احتيال الوعي وشهوة الافتراس: كيف حرر الصليبُ المرأةَ والجسدَ من صنم “الرحم الفارغ”؟

الاحتيال هو الرياضة الأكثر إمتاعاً وحرفةً لدى العقل البشري الساقط العاقل. لا يستعمل “الاخر” لملى عقله وفق نظرية الرحم الفارغ. ولا يحوله الى مزبلة طعام. او هي الى كرسي حمام. احتيالٌ نفسي وفكري ونرجسي نُغلفه بعناية فائقة تحت مسميات الفلسفة والفن، كي لا نواجِه بشاعة دوافعنا! وتصل فكرة الاحتيال هذه إلى ذروتها البلاغية والساخرة عند  المفكر الضخم أنسي الحاج بالمقال المعنون بـ “أبقِ المرأة غريبة”؛ حيث يزيح النص الستار عن حقيقة العبث الذكوري بلا مساحيق تجميل معلناً: “نحنُ عُبَّادُ صُوَر”. يمارس الرجل في هذا المقال خديعته السيركية المضحكة على البشر؛ فهو يحتال على عقل الرجل ليلتمس عذراً لإبراز شهوته، ولا يعاقبه. يخبره ان دافعه الالتهام. فهو، الرجل. (او المراة التي تستعمل الرجل: موضوع اعقد) يريد أن يلتهم المرأة كـ “جسدٍ يُؤكل” لإشباع غريزة الافتراس، لكنه يصر بصلفٍ على أن تبقى “غير مجسدة” لكي لا تنكد عليه بنقائص الواقع أو تُلزمه بعهد! او تضربه بحجر الخطية لتنتهي بالزواج او الترمل ان كان رجل آخر! إنه احتيالٌ محبوك لإبقاء المرأة “غريبة” وصنماً شبحانياً، ليتسنى له افتراسها دون أن يصطدم ضميره بحقيقة أنه يشتهي عضواً وأيقونة إلهية.

لكن، بعيداً عن صالونات الأدب وتأنق احتيالات الوعي الأعزل، تكمن الجريمة الحقيقية في “المعمل السرّي” الذي يطبخ كل هذه المؤامرات: الذهن البشري. فبينما كان البشر مشغولين بضفر أفكارهم المسمومة من حسد، ونفعية، وجشع، ليصنعوا منها “إكليل شوك” يضعونه بتكَبُّر على رأس الحق، كان للصليب رأيٌ آخر يسخر من كبرياء هذا الاحتيال البشري المريض. لم يأتِ القربان الإلهي ليشطب الأفعال الخارجية فقط، بل نزل ليصادر العقل الذي يخترع هذا الاحتيال من جذوره؛ فعلى الصليب، تحوّل عقل المسيح إلى ‘مكَبٍّ كفاري’ جُمِعت فيه كل أفكار البشر المظلمة التي أدت لقتله، ليحرقها بنار حبه، ويُعيد إهداء البشرية عقولاً مجهزة بنور المغفرة بدلاً من شوك الجريمة.

رؤية أنسي، وهي نتايج حوارات، تفكك طبيعة السقوط البشري وآلية الفداء الإلهي؛ ومفادها أن الخطية والسلوك الشرير بشتى مظاهرهما ليسا سوى العرَض الخارجي لصورةٍ ذهنية منحرفة تنشأ وتتخمر في وعي الإنسان أولاً. فبدا فكرته في مقاله الادبي الفكري: ■ الموافقة فالمَيْل فالشغف فالوَلَه…
ثمّة مَن عاقَب الإنسانَ سلفاً قبل المعصية. الله لا يعاقب. ليس بحاجة إلى الشرّ. مَن، إذاً؟ عوقب الإنسان إذْ خُلِق من طين. هناك مَن تسلّل وراء الله ودسّ في «التأليف» نشازاً. مجهول. المجهولُ كائنٌ ثالثٌ مخيف. هناك حروب وجرائم يقترفها مجهولون ويظلّون إلى الأبد مجهولين. ومن هذا المنطلق، لم يكن صلب المسيح مجرد حدثٍ تاريخي أو عقابٍ جسدي، بل كان صليباً كفارياً استهدف “افتداء الفكر والذهن البشري” في أصله وجذره القابع في المخيلة. وسوف تتتبع هذه الدراسة كيف انعكس هذا الفساد الفكري في أبشع صوره من خلال التفاعل الثنائي والمدمر بين “الزنى، والأكل، والمرأة”؛ حيث اختزل الإنسان الساقط الوجود في شهوة الافتراس والاستهلاك. ومن خلال تشريح نصوص كتابية محورية (مثل لوقا 15، 1 كورنثوس 6، يوحنا 8، ورومية 7)، وقراءة نقدية متعمقة لنصٍ أدبي حداثي للكاتب أنسي الحاج (“أبقِ المرأة غريبة”)، سنكتشف كيف أطاح سرّ “التجسد الإلهي وقربان الصليب” بصنمية الصور الذهنية المزيفة، وكيف حَرر جسد الإنسان والمرأة من منطق “الافتراس والاستهلاك”، ليعيد خلق السلوك الخارجي على صورة مجد القيامة.

تتجلّى حقيقة صلب المسيح في عمقها اللاهوتي والفلسفي كـ “قربانٍ كفاريّ عن الفكر البشري”، حيث لم يكن الجسد المصلوب مجرد ضحية لعنفٍ تاريخي، بل كان مذبحاً إلهياً شُيّد لمواجهة وافتداء العقل البشري الساقط. إن هذه الحركة الفدائية تنطلق من قاعدةٍ عامة وأبدية حاكمة للوجود الروحي، مفادها أن أصل كل خطية وسلوك شرير في التاريخ ليس الفعل الخارجي بذاته، بل “صورة ذهنية منحرفة” تنشأ وتتخمر في الذهن أولاً، وما السلوك الجسدي الظاهر إلا الثمرة التلقائية والطافحة عن تلك الصورة المريضة. ومن هذا المنظر، لم يأتِ القربان الإلهي ليعالج أَعراض الخطية الجسدية الخارجية، بل نزل إلى أصلها وجذرها القابع في المخيلة والوعي؛ فقبل المسيح أن يُغرس على رأسه “إكليل الشوك المسموم” – وهو النسيج الرمزي المكثف لكل أفكار الكبرياء، والحسد، والتآمر، والنفعية الشرير التي صاغها العقل البشري – لكي يتحول رأسه إلى مصفاة إلهية يمتص بها سموم المنطق المنحرف، وينحي بها حكمة العالم الشرير، ليحرقها بنار حبه ويُعيد إهداء البشرية عقولاً مجهزة بـ “فكر المسيح” ونور المغفرة بدلاً من شوك الجريمة.

ويتجلى هذا الفساد الفكري في أبشع صوره عندما يُسقط العقل الساقط هذه الصور الذهنية المنحرفة على الجسد الإنساني، فينشئ تفاعلاً مدمراً بين ثلاثة عناصر: الزنى، والأكل، والمرأة. فالإنسان المنفصل عن الله، ولأنه محكوم بصورة ذهنية ترى الوجود من خلال منطق “الاستهلاك والافتراس”، قام باختزال الجسد البشري إلى مجرد أنبوب هضمي وشيطاني؛ فصار يتعامل مع “المرأة” لا كشريكٍ مقدس في العهد ورمز للإنسانية، بل كـ “وجبة استهلاكية” تُلتهم لإشباع شهوةٍ زانية وقتية، متوهماً أن الشبع يكمن في امتلاك الآخر وافتراسه. هذا التداخل الفادح بين الأكل والزنى يظهر جلياً في مثل الابن الضال؛ فعبارة “أَكَلَ معيشك مع الزواني” تكشف كيمياء الزنى كفعل “أكلٍ واستهلاك” ينبع من صورة ذهنية مريضة تبدد الحياة، وتؤدي حتماً بالذهن البشري إلى الانحطاط حتى يستوي مع الخنازير في اشتهاء “أكل الخرنوب” الذي لا يشبع، لأن من يختزل المرأة والجسد في وجبة زانية رخيصة، ينتهي به المطاف إنساناً مجرداً من كرامته، يستجدي طعام الحيوانات، قبل أن ينتبه ويرجع إلى نفسه معيداً تصحيح صورته الذهنية ليعود إلى بيت الآب حيث الشبع الحقيقي بذبيحة العجل المسمّن الذي هو رمز لقربان العهد والشركة.

ولعل هذا الانحراف الذهني يمتد ليتجلى بأوضح صوره في الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس، حيث يفند الفكر الكتابي الفلسفة الاستهلاكية التي أسرت العقل البشري والقائلة إن “الأطعمة للجوف والجوف للأطعمة”، مبكتاً الصورة الذهنية التي توهم الإنسان بأن جسده ملكٌ له يتصرف فيه بالزنى والاستهلاك كما يشاء. وهنا يتدخل سرّ التجسد الإلهي؛ فالمسيح، الإله المتجسد من الله، لم ينزل إلى العالم ليعتق الروح مجرداً، بل اتخذ جسداً بشرياً حقيقياً ليدخل به إلى عمق الواقع الجسدي ويشتري الإنسان بـ “ثمنٍ” هو ذبيحة نفسه على الصليب. بالتجسد والقربان، تحطمت الصورة الذهنية الاستهلاكية التي توازي بين “المرأة والأكل” وبين “الجسد والزنى”، وأُعلنت الحقيقة الفائقة بأن الجسد ليس للزنى بل للرب، وأن هذا الجسد البشري قد صار عضواً في المسيح وهيكلاً مقدساً للروح القدس، مما يحرم ويحظر مقاطعة هذا الهيكل أو إقرانه بزانية في اتحادٍ جسدي ممرض ينتهك حرمة التجسد.

وتصل هذه المواجهة بين النور الإلهي والصور الذهنية المظلمة إلى ذروتها الدرامية في إنجيل يوحنا، حين يقف المسيح – الإله المتجسد المعلن عن ذاته بقوله “أَنَا كَائِنٌ” – مواجهاً حادثة المرأة التي أُمسكت في زنى. في ذلك المشهد، تجسدت الصورة الذهنية للفريسيين والكتبة الذين لم يَروا في المرأة إنساناً، بل استهلكوها مرتين: مرةً شهوةً في خطيتها، ومرةً أداةً سياسية ودينية رخيصة لتجربة المسيح وتلفيق التهمة له. غير أن المسيح بصلابته ونوره الإلهي، وانحنائه للكتابة على الأرض، فكك هذه الصورة الذهنية المريضة في عقولهم حين قال: “من كان منكم بلا خطية فليرمها أولاً بحجر”، متكئاً على ذات القاعدة العامة ليجبرهم على النظر في مرآة أفكارهم الداخلية التي تنضح بالزنى والشر المستتر، فخرجوا جميعاً مبتدئين من الشيوخ. ثم التفت إلى المرأة لا ليرجمها أو يستهلكها، بل ليعيد خلق صورتها الذهنية عن نفسها، مقتلعاً منها هوية السقوط بقوله: “ولا أنا أدينك، اذهبي ولا تخطئي أيضاً”، محولاً إياها من موضوعٍ للشهوة والرجم إلى كائنٍ معتوق بنور الحق الذي يحرر الإنسان من عبودية الخطية ومن أوهام إبليس الذي هو كذاب وأبو الكذاب ومصدر كل الصور الذهنية المزيفة.

