ما دخل ايلي خوري؟

ما دخل ايلي خوري؟

في أدغال هاواي، حيث تظن أنك جئت لتستمتع بجمال الطبيعة، ستجد نفسك فجأة داخل “مصحة نفسية مفتوحة” يغلفها العسل البري. كاميرات “ناشيونال جيوغرافيك” التي جاءت لتصور الحياة البرية، انتهى بها الأمر بتوثيق أغرب عرسٍ في التاريخ، حيث دخل “الرقم 4” -عريس مارغو- إلى قفص خشبي بضراوة أسدٍ مهووس، وخرج منه مكرماً وكأنه فاز بنوبل في الشجاعة، بينما كانت سارة تقف بعيداً تضغط بأصابع قدميها على الطمي، كأنها تحاول تثبيت توازن العالم المائل، أو ربما كانت تحاول فقط إخفاء ألوان طلاء أظافرها التي كانت “نيكول” تحللها كأنها رموزٌ سرية في شفرة دافنشي.

نيكول، التي تقضي وقتها في مراقبة أصابع سارة وتعداد ألوانها، كانت تعاني من أزمة وجودية؛ فقد كانت تحلم بابتلاع “عقلٍ” في رحمها لتنجب حكمةً مطلقة، لكنها اكتشفت بأسى أن رحمها لا يخرج سوى “تفاعلات كيميائية” وصور ذهنية مشوهة، مما جعلها تحكم على سارة بالتنقل بين الرجال كأنها في رحلة تسوق فاشلة. سارة، بدورها، كانت تحلم بـ “قبلة بالمثلجات” مع رجل يُدعى “بين”، لكن طموحها العاطفي اصطدم بواقعها كأم لثلاثة أطفال من زوجها “الرقم 1” رودولف، المقامر الذي خسر بيت العائلة أمام شارل في نوبة حظ سيئة، ليتحول حلمها إلى كابوسٍ من الذكريات المرة.

أما الغابة نفسها، فقد كانت تغص بالهذيان؛ “رامي” قرر فجأة أن يفكك الذرة بين أسراب النحل، بينما كانت ذبذبات النحل تقوم بمهمة غير مفهومة لمكافحة الغبار! وفي خضم هذه الفوضى، دخلت ريتا إلى منزل رامي -في لحظة درامية لا تتطلب سوى “بوكسر” يتغير أمام الزوجة وبولا- لتعيش صدمة فقدان الذاكرة حول مكان لقائهما، بينما كانت بولا، وسط كل هذه المهزلة، مشغولة برسم “خريطة بث الشائعات” في وادي مارغو، وكأن المنطقة لا يكفيها ما فيها من مجانين.

تزداد الحبكة سوءاً بظهور “إيلي حبيقة” كبطل رواية من تأليف شارل، المقامر الذي باع كل بيوت لبنان وانتقل لبيع الأوهام في هاواي. والكل كان يظن أن القط “بثة” هو سيد الموقف، خاصة بعد أن ظهر من بين يدي سارة بابتسامته الساخرة التي كانت تقول لكل هؤلاء: “أنتم جميعاً محض نكتة سمجة”. ولكن، ويا للمفاجأة، اختفى القط “بثة” في ظروف غامضة، ولم نعرف أبداً من سرقه؛ هل هو رامي الذي يحتاج لذبذبات القط لتفكيك الذرة؟ أم مارغو التي سرقت “الرقم 4″؟ أم ربما سرقه إيلي حبيقة ليضيفه إلى سيناريو شارل القادم؟

في النهاية، اجتمع الجميع في حرج الوحي، حيث عاد رودولف وسارة ليرمما حبهما المتهالك وسط زقزقة النحل المفكك للذرة وشائعات بولا. الجميع عالقون في هذا الوادي: سارة بأصابع قدميها الغارقة في الطين، نيكول برحمها الذي يرفض التعقل، ورامي بذبذباته الغبارية. أما نحن، فلا نملك إلا أن نتساءل: هل كانت “ناشيونال جيوغرافيك” تصور فيلماً وثائقياً، أم كانت تسجل حلقة من برنامج “كاميرا خفية” أبطاله بشرٌ قرروا أن يفقدوا عقولهم في أدغال هاواي؟ القط “بثة” وحده يعرف الحقيقة، وهو الآن -بلا شك- يضحك علينا جميعاً من مكان مجهول.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …