بين الكفن والتابوت: فلسفة الكرامة المهدورة وقيامة الإنسان

لطالما كان الموت هو المرآة التي تكشف زيف الحياة، واللحظة التي يسقط فيها كل قناع. وفي رحلة الإنسان مع نهايته الحتمية، يبرز عنصران متناقضان في دلالاتهما: “الكفن” و”التابوت”. وبينما يحمل كل منهما رمزية للرحيل، نجد أن الفرق بينهما يكمن في مدى احتضان الجسد أو تقييده، تماماً كما يكمن الفرق في كيفية تعامل الإنسان مع أخيه الإنسان في حياته.

الكفن والتابوت: فلسفة العودة والاحتواء

الكفن، في جوهره، هو رمز للتجرد. هو قطعة قماش بسيطة تلف الجسد لتعيده إلى بساطة التراب، بلا حواجز خشبية أو قيود مادية. الكفن هو “حضن الأرض” الذي يحتضن الإنسان في ضعفه. أما التابوت، ففي كثير من الأحيان، تحول عبر العصور إلى رمز “للحصر” أو “الحبس”، حيث يوضع الجسد داخل صندوق صلب، وكأن الإنسان لا يزال محبوساً في قوالب صنعها البشر.

في القصة المسيحية، نجد هذا التباين جلياً. فالمسيح، بعد صلبه، لم يوضع في تابوت مغلق بإحكام، بل لُف في “أكفان” بكتان نقي، دلالة على سرعة العودة إلى الحياة، ودلالة على أن الجسد لا يمكن أن يُحبس داخل المادة. الكفن كان مؤقتاً، والقبر كان مجرد ممر؛ لأن جسد المسيح كان أسمى من أن يبقى مسجوناً في صندوق.

استلاب الإرادة: حينما يقرر “الآخر” مصيرك

إن أشد أنواع الظلم ليس في كيفية دفن الميت، بل في محاولة “دفن” الأحياء وهم يتنفسون. هناك من يرى في الآخرين أدوات لا بشراً؛ يحاولون رسم مسارات حياتهم، وتحديد خياراتهم، وسلبهم إرادتهم الحرة، وكأنهم يمتلكون أجسادهم وأرواحهم كـ “عبيد”.

إن الذي يظلم أخاه الإنسان يمارس طقوس “الاستعباد المبكر”؛ فهو يحدد للآخر ماذا يدرس، بمن يرتبط، كيف يفكر، وما هي طموحاته، متجاهلاً أن “حياة الآخر” ليست ملكية خاصة لأحد. إن من يمارس هذا الوصاية يتصرف كأن الله قد منحه “صك ملكية” لحياة غيره، بينما هو لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً. محاولة صياغة حياة الآخر وفق قالبك الخاص هي عملية “تحنيط” للإرادة الحرة، وهي أشنع أنواع الظلم، لأنها تحول الإنسان من “صورة الله” إلى “تابعٍ مهزوز” لا يملك من أمره شيئاً.

التمثيل بالجثث: امتداد لظلم الأحياء

من العجيب أن نرى البعض يمارس “التمثيل بجثث” الموتى أو انتهاك حرمتهم، وهو امتداد طبيعي للعقلية التي لم تكرم الإنسان حياً. إن من لا يحترم مسار حياة الآخر، ومن لا يرى في الإنسان كائناً مستقلاً له الحق في أن يخطئ ويصيب ويقرر، لن يتردد في انتهاك حرمة جسده بعد موته. إنها عقلية “الامتلاك” التي ترى في البشر قطعاً جامدة، سواء كانوا أحياءً يخططون لمستقبلهم أو أمواتاً رحلوا عن عالمنا.

المسيح قام: تحطيم القيود

لقد جاءت قيامة المسيح لتكون الثورة الأعظم في تاريخ الوجود ضد “القبور” وضد “العبودية”. عندما قام المسيح، لم يقم فقط ليعلن انتصاره على الموت، بل ليعلن انتصار “الحرية” على كل أشكال الحصر والتحكم. القيامة هي صرخة في وجه كل متسلط: “لا يمكن لأي قيد، ولا لأي تابوت، ولا لأي إنسانٍ نصب نفسه حاكماً على حياة غيره، أن يحبس روحاً خلقها الله حرة”.

إن من يريد إكرام الموتى، فليكرمهم وهم أحياء. الكرامة لا تُعطى في طقوس الدفن الفخمة، بل تُعطى باحترام “اختيار الإنسان” ومسار حياته. كرامة الإنسان هي في حريته، ومن يحاول استعباد إنسان آخر هو في الحقيقة يمارس طقوس “موت” مبكرة، لأنه يقتل الروح والحرية في الآخر.

الكفن هو رحلة العودة إلى الله، والتابوت هو صنيعة البشر التي قد تضيق على من بداخلها. أما قيامة المسيح فهي النور الذي يقول لنا: لا تظلموا الأحياء بمحاولة امتلاكهم، ولا تظلموا الموتى بالتمثيل بهم، فكل نفس لها مسارها الذي اختاره لها الخالق وحده.
فلنكسر التوابيت التي نصنعها للآخرين في حياتنا، ولنسمح لكل إنسان أن يعيش حراً، كما أراد الله له، فالمسيح قام.. لكي لا يظل إنسانٌ مسجوناً في إرادة إنسانٍ آخر.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …