في مشهدٍ مهيب أعاد للذاكرة أمجاد الموانئ المتوسطية العريقة، استقبلت مدينة صيدا ظهر اليوم الباخرة السياحية «سيدر وايفز» (Cedar Waves) في حدثٍ استثنائي يكسر صمت العقود ويُدشن حقبةً جديدة في تاريخ المدينة البحري. هذه الرحلة، التي أبصرت النور بمبادرة جريئة من رجل الأعمال مرعي أبو مرعي، ورعايةٍ كريمة من وزيرة السياحة لورا لحود، وبالتعاون الحيوي مع بلدية صيدا، لم تكن مجرد رحلة بحرية عابرة، بل كانت “تظاهرة سياحية” تُعلن عودة صيدا لتكون قبلةً للأنظار، وجسراً يربط ساحل لبنان بشماله في لوحةٍ وطنية متناغمة.
من جونية إلى صيدا: حين يعانق البحرُ الذاكرةَ الوطنية
لم يكن البحر اليوم مجرد طريق، بل كان حكايةً للوحدة؛ فبينما كانت الأمواج تداعب هيكل «سيدر وايفز»، كانت القلوب تتلاقى بين ركابٍ وفدوا من جونية وجبل لبنان، في نسيجٍ اجتماعي يجمع بين هوية الجبل المسيحية وعراقة صيدا الإسلامية والمتعددة الحضارات. أكثر من 200 زائر -من أعضاء بلدية جونية، عائلات وشباب- خاضوا غمار هذه المغامرة ليجدوا صيدا ليست مجرد مدينة ساحلية، بل متحفاً مفتوحاً يفتح ذراعيه لكل أبناء الوطن، بعيداً عن أي انغلاق.
وجوهٌ وراء العدسة والغطس: الرحلة كـ “مختبرٍ حي” للتبادل الثقافي
تنوعت ملامح المشاركين لتثري الرحلة؛ فمن “نادين” الغطّاسة المحترفة التي قلبت البحر إلى مرصدٍ للثروة السمكية والبيئة الاقتصادية لصيدا، إلى الصحافيين الذين جاءوا من جونية وبيروت وجبل لبنان لا ليوثقوا الحدث فحسب، بل ليغوصوا في أعماق المدينة. لقد وجدوا أمامهم أزقةً تُضاهي مدن المتوسط العريقة في هندستها، لكنها تتفوق عليها بنظافةٍ لافتة، في مزيجٍ ساحر من الكنائس والمساجد والقصور التي تحكي فصولاً متلاحقة من التاريخ.
طبقات التاريخ: حين تصبح صيدا متحفاً مفتوحاً
تتداخل في صيدا طبقات التاريخ لتصنع مشهداً ليس له مثيل، فما شهده الزوار اليوم لم يكن مجرد جولة سياحية، بل كان “انغماساً” في أعماق العصور التي تعاقبت على هذه المدينة الفينيقية العريقة، واحدة من أقدم مدن العالم المسكونة باستمرار.
فعند «خان الإفرنج»، دخل الزوار إلى “مركز التجارة العالمي” في القرن السابع عشر؛ ذلك الخان الذي بناه الأمير فخر الدين الثاني ليكون النافذة التي تنفست من خلالها فرنسا تجارتها مع الشرق، حيث كان الحرير والتوابل يتدفقون من قلب صيدا إلى مارسيليا. أما القلاع البحرية والبرية، فهي تروي قصة “صراع البقاء”؛ فالقلعة البحرية التي بُنيت في القرن الثالث عشر على أنقاض معبد فينيقي للإله “ملقارت”، شهدت تحصينات الصليبيين ومحاولات المماليك لاستعادتها، بينما تقف القلعة البرية (قلعة المعز) كحارسٍ صامت لأسوار المدينة تعود جذورها للعصر الفينيقي.
“ثورة صيدا الصناعية”: متحف عودة للصابون والعمل اليدوي كذاكرة اقتصادية
وفي متحف عودة للصابون، اكتشف الزوار “ثورة صيدا الصناعية”؛ حيث هذا المتحف الذي كان مصبنةً تعود للقرن السابع عشر يعيد إحياء تقنياتٍ كانت تحول بساتين صيدا إلى “جنة الأرض”. فالحرفيون في مصبنة عودة ينتجون صابون زيت الزيتون التقليدي منذ أكثر من 140 عاماً، في واحدة من أقدم مصابن لبنان التي لا تزال تعمل بالطرق اليدوية التقليدية.
تكمن أهمية هذا المتحف-المصبنة في كونه شاهداً حياً على “اقتصاد العمل اليدوي” الذي شكّل عصب الاقتصاد المحلي في صيدا قبل عصر المكننة؛ ففي قلب المصبنة، تُظهر الغلايات النحاسية الضخمة كيف كان الحرفيون يخلطون زيت الزيتون مع القلي (مادة قلوية) في عملية كيميائية بدائية لكنها دقيقة، ثم يصبون المزيج في قوالب خشبية ليجفّ ويُقطّع يدوياً إلى ألواح. هذا العمل اليدوي لم يكن مجرد حرفة، بل كان نظاماً اقتصادياً كاملاً: من مزارعي الزيتون في الجبل، إلى الحرفيين في المصبنة، إلى التجار الذين يشحنون الصابون عبر مرفأ صيدا إلى مرسيليا والإسكندرية.
والعمل اليدوي في هذا السياق يحمل قيمة تتجاوز الإنتاج؛ فهو نقل للمعرفة عبر الأجيال، حيث يتعلم الحرفي من معلمه أسرار الخلطة، ودرجة الحرارة المثلى، ووقت التقليب، وعلامات النضج، في سلسلة معرفية لا تُكتَب بل تُمارَس. وفي عصر العولمة والمنتجات الصناعية الضخمة، يُشكّل الحفاظ على هذا النوع من العمل اليدوي شكلاً من أشكال المقاومة الثقافية والاقتصادية: إثبات أن الجودة والهوية لا تُقاسان بالحجم، بل بالإتقان والارتباط بالأرض والتراث.
قصر دبانة: الديوانية كقلب نبض العائلة والمدينة
أما قصر دبانة، فهو جوهرة التاج المعمارية؛ النموذج الأنقى للعمارة العثمانية في القرن الثامن عشر بجدرانه الرخامية ونوافذه الخشبية المنحوتة التي تختزل ترف تجار ذلك العصر. لكن القصر لا يقتصر على جماله الظاهر؛ ففي قلبه تقع “الديوانية”، تلك الغرفة الواسعة ذات السقف العالي والنوافذ المطلة على الفناء الداخلي، والتي كانت ولا تزال قلب النبض الاجتماعي للعائلة.
الديوانية في قصر دبانة ليست مجرد غرفة استقبال، بل هي فضاء للذاكرة الحية: هنا كانت تُعقد مجالس العائلة، تُتخذ القرارات المصيرية، تُستقبل الوفود، تُبرم الصفقات التجارية، وتُروى الحكايات عبر الأجيال. في هذه المساحة، يجتمع كبار العائلة مع أصاغرها، يتداولون شؤون التجارة والأرض، يتناقشون في مستقبل الأبناء، ويخططون لمشاريع تخدم المدينة ككل. الديوانية، بهذا المعنى، هي “غرفة عمليات” العائلة، حيث تتداخل الخاص مع العام، والذاكرة مع المستقبل، والعائلة مع المدينة.
وفي الحمامات الأثرية (الحمام الجديد وحمام الورد)، التي تعود للعصور المملوكية والعثمانية، عاش الزوار طقوس الاستجمام والمنتدى الاجتماعي الذي كان يُدار خلف القباب الحجرية المصممة بعبقرية هندسية.
خان صاصي وقصر صاصي: ذاكرة عائلة، مستقبل مدينة، وأحلام تتجاوز الجدران
أما خان صاصي وقصر صاصي، فهما من الشواهد على ثراء المدينة بالعائلات التجارية والأوقاف التي أسهمت في تشكيل هويتها الحضرية. لكن ما وراء الحجر والرخام، تكمن حكاية أعمق: حكاية عائلة حملت اسمها في كل زاوية، وجعلت من قصرها وخانها ليس مجرد ملكية خاصة، بل جزءاً من نسيج المدينة وذاكرتها الجماعية.
قصر صاصي، بجدرانه السميكة ونوافذه الخشبية المنحوتة وأفنيته الداخلية، يحمل ذاكرة عائلة صاصي عبر الأجيال: هنا وُلد الأبناء، هنا عُقدت الزيجات، هنا دُفن الكبار، وهنا نُسجت أحلام الصغار. لكن الذاكرة هنا ليست مجرد استرجاع للماضي؛ إنها وقود للمستقبل. فالعائلة التي بنت هذا القصر لم تفكر فقط في راحتها الآنية، بل في إرث يمتد لأبنائها وأحفادها، وفي مساهمة تترك أثرها في المدينة ككل.
كيف يحمل القصر ذاكرة العائلة؟
كل غرفة في قصر صاصي تحكي قصة: غرفة الولادة حيث رأى الأبناء النور، غرفة الضيوف حيث استُقبل التجار والوفود، غرفة الدراسة حيث تعلّم الصغار القرآن والحساب، والسرداب حيث خُزّنت البضائع والحبوب. هذه الغرف ليست فراغات معمارية فقط، بل هي حاويات للذاكرة: أصوات الضحكات، همسات الصلوات، صخب المفاوضات التجارية، هدوء الليالي المقمرة في الفناء.
كيف يحمل القصر مستقبل العائلة والمدينة؟
القصر، في رؤية عائلة صاصي، ليس مجرد إرث يُحفظ، بل هو منصة للمستقبل: الأبناء الذين يكبرون بين جدرانه يتعلمون أن الملكية ليست حقاً فقط، بل مسؤولية؛ مسؤولية الحفاظ على التراث، ومسؤولية المساهمة في تنمية المدينة. والخان الذي يملكه آل صاصي ليس مجرد مصدر دخل، بل هو جزء من اقتصاد المدينة: تجار يستأجرون غرفاً، بضائع تمر عبر أروقته، حركة تجارية تُنعش السوق المحيط.
أحلام العائلة للمدينة:
عائلة صاصي، كغيرها من العائلات التجارية العريقة في صيدا، لم تحلم فقط بمستقبل أبنائها، بل بمستقبل المدينة ككل: مرفأ نشط، أسواق عامرة، شوارع نظيفة، كنائس ومساجد معمورة، ومواطنين يعيشون في كرامة وتعايش. هذا الحلم المشترك هو ما يجعل القصر والخان ليس مجرد ملكية خاصة، بل جزءاً من عقد اجتماعي غير مكتوب بين العائلة والمدينة: العائلة تحافظ على تراثها، والمدينة تحافظ على هويتها، والجميع يعملون لمستقبل مشترك.
كنيسة مار نقولا: من ملجأ سري إلى كنيسة معلنة… وأيقونات ترميمها البلمند
أما كنيسة مار نقولا، فهي اختصار لـ “تاريخ التبشير”؛ فصيدا التي زارها الرسولان بطرس وبولس، كانت مسرحاً للصراع بين الوثنية والمسيحية الناشئة. حكاية الكنيسة التي بُنيت ودُمرت وأُعيد بناؤها ثلاث مرات، هي “سجلّ حي” للتقلبات العقائدية؛ حيث تحمل كل حجارة فيها ذاكرة اضطهاد، وصمود، وتحوّل، لتكون اليوم وثيقة تاريخية صامتة تتحدث عن ثبات المجتمع المسيحي في صيدا عبر آلاف السنين.
تروي التقاليد المحلية أن بطرس وبولس مرّا بصيدا في رحلاتهما التبشيرية عبر بلاد الشام، في فترة كانت فيها المدينة معقلاً للوثنية الرومانية والفينيقية، حيث سادت عبادة آلهة مثل عشتروت وملكارت. في هذه البيئة، كانت المسيحية الأولى ديانة مضطهَدة، يُلاحق أتباعها ويُقتلون أحياناً، ما جعل الكنائس الأولى فضاءات سرية أو شبه خفية، تُبنى في أقبية أو بيوت خاصة، ثم تُهدَم مع كل موجة اضطهاد، لتُعاد بناؤها في فترات الهدوء النسبي.
كيف انتقلت من ملجأ إلى كنيسة؟
في بداياتها، لم تكن “كنيسة مار نقولا” كما نعرفها اليوم مبنى قائماً بذاته، بل كانت ملجأً أو بيت صلاة سرياً يستقبل المسيحيين الأوائل في صيدا، حيث كانوا يجتمعون خفيةً لتلاوة الصلوات وكسر الخبز، بعيداً عن عيون السلطات الرومانية الوثنية. مع الوقت، ومع تراجع موجات الاضطهاد واعتناق المزيد من أهل المدينة للمسيحية، تحوّل هذا الملجأ إلى كنيسة معلنة، تُبنى بجدران حجرية وتُزيّن بالأيقونات والصلبان، لتصبح فضاءً عاماً للعبادة بدلاً من الفضاء السري. هذا التحوّل من “ملجأ بولس وبطرس” إلى “كنيسة مار نقولا” هو قصة تحوّل صيدا نفسها: من مدينة وثنية إلى مدينة مسيحية، ثم إلى مدينة متعددة الأديان تحت الحكم الإسلامي والعثماني، حيث ظلت الكنيسة قائمة كجزء من النسيج الحضري.
الأيقونات وترميم البلمند: لماذا وكيف؟
ما يلفت الزائر اليوم في كنيسة مار نقولا هو جمال الأيقونات البيزنطية التي تزيّن جدرانها، وهي أيقونات خضعت لترميم دقيق على يد خبراء من دير البلمند، أحد أهم المراكز الأرثوذكسية في لبنان والمنطقة. ودير البلمند، التابع لبطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، يمتلك خبرة عريقة في ترميم الأيقونات والفسيفساء والرسوم الجدارية، حيث يجمع بين المعرفة اللاهوتية (فهم معنى الأيقونة في التقليد الأرثوذكسي) والمهارة التقنية (استخدام مواد ترميم تحافظ على الأصالة).
لماذا البلمند؟ لأن الأيقونة في التقليد الأرثوذكسي ليست مجرد لوحة جمالية، بل هي “نافذة على السماء”، تحمل رسالة لاهوتية وروحية، ولا يجوز ترميمها إلا بيد من يفقه هذا البعد ويحترم قواعد الرسم الأيقوني (الألوان، الرموز، الإضاءة، النسب). وصيدا، بكونها مدينة ذات حضور أرثوذكسي تاريخي، كانت كنيسة مار نقولا فيها بحاجة إلى ترميم يحافظ على هذا البعد الروحي والفني معاً، فجاء ترميم البلمند ليعيد للأيقونات بريقها الأصلي من دون تشويه لرسالتها اللاهوتية.
كيف تجمع الكنيسة كل الحضارات؟
كنيسة مار نقولا اليوم هي مختصر لتاريخ صيدا المتعدد:
-
الطبقة الفينيقية: في الموقع نفسه الذي كان جزءاً من مدينة فينيقية وثنية، حيث كانت عبادة ملكارت وعشتروت سائدة.
-
الطبقة الرومانية-البيزنطية: في فترة اضطهاد المسيحيين ثم تحولهم إلى ديانة رسمية، حيث تحول الملجأ السري إلى كنيسة معلنة.
-
الطبقة الإسلامية-العثمانية: حيث عاش المسيحيون كأهل ذمة، ثم كـ”ملة” معترف بها، ومارسوا شعائرهم في كنائسهم إلى جانب جيرانهم المسلمين.
-
الطبقة الحديثة: في ترميم الأيقونات على يد البلمند، وفي فتح الكنيسة كجزء من مسار سياحي ثقافي يجمع زواراً من كل الطوائف.