درع الحقيقة: حق الصحافي في “الحماية” عبر إخفاء الهوية

في العرف الصحفي، يُنظر عادةً إلى توقيع الخبر باسم كاتبه كدليل على النزاهة والمسؤولية. لكن، حينما تتحول الكلمة إلى سلاح يهدد حياة الصحافي، تبرز معضلة أخلاقية ومهنية كبرى: هل يُعد إخفاء الاسم أو استخدام اسم مستعار تراجعاً عن المهنية؟ على العكس تماماً؛ إن هذا الإجراء يمثل ممارسةً أصيلة لـ “حق الصحافي في الحماية”، وهو حق لا يمكن فصله عن أداء وظيفته العامة.

إن مفهوم “الحماية” في العمل الصحفي يتجاوز الإجراءات الجسدية؛ فهو يمتد ليشمل “الحماية المهنية” التي تضمن للصحافي الاستمرار في عمله دون أن يُحرق دوره بسبب استهدافه المباشر. ففي البيئات التي تغيب فيها الضمانات، يصبح اسم الصحافي على التقرير بمثابة “بطاقة استهداف” تُسهل على القوى المتربصة تحييده. ومن هنا، فإن اللجوء إلى التوقيع بأسماء مستعارة لا يعني “التنصل”، بل يعني “التحصين”؛ فهو حق يمتلكه الصحافي لضمان أن تظل الحقيقة هي الأولوية، وليس التضحية بالمصدر البشري للمعلومة.

إن الحق في الحماية يرتكز على مبدأ “استدامة التغطية”. فإذا فُرض على الصحافي أن يكشف عن هويته في كل تقرير حسّاس، فإن مسيرته المهنية ستنتهي غالباً عند أول تحقيق يمس مراكز القوى. إن استخدام الاسم المستعار يمنح الصحافي حقاً جوهرياً في “المناورة الأمنية”، مما يتيح له مواصلة كشف الفساد أو الانتهاكات من موقع آمن. إننا هنا بصدد “حق أصيل في البقاء المهني”؛ فبدون هذا الدرع، ستُخنق الأقلام قبل أن تصل إلى الجمهور، وسيطغى الخوف على حرية الوصول للمعلومات.

علاوة على ذلك، يجب التمييز بوضوح بين “الحق في الحماية” وبين “المساءلة القانونية”. فالقوانين، بطبيعتها الجامدة، قد تنظر إلى حجب الهوية بعين الريبة، لكن أخلاقيات المهنة ترى في ذلك “ضرورة نجاة”. إن الصحافي الذي يمارس حقه في حماية هويته لا يطلب إعفاءً من مسؤولية ما يكتب، بل يطلب حمايةً من تبعاتٍ غير متكافئة قد تنهي حياته أو حريته. المؤسسة الصحافية هنا هي الضامن للمادة، بينما يظل الصحافي في مأمن من الاستهداف الشخصي الانتقامي.

ختاماً، إن حماية الصحافي هي حماية للخبر ذاته. إن إقرار هذا الحق يعني التسليم بأن الصحافي ليس مجرد “موظف” أو “كاتب”، بل هو إنسان معرض للخطر، ومهمته تقتضي منه أحياناً التواري خلف ستار الاسم المستعار ليتمكن من قول ما لا يمكن قوله باسمه الصريح. إن الحق في الحماية المهنية هو صمام الأمان الذي يسمح للحقيقة بالظهور في أكثر الظروف قسوة، وهو حق لا تمنحه القوانين بالضرورة، بل تفرضه ضرورات الكرامة الإنسانية وسلامة الصحافي في الميدان.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

تتويجاً لمسيرة الشفافية: «غربال» تطلق أضخم أرشيف رقمي للجريدة الرسمية اللبنانية كحجر زاوية في صرح المساءلة الوطنية

في لحظة فارقة تزامنت مع الاحتفاء باليوم العالمي للحق في الوصول إلى المعلومات، دشّنت مبادرة …