اتفاق مكة الدفاعي: «باب مفتوح لإيران».. فكيف تُقاتل السعودية الحوثي؟

في السابع من أغسطس 2026، توجت المملكة العربية السعودية تحركاتها الاستراتيجية بتوقيع «اتفاق مكة للدفاع المشترك» مع تركيا وباكستان، وهو تحالف يمنح الدول الثلاث مظلة حماية متبادلة تشبه في جوهرها «المادة الخامسة» لحلف الناتو. وعلى الرغم من أن هذا الاتفاق أثار تكهنات إعلامية واسعة، مدعومة بتسريبات زعمت أن الرياض طلبت من واشنطن قيادة «جبهة عسكرية» ضد الحوثيين، إلا أن القراءة المتأنية لمسار الاتفاق وتوقيته تكشف عن استراتيجية سعودية مغايرة تماماً، تهدف إلى بناء «ردع دفاعي» لإنهاء الحروب لا لتمويلها.

يكمن جوهر «اتفاق مكة» في مرونته العالية؛ إذ لم يُصمم كتحالف إيديولوجي أو طائفي، بل كإطار أمني إقليمي مفتوح يتيح انضمام أطراف أخرى، وعلى رأسها إيران التي تدرس حالياً هذه الدعوة. إن هذا الانفتاح لا يعكس ضعفاً، بل هو هندسة استراتيجية تهدف إلى نزع ذريعة الحرب من القوى الإقليمية التي تقتات على الصراع، وتدفع بالمنطقة نحو التحول من منطق «العداوة» إلى «الإدارة المشتركة» للأمن، مما يقلل احتمالات الصدام المباشر ويضع الجميع أمام مسؤولياتهم تجاه الاستقرار الإقليمي.

وفي هذا السياق، يبرز تساؤل جوهري حول كيفية الجمع بين هذا الانفتاح وبين التعامل مع الحوثيين؛ وهنا تفرق السعودية بوضوح بين «الردع الدفاعي» وبين «الحرب الشاملة». فبينما يهدف الاتفاق إلى تحصين الدول ضد أي عدوان خارجي، تُدير الرياض ملف الحوثيين كـ «إدارة أزمات» عبر القنوات الدبلوماسية، مدركةً أن حلفاءها في تركيا وباكستان قد حصروا أدوارهم في الدفاع الجماعي بعيداً عن مستنقعات حروب الميليشيات. تتبع السعودية في اليمن استراتيجية «الردع المرن»، حيث تُبقي القوة العسكرية خياراً محدوداً لحماية السيادة والمنشآت، بينما تظل الدبلوماسية هي الخيار الأول لتفكيك الأزمة.

تدرك الرياض أن الانجرار إلى حرب إقليمية شاملة سيمثل انتحاراً اقتصادياً يتنافى مع طموحات «رؤية 2030». فالتزام السعودية بمشاريعها التنموية العالمية، وتجنب دفع أثمان حروب الآخرين -سواء كانت أجندات إسرائيلية أو ضغوط المتشددين في واشنطن- يعكس رهانها على المستقبل بدلاً من ميادين المعارك، خاصة وأن استقرار بيئة الاستثمار يعد ركيزة أساسية لأمنها القومي.

وعليه، يجب النظر إلى التسريبات التي تروج لطلب السعودية جبهة عسكرية بقيادة واشنطن كعمليات «تضليل إعلامي» هدفها نسف جسور الدبلوماسية، واستفزاز إيران والحوثيين لعرقلة مسارات التهدئة التي ترعاها الصين أو عُمان. إن هذه الأنباء ليست سوى غطاء لخلق تصعيد غربي يحاول وضع السعودية في واجهة أي صراع مستقبلي، ليظهر التحرك العسكري وكأنه مطلب سعودي، في حين أن الواقع يؤكد أن الرياض تمضي في طريق «السيادة المتزنة». إن «اتفاق مكة» ليس أداة للحرب، بل هو حصنٌ لرفع كلفة أي عدوان، ووسيلة لضمان بيئة آمنة تخدم رؤية المملكة وتفرض شروط الاستقرار على المنطقة، بعيداً عن محاولات التضليل التي تسعى لجعل السعودية وقوداً لحروب لا تخدم سوى أعداء السلام.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …