حين يتحول “اليأس” إلى “مختبر للحلول”: كيف تعيد “مبادرة غربال” تعريف العمل المدني في لبنان؟

في وقتٍ يمر فيه لبنان بظروفٍ أمنية وسياسية بالغة التعقيد، تسببت في انسحاب الكثير من المنظمات الدولية وتقليص تمويل المجتمع المدني تحت ذريعة تغير الأولويات أو التحوط من “مخاطر السياسة”، تقف “مبادرة غربال” كنموذجٍ استثنائيٍ للصمود والقدرة على الاستمرار. فبينما أغلقت مبادرات أبوابها أو انكفأت تحت ضغط الواقع، اختارت “غربال” نهجاً مغايراً يرتكز على الشفافية المطلقة والعمل الميداني العميق، لتثبت أن الملفات التي تمس حياة المواطن اليومية – وفي مقدمتها البيئة – ليست ترفاً، بل هي جوهر صمود المجتمع الذي لا يمكن التخلي عنه تحت أي ظرف.

“غربال”.. من رقابة البيانات إلى حاضنة للحلول

لم تعد “غربال” اليوم مجرد منصة لتقديم البيانات أو رقابة العقود العامة؛ لقد تحولت في هذا الزمن الصعب إلى “حاضنة حلول” متكاملة. هذا التحول النوعي تجلى بوضوح في اختتام ورشة العمل الرابعة ضمن سلسلة «نحو إدارة أفضل للنفايات والصرف الصحي في لبنان»، والتي أقيمت بالشراكة الاستراتيجية مع منظمة “New Visions”. في هذه الورشة، لم يتم الاكتفاء بالنقاشات الأكاديمية، بل تم تبني منهجية “الاستشراف الاستراتيجي القائم على البيانات” (Data-Driven Foresight)، لردم الهوة بين التخطيط الاستراتيجي والواقع الميداني المعقد.

المخاطرة العلمية: حين يصبح التلوث ميدان عمل

إن أبرز ما يميز “غربال” هو شجاعتها في اقتحام الملفات الشائكة. ولعل مبادرة “قياس نسب التلوث بعد تكرير مياه الصرف الصحي” هي المثال الأكثر سطوعاً على هذا الصمود؛ فهذا الموضوع ليس بجديد في طروحاته، لكن المخاطرة تكمن في جوهره الميداني. نحن نتحدث عن فريق يقتحم محطات تكرير ملوثة للغاية بمختلف أنواع الملوثات البيولوجية والكيميائية، في ظروف عمل تفتقر لأدنى مقومات الأمان والتمويل. لقد وفّرت “غربال” الغطاء التقني والمظلة المعرفية للباحثين والمشاركين لتجاوز “فوبيا التلوث”، محولةً هذه المخاطرة الخطيرة إلى أداة رقابية وعلمية لإنقاذ الأمن المائي والزراعي في لبنان. هذا النوع من العمل لا يهدف إلى جذب الإعلام أو إرضاء المانحين، بل يهدف إلى حماية المواطن من كارثة صامتة.

دعم الابتكار: لا خاسر في معركة البيئة

بتمويلٍ مباشر من “New Visions”، قررت “مبادرة غربال” اتخاذ خطوة غير مسبوقة: فوز جميع الفرق المشاركة. لقد حظيت الأفكار الأربع – إعادة تدوير الإطارات (“الكنز الأسود”)، قياس تلوث مياه الصرف، معالجة ركام الحروب، وحوكمة السياسات البلدية – بدعمٍ ماليٍ مخصص لتمويل المرحلة الأولى من التطبيق.
إن هذا القرار، رغم رمزيته في القيمة المالية، يمثل رسالة قوية بأن المبادرة تراهن على الحلول التراكمية. وبدلاً من اختيار “رابح واحد” لغايات تسويقية، قررت “غربال” دعم الجميع، حيث انتقل أصحاب المشاريع للعمل مباشرة داخل مكاتبها، خاضعين لبرنامج إرشاد مكثف مع خبراء متخصصين لضمان صقل مشاريعهم وتحويلها إلى نماذج عمل مستدامة تخدم الاقتصاد الأخضر (Circular Economy).

الصمود كفعل مقاومة مدنية

إن قدرة “غربال” على الاستمرار في بيئة تنبذ العمل المدني المستقل، وتخنق المبادرات بحجة “الواقع السياسي”، هي في جوهرها فعل مقاومة مدنية. لقد استطاعت المبادرة أن تبني بيئة منتجة ومستقلة، بعيدة عن بهرجة الإعلام، لتركز على جوهر الأزمة: كيف نعيش؟ وكيف نحمي مواردنا؟ وكيف نحول “نفايات” الأزمات إلى فرصٍ اقتصادية؟

إن هذا التكامل بين الدعم التقني، والتمويل الموجه من “New Visions”، والعمل الميداني المباشر، يرسخ فلسفة “غربال” التي ترى في الشفافية والبيانات المفتوحة سلاحاً للنهوض. وبذلك، تثبت “غربال” للجميع أن لبنان “الممكن” لا يزال ينبض بالحياة، وأن مؤسسات المجتمع المدني، متى امتلكت الجرأة والنزاهة والخبرة، تستطيع أن تنبثق من قلب الأزمة لتبني حلولاً مستدامة، مهما اشتدت الضغوط وتغيرت أولويات العالم تجاه لبنان.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …