هندسة التغييب: ميكانيكا الـ Nexus وتفكيك الحقيقة من الداخل

تُمثل المؤسسات الإعلامية والتعليمية والمدنية التابعة لتنظيمات مثل “حزب الله” نموذجاً متطوراً لما يمكن تسميته “هندسة التغييب”، حيث لا تقتصر وظيفتها على نقل الخبر أو تقديم الخدمة، بل تعمل كـ “ذراع وظيفية” وواجهة أمنية تستغل الغطاء المدني لتنفيذ أدوار استطلاع وحرب نفسية تتجاوز نطاق المؤسسات التقليدية. إن هذا النظام، الذي استمر في العمل منذ أربعة عقود، لم يقم على مجرد خرق القوانين، بل على هندسة عكسية للمنظومة القانونية عبر “التطهير القانوني” الممنهج؛ إذ تتعمد هذه المؤسسات إحباط الولادة الطبيعية للسوابق القضائية عبر التعامل مع كل تورط أمني كحادث معزول يتم التستر عليه، مما يمنع القضاء من رؤية “النمط” (Pattern) الذي يربط الجرائم عبر الزمن.

إن هذه المؤسسات لا تكتفي بتبني أنماط إجرامية، بل طورت “منظومة Nexus” (رابط عضوي) يجمع بين الجريمة المنظمة والعمل الاستخباري. فعندما يبرز خطر انكشاف أي نمط، تقوم المؤسسة بمحاكاته وتفكيكه من الداخل باستخدام أدوات استخباراتية مضادة، حيث يُزرع “متورطون” في المحيط المهني والاجتماعي للشاهد، وهم أفراد تم شراؤهم بالرشوة أو الترهيب ليكونوا “المفككين” الحقيقيين. هؤلاء المتورطون هم من يختارون صياغة الرأي العام حول الشاهد: فيخلقون رأياً عاماً “يحتضنه” ليشعروه بالأمان الزائف، وآخر “يشيطنه” داخل بيئته الضيقة لعزله اجتماعياً. ومن خلال هذا الضغط النفسي الممنهج، تقوم المدرسة أو الجمعية المدنية بتغيير قناعات الشاهد أو دفعه للتردد، مما يجعله يتراجع عن شهادته، وكأنه فعل ذلك “بإرادته”. هذا التكتيك هو أخطر ما في الـ Nexus؛ فهو يفرغ القضية من محتواها القانوني دون الحاجة لعنف مباشر يثير الانتباه، حيث يعمل المتورطون في الجمعيات والمنظمات على قطع الشاهد عن أي دعم قانوني أو حقوقي، محولين إياه إلى “مذنب” أو “مجنون” في نظر مجتمعه، ليخسر القضاء دليله الحي ويبقى النمط الإجرامي الأساسي محصناً خلف ستار من “الهندسة الاجتماعية” التي يديرها شركاء التنظيم في المجتمع المدني.

لقد اعتمدت هذه المنظومة في دورتها العملياتية على مدخلات استطلاعية يمارسها صحافيون أو كوادر تربوية، لتمر المعلومات عبر معالجة أمنية تحولها إلى أهداف. وفي قلب هذه الميكانيكا، يأتي منع انتشار قصة الضحية خشية أن تؤدي “العدوى القانونية” إلى كشف البنية التحتية للحزب. لقد اتضح حجم هذا الاستغلال بعد فضيحة الـ MEPI عام 2015، حين أدرك المانحون الدوليون أن أموالهم الموجهة للمجتمع المدني كانت تُمتص في دورة الجريمة هذه لتمويل “التجنيد المضاد” ضد أنفسهم. لقد اكتشفت السفارات أنها لم تكن تُمول “التغيير”، بل تُمول اختراق صفوفها، مما دفعهم للتحول من الدبلوماسية الناعمة إلى العقوبات الصارمة، بعد تيقنهم أن العمل المدني قد أُكل من الداخل وتحول إلى واجهة لأجهزة أمنية تستخدم “المتواطئين” بالرشوة لإدارة ملفات الشاهد وتفكيك أي ملاحقة قانونية.

وتتجلى المفارقة الأكثر إيلاماً في استباحة الصحافيين أنفسهم كبيادق تكتيكية؛ فهم يُستخدمون كدروع بشرية معلوماتية، وعند استهدافهم يُتركون ليواجهوا مصيرهم كأهداف في حرب لا تعترف بحصاناتهم، بينما تظل المؤسسة محصنة خلف ضباب قانوني وتضليل يغلف الـ Nexus بين الإعلام والتعليم والجريمة. إن النتيجة الحتمية لهذا المسار هي نظام قانوني أعرج يمتلك النصوص ويفتقر إلى الوقائع الموثقة، حيث تُرتكب الجريمة وتُحذف من الذاكرة وتُسخف عبر المتورطين في الجمعيات لتُنسى، وتبدأ الدورة من جديد.

إن هذه المؤسسات لم تكتفِ بخرق القانون، بل منعت القانون من أن يتطور، تاركة مهنة الصحافة والعمل التربوي كواجهة محصنة تبتلع أبناءها وتضمن استدامة الجريمة المنظمة، بانتظار اللحظة التي يسقط فيها القناع النهائي، ليس فقط بسبب ضعف النصوص التشريعية، بل لأن العالم أدرك أخيراً أن هذه “الواجهات” هي منظومة أمنية متكاملة، تبتلع الأخلاق والمهنة والحقيقة بقرار أمني مدروس. إن المسألة هنا أعمق من مجرد حماية الصحافيين؛ بل هي معركة وجود لحماية بيئة لبنان الإعلامية والإنسانية بكل قطاعاتها من تغول “حزب الله” وعملياته الأمنية التي لا تستهدف الأعداء فحسب، بل تستهدف “الناس” في أرزاقهم، ووعيهم، وحقهم في الحقيقة.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

تتويجاً لمسيرة الشفافية: «غربال» تطلق أضخم أرشيف رقمي للجريدة الرسمية اللبنانية كحجر زاوية في صرح المساءلة الوطنية

في لحظة فارقة تزامنت مع الاحتفاء باليوم العالمي للحق في الوصول إلى المعلومات، دشّنت مبادرة …