطفلة ولمسها لدقائق هي الذروة القصوى والانتصار المؤقت لهذا الشغف الجسدي، لكن موتها المباشر شكل صدمة ارتدادية أنهت مفعول المخدر الجسدي، ليستيقظ الزوجان على الواقع الطبقي البارد. وتجلى ميكانيكية هذا الإنهاك سيكولوجياً في محاولات شون اللاحقة لتكرار العملية الجنسية وإجبار مارثا عليها كوسيلة بائسة لإحياء الزواج؛ فحين يتحول الجنس إلى واجب مكرر ومستنزف أو أداة لتغطية الفشل، يصبح بلوغ النشوة العاطفية أو الجسدية مستحيلاً، مما جعل مارثا تصده وترفضه بعقلانية واعية.

وفي هذا المشهد تحديداً، تتجلى المواجهة الفلسفية والجسدية بين قوتين متناقضين تماماً في التعامل مع جسد مارثا وغرائزها؛ فالقابلة إيفا والأم إليزابيث تمثلان رؤيتين متضادتين للوجود. فالقابلة إيفا تعاملت مع الولادة كطقس جسدي وحسي مقدس يمجّد الطبيعة والأمومة البدائية والتحرر الجسدي؛ فشجعت مارثا بهدوء على الصراخ والتحرك بحرية والانثيال مع آلامها ودعمت الحميمية والملامسة الجسدية مع شون. إيفا مثلت سيميائياً “الأرض والطبيعة الأم” التي تؤمن بأن الولادة هي ذروة الامتداد للجنس، وأن الوصول لتلك النشوة المجهدة هو المسار الطبيعي الوحيد لخروج الحياة. في المقابل، جسدت الأم إليزابيث عقلية السيطرة والتعقيم وقمع الغرائز؛ فهي تنتمي لطبقة برجوازية ترى في الولادة المنزلية تصرفاً همجياً وغير آمن وتريد التحكّم الطبي المعقم في المستشفى، حيث ترى أن ترك الجسد يصرخ ويعرق وينتشي في المنزل مع عامل بناء هو انحدار وتبديد لبرستيج العائلة. كما أن إليزابيث، كعقلية ناجية من الهولوكوست، تخاف جداً من الفوضى والغرائز وتؤمن بأن البقاء يتطلب السيطرة الصارمة والعقلانية المطلقة، ورأت في شون مجرد الشهوة الحيوانية والجسد الخشن الذي جذب ابنتها المثقفة.

لقد كان اختيار مارثا للولادة المنزلية بالأساس بياناً للتمرد واستقلالاً ذاتياً ورغبة في تجربة أمومة حميمية ومقدسة داخل بيتها للتحرر من وصاية أمها، لكن المفارقة الدرامية المأساوية تمثلت في أن موت الطفلة في المنزل منح الأم انتصاراً أخلاقياً وطبقياً مؤقتاً، وكأن لسان حالها يقول إن هذا ما يحدث عندما تتمردين على سلطتي وتثقين في الطبيعة وعامل البناء. وتضاعف هذا الصراع في وعي الأم التاريخي بقدسية الجين اليهودي والنسل الصامد كعقيدة ترفض المحو وتري أن ولادة أي طفل جديد هو انتصار ديموغرافي على محاولات الإبادة النازية؛ ولذلك رأت في موت الرضيعة امتداداً للمحرقة والمحو، واعتبرت أن ترك طفل يحمل هذا الجين يموت دون عقاب علني هو قبول بالهزيمة وتفريط في دماء الأجيال التي قاومت الموت في مخابئ الحرب حيث ولدت هي تحت ألواح الأرضية لمنع النازيين من العثور عليها.

وهنا يتفجر الصراع حول مفهوم “البقاء للأقوى”؛ فمن وجهة نظر الأم إليزابيث، كان منطق البقاء للأقوى هو العقيدة التي تسير حياتها بالكامل، حيث صُقلت شخصيتها في ظروف الهولوكوست المرعبة التي جعلت الضعف يعني الموت المحتم. ولذلك رأت الأم الحياة كغابة، فطبقت قانون الغابة على الزوج شون عندما انهار وأدار ظهره للمأساة بالخيانة والإدمان، فسحقته بالمال لكي تخرجه من النسل. كما رأت المحكمة كمعركة يجب أن تكون فيها مارثا قوية وتهاجم القابلة، لأن البكاء والصمت في نظرها استسلام وضعف لا يليق بناجية. غير أن الفيلم يقلب هذا المفهوم ليثبت أن القوة الحقيقية تكمن في المسامحة والتعافي الصامت لدى مارثا، والتي كسرت المفهوم الهجومي للبقاء للأقوى عبر قوة الاعتراف بالألم والامتناع عن تزييف المشاعر، مؤكدة أن القدرة على الغفران وتحمل ألم الفقد دون تدمير الآخرين هي القوة الأعظم التي تحرر العائلة من صدمات الماضي بدلاً من سجنها فيها.

ويتفجر هذا الصراع الطبقي والتاريخي بين شخصيات الفيلم الرئيسية، حيث يمتد التحليل إلى أبعاد سيميائية وفلسفية بالغة التعقيد من خلال الربط بين مهنة الزوج شون كعامل بناء وجسور وبين الفكر البنائي والماسوني، وربطه بالوعي اليهودي التاريخي للأم إليزابيث. ففي الرمزية البنائية التي تتقاطع مع المبادئ التاريخية للنقابات الحرفية والماسونية، يُنظر إلى العمل والتشييد الفيزيائي كأعلى درجات الإنتاج المادي على الأرض، وتحديداً في الدرجة الثالثة المعروفة بدرجة المعلم البناء، والتي تركز على إتقان العمل والتوازن والإنتاج الملموس. لقد كانت غاية شون غاية دنيوية، إنتاجية، ومادية ملموسة؛ فهو يقوم ببناء جسر حقيقي في بوسطن ويريد أن يراه يكتمل ويتصل كرمز للربط والاتصال البشري. وتاريخياً، كان الماسونيون أيضاً من ضحايا المحرقة النازية حيث طاردهم الهولوكوست واعتبرهم تهديداً فكرياً. وشون في الفيلم يمثل الضحية الأخرى؛ فهو ضحية مأساة فقدان الطفلة، لكن ضحيته وتعب جسده وعمله يتم تهميشهما وسحقهما من قِبل رأس المال والنفوذ الثقافي لعائلة مارثا.

في المقابل، لا تتعلق غاية الأم اليهودية إليزابيث بالإنتاج المادي العابر، بل هي غاية طقسية، تاريخية، ووجودية مرجعية تتعلق بالبقاء الصارم للنسل والهوية وعقيدة النجاة والامتداد، والتي تمثل تاريخياً جوهر الهوية المرتبطة بإسرائيل والشتات. وبالنسبة للأم، فإن الجسر الذي يبنيه شون أو العمل المادي الذي يقوم به لا قيمة له إذا كان النسل والجين مهدداً بالضياع أو الموت المجاني. ولذلك، كان إهداؤها لسيارة المازيراتي الفاخرة وسيلة لفرض السيطرة وإشعار البنّاء بدونيته. وعندما دفعت الأم المال لشون ليغادر، تجلى صراع سيميائي عبقري؛ حيث استخدم رأس المال الثقافي والطقسي قوته المالية لشراء اختفاء البنّاء المادي، وكأن لسان حال الأم يقول إن العمل والإنتاج المادي الذي تمثله يمكن تعويضه وشراؤه بالمال، أما النسل والطقس والعدالة الجينية فلا تُباع ولا تُشترى. وقد استسلم شون وأخذ الشيك المالي الموجه لسياتل لأنه شعر أن معركته لإنتاج حياة أو بناء جسر عاطفي مع هذه العائلة قد فشلت، وأن سلطتهم التاريخية أفرغته من قوته كبناء ومعمر، ليغادر في مشهد مطار صامت بعد أن رفضت سوزان الهروب معه بسبب الظروف المأساوية.

يقدم الفيلم قراءة مذهلة عند النظر إلى مارثا من خلال إرث أمها إليزابيث وزوجها شون كطرفين يمثلان ضحايا لمحرقة واحدة، وهي مأساة موت الطفلة التي تقاطعت تاريخياً مع مأساة الهولوكوست. المأساة واحدة، لكن الرد عليها اختلف تماماً بناءً على الأصول الفكرية والطبقية لكل منهما. فإليزابيث ومارثا تنتميان لعائلة صُقل وعيها تحت نيران الهولوكوست حيث الهدف الأسمى هو البقاء المطلق للنسل والجين. وكان سلوك الأم تجاه هذه المحرقة طقسياً وهجومياً عبر المحاكمة والانتقام وسجن القابلة لإجبار العالم على الاعتراف بدم الضحية والتوثيق الرسمي لقيمته. أما مارثا، ضحية المحرقة المباشرة التي فقدت ابنتها من رحمها، فانكمشت في البداية في صمت بارد وحالة تجميد عاطفي، لاذت خلالها بالعودة السريعة للعمل كآلية مواجهة وقابلت مواساة معارفها الباردة في المتجر بجمود وقررت التبرع بجثة طفلتها لجامعة العلوم الطبية لإجراء الفحوصات وإنتاج معنى من الفقد بدلاً من الجنازة التقليدية مع غياب إجابات قاطعة من الطبيب الشرعي، وتصارعت مع أمها حول كتابة اسم ابنتها على الشاهد بالتهجئة الأمريكية في مواجهة التهجئة المجرية. لكن أصول مارثا الجينية دفعتها في النهاية نحو التعافي الإيجابي، فرفضت الانتقام البارد وسامحت، محولة طاقة الموت إلى بذور لإنبات حياة جديدة.

في المقابل، ينتمي شون للطبقة العاملة والرمز البنائي الماسوني، وغايته هي الإنتاج المادي الصافي والتأكيد العضوي للذات كبنّاء يبحث عن الاستقرار الملموس. وشون هو ضحية نفس المحرقة، لكن مأساته تضاعفت لأنه طُحن بين ألم الفقد وسحق عائلة زوجته لكرامته؛ فلما انقطع حبل التواصل الجسدي مع مارثا ولم يجد إنتاجاً ملموساً يربطه بالعائلة، انهار بناؤه النفسي وانتكس نحو الإدمان والتدخين والعدوانية مع الطبيبة وبائع السيارات كريس، وألقى كرة التمرين على وجه مارثا وهي تمسك بسيجارة، وبحث عن لذة بديلة وأسهل مع المحامية. لقد أثبت الفيلم أن الضحايا قد يتألمون من نفس النار، لكن الذهب يزداد نقاءً كما حدث مع مارثا، بينما الخشب يحترق ويتحول إلى رماد يذروه الريح كما حدث مع شون.

وتتراكب الرموز الستة الكبرى، وهي الرماد، التفاح، الجسر، شون، مارثا، والماسونية أو اليهودية والمحرقة، لتشكل شبكة سيميائية معقدة. فثنائية شون ومارثا هي صراع بين المادة والروح والجين، حيث كان الشغف الجسدي في الولادة هو الجسر الوحيد بينهما، وبموت الطفلة انقطع الحبل وظهر الفارق الوجودي. والجسر هو الإسقاط المادي للبنّاء شون ومحاولته خلق صلة وصل بين عمال الطوب والعائلة البرجوازية؛ وطالما كان الزواج محطماً، ظل الجسر معلقاً في الهواء وغير مكتمل في المشاهد المتكررة المرفقة بالتواريخ الشهرية ليرمز للعقم العاطفي وارتداد المحاولة البنائية. أما اكتمال الجسر في غياب البنّاء عقب رحيله لسياتل، فقد عنى أن الطاقة الإنتاجية المادية انتقلت لخدمة الناجية مارثا، ليتحول الجسر إلى رمز للعبور فوق الألم.

وتجلى مشهد نثر الرماد كلحظة تلاقٍ عبقرية لجميع الرموز؛ حيث ذهبت مارثا إلى الجسر المكتمل وهي ترتدي قبعة شون الصوفية ونثرت رماد طفلتها إيفيت في النهر. مارثا وقفت على البناء المادي الذي يمثل أثر شون الماسوني، ونثرت الرماد الجيني الطقسي الذي يمثل أثر عائلتها اليهودية والمحرقة. بنثر الرماد فوق الجسر المكتمل، أطلقت سراح الموت وتطهرت من ثقل جين الحزن المتوارث، مما منح الإشارة لبذور التفاح التي كانت تحتفظ بها في برود الثلاجة لكي تنبت. فالتفاح كان الرابط الحسي الأخير بالطفلة التي كانت تفوح برائحتها، ومارثا تتبعت هذا الرمز من قضم التفاحة المبتورة في قطار الأنفاق تجسيداً للرحم الفارغ، إلى التفاحة المتعفنة بالمطبخ رمزاً لتحلل الزواج، وصولاً لشم التفاح بالمتجر ثم جمع البذور في قطن مبلل داخل الثلاجة لاحتضان الصدمة بجهد صبور يشبه عمل البنائين.

وفي مشهد المحاكمة الجنائية المرفوعة من النيابة العامة، وبعد أن استلمت مارثا صور الكاميرا القديمة ورأت صور طفلتها التي عاشت لدقائق وشعرت بسكينة واستعادة للسيطرة والتمكين مقابل محاولات الجميع لتوجيهها، وقفت أمام القاضي وهيئة المحلفين ورفضت تسييس الألم ورغبة الدولة والمجتمع وأمها في العقاب. وأعلنت مارثا أن ابنتها كانت تفوح برائحة التفاح، ونطقت بشهادتها الحاسمة التي أسقطت التهم عن القابلة: “هذه المرأة لم تقصد إيذاء طفلتي، وإرسالها إلى السجن لن يعيد ابنتي إلي، ولا يمكنني إلقاء هذا الألم على كاهل امرأة أخرى”. إن قرار مارثا بمسامحة القابلة يعود لكونها استوعبت أن أمها لا تحاكم القابلة بحثاً عن العدالة للطفلة، بل لينتصر منطقها البارد القائم على السيطرة وتصفية الحسابات وقمع الطبيعة والجسد، فرفضت مارثا أن تكون أداة لتدمير امرأة كانت رمزاً للحرية والعطاء وأدركت أن القابلة لم تكن مجرمة بل شريكة في طقس طبيعي بدائي خرج عن السيطرة وأن الموت كان مأساة بيولوجية وقضاءً وقدراً. وبالمسامحة تصالحت مارثا مع جسدها ولم تعد ترى الولادة والغرائز خطيئة، وقطعت حبل السيطرة مع عائلتها وثقافتها التاريخية، معلنة أن العدالة الإنسانية الشافية تتحقق بالتقبل بينما العقاب القانوني السجني عدالة باردة، وأن التكريم الحقيقي للجين لا يكون بالسجن وتصفية الحسابات كما أرادت أمها، بل بالحياة والخصوبة والامتداد.

وفي هذا السياق التفكيكي، يطرح الفيلم رؤية فلسفية عميقة حول بزوغ جيل جديد من اليهود، تحرر من العقد النفسية التاريخية وهوس الإبادة الذي كبّل جيل الناجين المباشرين. فالأم إليزابيث تمثل الجيل اليهودي الأول بعد المحرقة؛ الجيل الذي صُقلت هويته بالخوف، البارانويا، والنزعة الهجومية لحماية الوجود، والذي يرى في العالم مكاناً معادياً يُحكم بقانون الغابة حيث الصمت ضعف والانتقام المحاكمي أداة إثبات وجود. في المقابل، تشكل مارثا وابنتها القادمة لوسيانا معالم الجيل الجديد من اليهود، وهو الجيل الثاني والثالث الذي يرفض وراثة صدمة الأجيال، ويعيد تعريف الهوية اليهودية والنجاة من المنظور الإنساني الإيجابي. فالبقاء بالنسبة لهذا الجيل الجديد لم يعد يتأسس على مطاردة الأعداء المفترضين، ولا على استخدام المحاكم وقوة المال لمحو الآخرين كالقابلة أو الزوج البسيط، بل يتأسس على القدرة على المسامحة، الشفاء الداخلي، والانفتاح العاطفي على العالم. لقد رفضت مارثا أن تعيش في سجن الضحية الأبدية المليء بمرارة الهولوكوست، واختارت أن تصنع نجاة قائمة على السلام والتصالح مع الطبيعة البشرية.

وهنا تنكشف الحقيقة الفلسفية المذهلة للتساؤل حول ما إذا كانت مارثا قد تعلمت البناء من زوجها شون وهل أصبحت حقاً المعلم البنّاء لروحها وهل غدت أمّاً تمزج بين البنائية الماسونية والهوية اليهودية في وجود حي حقيقي. الإجابة هي نعم المطلقة؛ فمارثا لم تأخذ من شون البناء الفيزيائي الخارجي المبتور المتمثل في الصلب والحجارة للجسر، بل تعلمت منه جوهر الفكر البنائي الحرفي، المتمثل في الصبر، العمل الصبور باليد، وتشييد البناء خطوة بخطوة من المواد الخام. لقد أخذت مارثا صنعة البناء من شون وطبقتها داخلياً على روحها وجسدها، وأخذت جين البقاء الصامد من أمها اليهودية، لتصنع تركيباً متكاملاً: أمّاً تجمع بين الروحية الطقسية للجين اليهودي والمهارة الحرفية للبناء الماسوني. لقد أعادت مارثا اكتشاف وجودها الحقيقي في الحياة بعد أن حررت أعضاءها التناسلية ورحمها من سلطة التعقيم البرجوازي لأمها ومن غضب شون الميكانيكي؛ فردت على الموت بتكرار الحياة من نفس الرحم والأعضاء التناسلية التي استُعرضت في مشهد الولادة بكامل جماليتها الشبيهة بجوهر الجنس نفسه. لقد أثبتت مارثا أن الرحم ليس مجرد عضو بيولوجي ينتهي بمأساة، بل هو الموقع الأسمى للتكوين حيث تتلاقى جماليات الجنس مع حِرفة البناء وصمود الجين، لتُخرج من رحمها طفلة جديدة وتكرر الحياة في أبهى صورها.

لقد رفضت مارثا غاية أمها الطقسية الانتقامية الباردة ولم تعد لجسد شون المنهار، بل زاوجت بين إنتاجية البنّاء وعقيدة البقاء لدى أمها؛ فتحول الرحم الفارغ والمجزأ، عبر الجسر المكتمل وبنثر الرماد ومسامحة القابلة، إلى قدرة على إعادة البناء. فشجرة التفاح المثمرة لم تنبت لأن مارثا كانت الأشرس أو لأنها دمرت أعداءها، بل نبتت لأنها امتلكت القوة والصبر لترعى البذور الصغيرة في صمت وثبات، مجسدة النتيجة السيميائية بأن القوة ليست في سحق الآخرين أو طردهم بالمال، بل في القدرة النفسية على النهوض من وسط الرماد وبناء حياة جديدة. وينتهي الفيلم بقفزة زمنية نحو المستقبل، حيث يظهر الجسر المكتمل، وتتحول البذور إلى شجرة تفاح عملاقة وباسقة في حديقة خضراء مفتوحة ومشرقة، تتسلقها الابنة الجديدة لوسيانا، الطفلة التي تنتمي كلياً لهذا الجيل الجديد المكتمل والغير محمل بعقد الماضي، فتقطف تفاحة لتأكلها بحرية ثم تنادي عليها مارثا في سلام مطلق، مثبتة أن مارثا أصبحت المعلم البنّاء الحقيقي لروحها، والتي حولت المحرقة والموت إلى حياة أبدية خصبة ومستقلة.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …