التسريبات كـ«رسالة أمريكية» لعُمان والصين: نسف جسور الدبلوماسية الإقليمية

تعد التسريبات الإعلامية التي تروج لطلب سعودي بقيادة واشنطن لـ«جبهة عسكرية» ضد الحوثيين أداةً استراتيجية تتجاوز كونها مجرد أخبار صحفية؛ إذ يجب قراءتها كـ«رسالة أمريكية-إسرائيلية» موجهة إلى القوى الراعية للاستقرار الإقليمي، وتحديداً عُمان والصين. فبعد فشل المفاوضات المباشرة بين واشنطن وطهران، ورفض الأخيرة التحاور مع الإدارة الأمريكية والاكتفاء بالوساطة العمانية، تحاول واشنطن عبر هذه التسريبات نسف جسور الدبلوماسية الهادئة، واستفزاز الأطراف الإقليمية لعرقلة مسارات التهدئة التي لا تتضمن دوراً أمريكياً فاعلاً.

تستهدف هذه الرسائل «المعطلة» سلطنة عُمان بشكل مباشر، نظراً لدورها المحوري كوسيط في مفاوضات فتح الممرات الملاحية في مضيق هرمز، ووساطتها المستمرة بين الرياض والحوثيين، وحتى بين واشنطن والحوثيين أنفسهم. لقد استخدمت واشنطن ما يشبه «العصا الغليظة» عبر تهديدات مباشرة وعلنية، متبوعةً بتلك التسريبات التي تضع السعودية في صورة المطالب بـ«خيار عسكري»، في محاولة لإضعاف مصداقية عُمان كوسيط محايد وإجبارها على تسليم ملف الوساطة للرؤية الأمريكية أو الخروج منه تماماً.

وبالتوازي، تهدف واشنطن من خلال هذا التضليل إلى تحذير الصين، الراعي الدبلوماسي لاتفاق بكين بين الرياض وطهران، من أن أي تسوية إقليمية تُبنى بمعزل عن البيت الأبيض ستكون هشة ومصيرها الانهيار تحت وطأة التصعيد. فبترويج رواية أن السعودية «تفضل الحرب» أو «تطلب التحالف العسكري»، تحاول واشنطن إثبات أن نفوذ بكين في المنطقة ليس كافياً لضمان الأمن، وأن المسار الأمريكي هو الوحيد القادر على إملاء شروط اللعبة، مما يضعف صورة الصين كقوة راعية للسلام.

هذا التضليل لا يكتفي بالضغط على الوسطاء، بل يمتد لاستفزاز إيران والحوثيين؛ فإيهام طهران بأن الرياض تقود «تحالفاً سنياً» معادياً يهدف إلى دفعها لتصعيد دعمها العسكري أو مضايقاتها في الممرات الملاحية، كما يسعى لإقناع الحوثيين بأن السعودية قد تخلت عن الدبلوماسية، مما قد يستدرجهم لتصعيد هجماتهم على المنشآت الحيوية السعودية، وهو ما يرفع بدوره تكلفة الحلول السلمية ويغلق أبواب المفاوضات.

إن هذا الفخ الأمريكي-الإسرائيلي يأتي في توقيت تعاني فيه واشنطن من وضع دبلوماسي ضعيف، خاصة بعد انتهاء مهلة الستين يوماً التي فشلت فيها في فرض شروطها على إيران. لذا، فإن خلق «أزمة مصطنعة» عبر التسريبات هو محاولة يائسة لإعادة المنطقة إلى مربع الصراع المسلح الذي تسيطر عليه واشنطن، بدلاً من مسارات الحوار التي ترعاها مسقط وبكين.

في مقابل ذلك، تظهر السعودية متمسكة بنهج «السيادة المتزنة»، رافضةً الانجرار إلى هذا السيناريو التخريبي. فهي تدرك أن مصالحها تكمن في استمرار الدبلوماسية مع الحوثيين عبر الوسيط العماني، وتعزيز التهدئة مع إيران برعاية صينية، مع الاحتفاظ بـ«تحالفات مرنة» (مثل فرنسا وتركيا وباكستان) توفر لها مظلة حماية دفاعية دون أن تكون وقوداً لحرب إقليمية لا تخدم سوى الأجندات المتشددة. إن الرياض اليوم تفرض «شروط الاستقرار» بصمت، وتفشل بصمودها الدبلوماسي كل محاولات التضليل التي تريد تحويلها إلى أداة لتحقيق أهداف لا ناقة لها فيها ولا جمل.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …