درع الحقيقة:”عدو وهمي” يتم وأده في صمت

في البيئات التي تغيب فيها الحريات، لا تُحارب الحقيقة بالنقاش أو الحجة، بل تُحارب عبر “تصفية” ناقلها. لم يعد خطر الصحافي الميداني محصوراً في التهديد الجسدي المباشر فحسب، بل اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل “الاغتيال المعنوي” و”الهندسة الاجتماعية” التي تهدف إلى تحويله من صحافي يسعى لكشف الحقائق إلى “عدو عام” مطارد. وفي ظل هذه الحرب الممنهجة، يصبح حق الصحافي في إخفاء هويته أو استخدام اسم مستعار ضرورةً لا غنى عنها للحفاظ على وجوده المهني وسلامته الشخصية.

تعتمد القوى المتربصة بالكلمة الحرة استراتيجيات خبيثة لتحييد الصحافي، تبدأ بـ “شيطنة الهوية”. فعندما يبرز اسم الصحافي بوضوح في تقارير تكشف الفساد أو الانتهاكات، تُطلق الماكينات الإعلامية والأمنية حملات تشهير ممنهجة لتصويره كعميل أو “عدو للوطن”. الهدف هنا ليس تفنيد الحقائق التي نشرها، بل خلق “عدو وهمي” يسهل تأليب الرأي العام ضده. إن هذا التحويل للصحافي إلى رمز للصراع يجعله هدفاً سهلاً لكل غوغائي، ويهدد حياته في مأمنه، بينما يظل هو في الواقع مجرد ناقل أمين للمعلومات.

ولا تتوقف هذه الآليات عند التحريض، بل تمتد إلى “التلويث المهني” عبر خلق منافسين مصطنعين. إذ تعمد الجهات المتضررة إلى دفع “بدلاء” أو “مؤثرين” ممولين لمهاجمة الصحافي وتشكيك الجمهور في مصداقيته. إن الهدف من هذا التنافس المفتعل هو إغراق الفضاء العام بالضجيج الذي يحول التقرير الصحافي من “قضية رأي عام” إلى “نزاع شخصي” أو “تصفية حسابات”. هذا التكتيك يهدف إلى إضعاف تأثير الصحافي وعزله عن جمهوره، وتشتيت الانتباه عن جوهر الانتهاكات التي كشفها.

تتعمق هذه الاستراتيجيات بخلق “عداوات متقاطعة”، حيث يتم تسريب معلومات ملفقة لربط الصحافي بأطراف سياسية أو اجتماعية متناقضة، بهدف حصاره بعداوات متعددة الجبهات. هذا الإغراق في العداوات المصطنعة يهدف إلى دفع الصحافي نحو الاحتراق النفسي، وإشغاله في حروب دفاعية عن سمعته بدلاً من تركيز طاقته في مهنته، مما يوصله في النهاية إلى “الشلل المهني”.

في مواجهة هذه الهندسة الاجتماعية التي تهدف إلى كسر الصحافي، يبرز “الحق في الحماية” عبر إخفاء الهوية كاستراتيجية بقاء ذكية. فالتوقيع باسم مستعار يقطع الطريق على ماكينات الشيطنة؛ فعندما يغيب “الرمز” أو “الوجه” المعروف، تفقد الحملات الممنهجة هدفها. إن حجب الهوية ليس هروباً من المسؤولية، بل هو “قطعٌ للذرائع” التي يستخدمها الخصوم لتحويل الصراع من ساحة “الحقيقة” إلى ساحة “الاغتيال الشخصي”.

إننا أمام واقع يفرض على الصحافي أن يمتلك خيار “المناورة الأمنية”. إن التحرر من سطوة الاسم الصريح يمنحه الحصانة التي يحتاجها لمواصلة عمله “تحت الرادار”، بعيداً عن فخاخ الملاحقة القانونية الكيدية أو العزلة الاجتماعية المفروضة. إن حماية الصحافي عبر إخفاء هويته هي في الجوهر حماية للرسالة الصحافية ذاتها. وبدون هذا الحق، ستظل الأقلام الحرة حبيسة التهديد، وسينجح الخصوم في تحويل كل صوتٍ شجاع إلى “عدو وهمي” يتم وأده في صمت. إن الحق في الحماية المهنية هو صمام الأمان الذي يسمح للحقيقة بأن تشق طريقها، رغماً عن كل محاولات التحييد والإقصاء.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

تتويجاً لمسيرة الشفافية: «غربال» تطلق أضخم أرشيف رقمي للجريدة الرسمية اللبنانية كحجر زاوية في صرح المساءلة الوطنية

في لحظة فارقة تزامنت مع الاحتفاء باليوم العالمي للحق في الوصول إلى المعلومات، دشّنت مبادرة …