وهنا يكتمل التشريع اللاهوتي لمفهوم “التحرير من الزنى” عبر تناقضٍ تحليلي مدهش يطرحه القديس بولس في رسالته إلى أهل رومية، ليصوغ كيمياء التحول في علاقة النفس بالنوموس والجسد إذ يقول: “فَإِذًا مَا دَامَ الرَّجُلُ حَيًّا تُدْعَى زَانِيَةً إِنْ صَارَتْ لِرَجُلٍ آخَرَ. وَلكِنْ إِنْ مَاتَ الرَّجُلُ فَهِيَ حُرَّةٌ مِنَ النَّامُوسِ، حَتَّى إِنَّهَا لَيْسَتْ زَانِيَةً إِنْ صَارَتْ لِرَجُلٍ آخَرَ” (رومية 7: 3). ينفتح هذا النص على سياقين متناقضين تحليلياً: ففي السياق اللاهوتي الروحي، يطرح النص “الموت الكفاري” كمفتاحٍ للحرية واستحالة الزنى؛ فالمرأة (التي ترمز هنا للنفس البشرية أو الوعي) كانت مستعبدة ومربوطة بـ “الرجل الأول” وهو الناموس القديم أو الإنسان العتيق المحكوم بجمود الصور الذهنية والشهوة الساقطة. فطالما أن هذا الإنسان القديم حَيٌّ في ذهن الإنسان، فإن أي محاولة للالتصاق بالله تُعتبر زنىً روحياً لأن الذهن لا يزال ملكاً لسيده القديم. ولكن، عندما ينزل قربان الصليب ويموت “الرجل الأول” على الخشبة، تتحرر النفس قانونياً وكيانياً، فلا تُدعى زانية إن صارت لـ “رجلٍ آخر” وهو المسيح المقام من بين الأموات، لأن الموت أبطل صفة الزنى وصار الاقتران بالرب اتحاداً مقدساً. عسى ان تعرف ان القتل، حتى لو قانونيا جريمة كاملة. هو اعظم خطية!  أمّا في السياق الأدبي، فيقدم النص مرآةً تفضح منطق الإنسان الأعزل الذي يستغل هذا النص بمنطق مريض؛ إذ يريد للآخر وللمرأة أن تظل مربوطة بعهوده النفعية طالما هو حي، بينما يعطي لنفسه الحق في استهلاكها، يخشى موته هو لأنه ينهي سيطرته، ولكنه يشتهي موت كينونة المرأة الحقيقية لكي تصير مجرد صورة يمتلكها بلا ناموس ولا حسيب، ممارساً الزنى الفكري بإبقائها رهينة لشرعيته الذاتية ورافضاً حريتها الروحية في المسيح. فيحاول انسي ان يظهر قمة الافتراس والتوحش هنا. الذي يوضحه في مقالة ثانية: ملامح امراة صاعدة: التي تكره المفترسين لجسدها التي تقدسه. وتتكامل مع محمود درويش الذي جمع بين قصيدتين في احدى المناسبات عام 2005 وجعل الرجل يتخيل ان المراة تبدّي جسدها ورقصها وحبها لانوثتها عنه ! هو ! المفترس !ونشرها في سياق شبيه لنشر بثينة شعبان كتابها المستوى فكريا من ادونيس لكن برسائل النظام السوري.

ولعل هذا التناقض التحليلي بين التحرير الروحي والامتلاك الساقط يجد أصداءه الأدبية وتجلياته النقدية البالغة العمق في نص الكاتب أنسي الحاج “أبقِ المرأة غريبة”؛ حيث يمارس النص تعريةً أدبية كاشفة لكيفية سقوط العقل الأعزل في “صنمية الصورة” وانفصاله التام عن لاهوت التجسد والموت الكفاري. يفتتح الحاج مقاله بالسخرية من الكاتب الذي يربط كتابته بالمرأة، مفككاً النفعية الذكورية بقوله: “تكتب لتغازلها، لتستدرجها، تكتب لتربح أنت”، وهو ما يعري شهوة الافتراس الفكري التي تحول المرأة إلى مجرد أداة لإشباع النرجسية الذاتية وتثبيت “الرجل الأول” المالك لها. ثم يصل الكاتب إلى الصياغة الأدبية للدستور الشرير الذي يقود الخطية حين يعلن: “نَحْنُ عُبَّادُ صُوَر. إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ أَكْثَرَ مَا يُحَرِّكُ خَيَالَنَا فَلأَنَّهَا، بِشِبْهِ غُرْبَتِهَا الْفِيزِيكِيَّةِ عَنِ الرَّجُلِ، تَبْعَثُ فِيهِ الأَمَلَ الْخَائِبَ بِأَنْ تَكُونَ أَجْمَلَ مِنْهُ وَأَكْمَلَ مِنْهُ وَغَيْرَ ذَاتِ عَيْبٍ مِنْ عُيُوبِهِ. تَبْعَثُ فِيهِ الأَمَلَ بِأَنْ تَهَا حَقَّقَتْ تِلْكَ الْمُعْجِزَةَ: مُعْجِزَةَ أَنْ تَكُونَ جَسَدًا يُؤْكَلُ وَغَيْرَ مُجَسَّدَةٍ فِي آنٍ وَاحِدٍ فَتَمْتَلِئَ بِعَوَامِلِ السِّحْرِ وَتَخْلُوَ مِنْ كُلِّ نَقِيصَةٍ”. إن هذه الشفرة الأدبية هي البيان الأكثر تكثيفاً لمأزق الشهوة وصنمية الصورة، متقاطعةً مع اختزال حدث الصلب إلى مجرد استعارة درامية ومقامٍ أسطوري في المراسلات الأدبية بين فولتير وروسو.

وحين نغوص في تحليل هذه الفكرة بأسلوبٍ تحليلي أعمق، ينكشف الميكانيزم النفسي واللاهوتي الخطير المنظّم لعقل الإنسان الساقط: فالرجل يريد أن يأكل المرأة بالمعنى الجنسي الشهواني (يجعلها جسداً يُؤكل)، ولكنه في الوقت ذاته لا يريد ولا يستطيع أن يأكل المسيح بهذا المعنى الجنسي؛ فالأكل من المسيح هو أكلٌ إفخارستي روحاني قرباني ينفي الشهوة. ومن هنا تنشأ حيلة العقل الساقط: لكي يشرعن الرجل لنفسه افتراس المرأة واستهلاكها جنسياً، كان عليه أن يفصل المرأة تماماً عن “صورة الله” وعن “السيد المسيح”؛ فهو يرفض رفضاً قاطعاً أن يراها كأيقونة للمسيح أو عضواً في جسده، لأنه لو رآها مرتبطة بصورة المسيح، لاصطدم ضميره بحقيقة أنه يشتهي ويستملك الإله جنسياً! لذلك، اخترع الرجل وهم “غير مجسدة”؛ فأفرغ المرأة من كينونتها الإلهية والمادية الحقيقية، وحولها إلى “شبحٍ وصورة غير مجسدة”، ليتمكن من افتراسها كـ “جسدٍ مأكول” دون أن يشعر بالذنب الإلهي. وأمام هذا الانحراف الذهني، جاء التدخل الإلهي الحاسم: لقد فصل الله جسده المتجسد تماماً عن الخطية والشهوة؛ فاتخذ المسيح جسداً بشرياً حقيقياً كاملاً ولكنه خالٍ تماماً من الخطية والشهوة الاستهلاكية، ليقدم للإنسان الجائع البديل الحقيقي: جسداً يُؤكل في سر القربان، أطلاً من محبة مضحية تقود إلى الحياة، لا شهوةً جنسية تقود إلى الموت والخرنوب.

وهكذا، يكتمل مشهد الفداء؛ حيث ينكشف أن الشفاء النهائي للعقل البشري لا يتحقق بـ “إبقاء المرأة غريبة وصورةً شبحانية” يشتهيها الإنسان كـ “جسدٍ مأكول” ويهرب منها كـ “واقعٍ مجسد”، بل يتحقق بـ “اللقاء بالمسيح المجسد”؛ الإله الذي قدم عقله وجسده على الصليب كـ “قربانٍ كفاري” امتحى به الشوك الفكري المظلم. فعلى الصليب، تحوّل عقل المسيح إلى ‘مكَبٍّ كفاري’ جُمِعت فيه كل أفكار البشر المظلمة التي أدت لقتله، ليحرقها بنار حبه، ويُعيد إهداء البشرية عقولاً مجهزة بنور المغفرة بدلاً من شوك الجريمة. وببساطة أكثر، لقد قبل المسيح أن يكون قرباناً فداءً للصور الذهنية المريضة التي شكلت مجتمع ذلك العصر (سواء اليهودية أو الرومانية)، ليمتص بدمه أفكار الاستهلاك والتعصب. إن التجسد والقربان هما القوة الوحيدة التي تسحب الإنسان من مستنقع “أكل الخرنوب والالتصاق بالزواني”، وتبطل النفعية الذكورية التي تكتب “لتربح هي”، لتهب البشرية طفرةً في السلوك النهائي؛ فيتوقف الإنسان عن افتراس الآخرين واستغلال أجسادهم، ويتعافى من عبادة الصور المزيفة، وتبطل القاعدة العامة للخطية التي تقول إن السلوك الشرير طفحٌ لفكر مريض، ليبدأ الإنسان في تمجيد الله بفكره، وكتابته، وجسده، متحملاً مسؤولية الحب الحقيقي في نور التجسد والقيامة والحرية الكاملة من ناموس الخطية والموت.

هنا كشف انسي “الحقيقة” الكبرى التي تعري صنمية الشهوة: إن هذا الصنم الذي يصنعه الإنسان للمرأة ليس حباً على الإطلاق، بل هو افتراق وانفصامٌ مريض بين “العقل” و”الأعضاء السفلى”؛ حيث ينعزل الجسد عن الروح، وتنهمك الغريزة في عبثٍ مقطوع عن المصدر الإلهي. وفي هذا السقوط، يختزل الإنسان وجود المرأة في “رحمٍ فارغ”؛ رحمٍ فُرّغ من البُعد الإلهي ومن ثمرة الحياة المقدسة، لأنه فُرّغ من المسيح الذي ليس إلا ابن السيدة العذراء وحده، المحرَّر من الخطية والشهوة. ومهما تعمقت امرأةٌ في إيمانها الوهمي بقداسة جسدها أو توهمت روحانية شهوتها المنفصلة عن الله، يظل جسدها ورحمها صنماً ميتاً ورحماً فارغاً طالما فُصلا عن سرّ التجسد البتولي الفريد. قالها انسي بوضوح. وهذه معجزة. اعطاها الله للبشر. ليخطئوا! ولا يعاقبهم.

وهنا تتجلى المفارقة البلاغية الأكثر سخرية: فلولا هذا التقديس الإلهي الفريد للجسد ولولا طهارة التجسد من ابن العذراء، لَسمح المسيح أساساً بممارسة “الجنس” داخل جسد أمه الكنيسة، حتى بعد إبرام عقد الزواج القانوني! فهل يعود زنى؟ او العقل المؤمن المشتهي. يرى في من يتحركون كنسيا كظلال خطيتهم. مشاريع قانونية . في خطيئة تنتهي شغفا في عين الله؟ من ينتقم من الله ينتقم من سمعته ربما على الارض لان الانسان يحاكم وفق السمعة التي تكسبها الالتزامات بالقوانين الارضية والعرف. لا القانون. فالعقل الساقط الذي يستعلي على الشريعة وينشد  انحرافا سيجر جريمة بالمعنى القانوني. يجهل تماماً أنه لولا أن المسيح افتدى الجسد وباركه داخل أمه الكنيسة عبر عهد الزواج، لكان الجنس – حتى في ظلال القانون – مجرد “أكلٍ لخرنوب الخنازير” وافتراسٍ حيواني برحمٍ فارغ! إن الصليب، كقربانٍ كفاري عن أفكار البشر المريضة، ينزل ليحطم صنمية “عباد الصور”، ويصل العقل بالأعضاء المقدسة، ليتسمى الجنس المشركَن في الكنيسة كسرٍّ مقدس، ولتسترد المرأة والرجل كرامتهما الكاملة في نور الحب الحقيقي والمسيح ابن العذراء. اتعرف. سمعتكم ليست قرابين على نظرنا وفي اجسادنا.

85 D شيفرة تخيلها ولن تنالها ! اما الفنتازم. نعيد توجهيه الى قلبك!

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …