رماد الشاشات وحطب الطفولة

رماد الشاشات وحطب الطفولة

بقلم: أسامة الحسيني

الفصل الأول: أرض الغبار وجروح الركبتين (ثمانينيات القرن الماضي)

كانت الشمس تميل نحو الغروب في منتصف الثمانينيات، لتلقي بظلال طويلة على الأزقة الترابية التي تفوح منها رائحة الياسمين الممزوجة برطوبة الأرض بعد رشّ العتبات بالماء. لم يكن هناك ساعة جدارية تحدد موعد عودة الصبيان إلى بيوتهم، بل كان نداء الأمهات أو غياب قرص الشمس في الأفق هو الميقات الوحيد.

ركض نديم، ابن التاسعة، وهو يلهث حافياً تقريباً إلا من حذاء قماشي بالٍ تمزق طرفه، يطارد عجلة دراجة قديمة يدحرجها بسلك حديدي معقوف. كانت اللعبة تقتضي مهارة في التوازن، وبصراً ثاقباً يتفادى الحفر، وتنسيقاً عصبياً دقيقاً يتعلمه الطفل دون كتب أو نظريات. إلى جواره، كان رفاقه منخرطين في لعبة «الكلل» (البلورات الزجاجية)؛ ينحنون على التراب، وتتلامس أناملهم الصغيرة مع ذرات الأرض، يحسبون الزوايا والمسافات بحدس هندسي فطري.

إذا سقط أحدهم وانجرحت ركبته، لم تكن هناك دراما مفرطة؛ مسحة ماء سريعة، وربما قليل من التراب لوقف النزيف، ثم عودة إلى الركض. كانت المناعة الجسدية تُبنى تحت شمس الصيف وغبار الأزقة، والمناعة النفسية تُصقل في معترك الرفقة: من يغضب يُنبذ لدقائق ثم يعود نادماً، ومن يغش يُطرد بصوت جماعي حاسم، ومن يفتقر إلى الشجاعة يتعلمها وهو يتسلق أشجار التوت العالية ليقطف لرفاقه الثمار الناضجة.

كان اللهو في ذلك الزمن نداءً للجسد، ومدرسة غير نظامية للعقل؛ صراعات صغيرة تُحلّ في الشارع وجهاً لوجه، بلا وسطاء ولا شاشات، وعيون متقدة بالحياة تنام فور أن يلامس رأس الصبي وسادته المحشوة بالقطن، ليحلم بمباراة الغد وكرة البلاستيك المخططة.

الفصل الثاني: عتمة الغرف ومصيدة الضوء الأزرق (العصر المعاصر)

على بُعد أربعة عقود من ذلك الزقاق، وفي شقة حديثة محكمة الإغلاق، يجلس جاد، ابن التاسعة أيضاً، على أريكة وثيرة في غرفة مظلمة إلا من وهج خافت ومتقطع ينبعث من جهاز لوحي. لا صوت في الغرفة سوى قرقعة خافتة لأزرار اللمس، وتأوهات متقطعة من الطفل حين يخسر جولة في لعبة افتراضية يشاركه فيها غرباء بأسماء مستعارة.

عينا جاد متسعتان، وحمراوان، ورموشه بالكاد تطرف. تتسلل عبر شاشته خوارزميات صُممت بعناية فائقة لتأسر انتباهه، وتضخ في دماغه جرعات مكثفة وسريعة من الدوبامين الرخيص عبر مقاطع قصيرة وصاخبة لا تتجاوز مدتها ثوانٍ معدودة. انحناءة رقبته تشي بتشوه مبكر في العمود الفقري، وعضلاته طرية وخاملة تفتقر إلى أي حيوية، بينما الوجبات السريعة ورقائق البطاطس مكدسة بجانبه.

حين تناديه والدته لتناول العشاء، لا يجيب. وحين تكرر النداء، ينفجر في نوبة غضب حادة تشبه أعراض الانسحاب لدى المدمنين. لا أصدقاء حقيقيين يطرقون بابه، ولا تراب لامس كفيه يوماً. ذكاؤه العقلي محاصر في تكرار حركات بصرية سريعة، بينما تآكلت قدرته على التفكير العميق، أو القراءة المسترسلة، أو حتى حل مسألة حسابية بسيطة تحتاج إلى تركيز يتجاوز نصف دقيقة. إنه يعيش عزلة خانقة داخل سجن افتراضي مزين بالألوان والأوهام.

الفصل الثالث: سن الصبر ولهب المراهقة النقي (ثمانينيات)

بلغ نديم السادسة عشرة في أواخر الثمانينيات. كانت المراهقة مرحلة تموج بالمشاعر المتناقضة، لكنها كانت مشاعر متجذرة في أرض الواقع. لم تكن هناك وسيلة لتزييف الهوية؛ فأنت كما يراك مجتمعك: ابن فلان، صاحب الخلق الفلاني، التلميذ في المدرسة الثانوية.

كان الانتظار هو الفضيلة الكبرى التي تصقل نضج ذلك الجيل. إذا أعجب نديم بفتاة الجيران ذات الضفائر، لم يكن يملك سوى نظرة عابرة من وراء نافذة أو على شرفة، تتلوها أيام من التأمل وكتابة الخواطر في دفتر سرّي. كان الحصول على أغنية جديدة يعني توفير مصروف أسبوع لشراء شريط كاسيت، والانتظار لساعات أمام المذياع لتسجيل أغنية بصوت نقي.

في باحة المدرسة، كانت الحوارات تدور حول الكتب، والسياسة، والرياضة، والموسيقى. كان المراهقون يتجادلون بأصواتهم الحقيقية، يتدربون على مهارات الإقناع، ويتحملون وطأة الخلاف دون أن يقطعوا حبل الود. كانوا يركبون الدراجات لمسافات طويلة، يساعدون آباءهم في أعمال الورش أو الحقول بعد انتهاء الدوام، فيكتسبون خشونة الرجال وهم لا يزالون على عتبة الصبا. كان لهب المراهقة يحترق في العلن ليصنع معادن صلبة قادرة على مجابهة قسوة الأيام.

الفصل الرابع: متاهة المراهقة والهشاشة الرقمية (المعاصر)

في المقابل، يقف رامي، المراهق المعاصر ذو السبعة عشر ربيعاً، أمام مرآة غرفته يلتقط عشرات الصور لنفسه، باحثاً عن زاوية تخفي ملامحه الحقيقية وتبرز صورة مثالية رسمتها له معايير منصات «إنستغرام» و«تيك توك». لا يبحث رامي عن ذاته، بل يبحث عما يطلبه المتابعون.

يعيش رامي حالة دائمة من المقارنة القاتلة؛ يرى أقراناً له يعرضون حياة باذخة، وسيارات فارهة، وأجساداً معدلة ببرامج الفلاتر، فيتسلل إلى نفسه شعور مرير بالنقص والعجز. لم يعد قادراً على بناء علاقة عاطفية سوى من خلال رسائل نصية قصيرة، خالية من نبرة الصوت وتعبيرات الوجه، مليئة بالرموز التعبيرية الجافة.

تآكلت مهاراته الاجتماعية إلى الحد الذي يجعله يرتبك ويتلعثم إذا اضطر لمحادثة جاره أو شراء غرض من دكان الحي. عقله مشتت بين إشعارات لا تهدأ وقلق مزمن يسمى «الخوف من فوات الشيء» (FOMO). نومه متقطع، وكوابيسه ملونة بأرقام الإعجابات ومؤشرات المشاهدة. صار اللهو بالنسبة له محرقة للأعصاب؛ سباقاً لا ينتهي لإثبات وجودٍ لا يُرى إلا في الفضاء الافتراضي، محاطاً بهشاشة نفسية تنهار أمام أول نقد أو كلمة عتاب حقيقية.

الفصل الخامس: مدارج الجامعة وبناء النضج (ثمانينيات)

دخل نديم أسوار الجامعة، وكانت أروقة الكلية خلية نحل تعج بالحياة الفكرية والاجتماعية. لم تكن المحاضرات مجرد ملفات تُحمل بضغطة زر، بل كانت جهداً يُبذل في تدوين الملاحظات بخط اليد، وتنقيباً مضنياً في بطون المراجع داخل المكتبات المركزية المزدحمة.

هناك، تبلور ذكاء نديم الاجتماعي والعقلي؛ إذ كان عليه أن يواجه الدكاترة في نقاشات شفوية، وأن يتعاون مع زملاء من بيئات وثقافات متباينة في مشاريع مشتركة تتطلب الجلوس لساعات طويلة وجهاً لوجه. كانت الصداقات التي تُبنى في ممرات الجامعة صلبة كالصخر، لأنها نُسجت عبر تقاسم شطائر الجبن، وتبادل الدفاتر، والمشي لمسافات طويلة تحت المطر لعدم توفر أجرة الحافلة.

تخرج نديم ومعه شهادته، لكن الأهم من ذلك أنه تخرج ومعه قدرة هائلة على إدارة الأزمات، وتحمل ضغوط العمل، وقراءة الواقع دون رتوش. كان جاهزاً لدخول معترك الحياة بوجه مكشوف وإرادة صلبة صقلتها عقود من الاحتكاك المباشر بالعالم الخارجي.

الفصل السادس: قاعات الانفصال والذكاء المستعار (المعاصر)

وعلى الجانب الآخر، دخل رامي الحرم الجامعي، لكنه ظل منفصلاً عنه. يحضر المحاضرات وعيناه معلقتان بهاتفه الذكي، لا يدوّن شيئاً، فكل المواد مصورة ومحفوظة في مجموعات التراسل الفوري. حتى أبحاثه الجامعية أصبحت تُنجز بنسخ ولصق سريع، أو بالاعتماد على أدوات توليد النصوص الجاهزة، دون أن يُعمل عقله في قراءة أو تمحيص، فضمرت قدرته على التحليل النقدي واستنباط الحلول.

في قاعات الاستراحة، ترى رامي وزملاءه يجلسون على طاولة واحدة، لكن الصمت يطبق على المكان؛ كل واحد منهم منحني الرأس فوق شاشته، يراسل شخصاً يبعد عنه آلاف الكيلومترات بينما يتجاهل من يجلس بجانبه مباشرة. غابت النقاشات الفكرية الحية وحلّت محلها مشاركة الروابط الساخرة والمقاطع العابثة.

تخرج رامي بدرجات لا تعكس كفاءته الحقيقية، ليصطدم بسوق عمل لا يرحم؛ يفتقر إلى مهارات التواصل الإنساني، ويفقد صبره إذا لم يحصل على ترقية سريعة في أشهره الأولى، وسريع الاستسلام والاحتراق الوظيفي لأنه لم يتعلم يوماً كيف يتعامل مع الفشل أو كيف يطور مهارة تحتاج إلى وقت وتأمل طويل.

الفصل السابع: ميثاق الروح وجدران المودة (ثمانينيات)

حين قرر نديم الزواج، كان الارتباط مشروع حياة تشترك فيه العائلتان، وتُبنى أركانه على التفاهم الواقعي والاحترام المتبادل. اختار شريكة حياته ليس بناءً على صور مبهرة، بل بعد معرفة دقيقة بأصلها، ومعدنها، وقدرتها على تقاسم الحلوة والمرة.

تأسس البيت على البساطة والمودة. كانت الأمسيات تُقضى في الحديث عن تفاصيل اليوم، أو الاستماع إلى المذياع، أو استقبال الجيران والأقارب دون استئذان مسبق مقيد. وإذا نشبت خلافات زوجية—وهي سنّة الحياة—كانت تُحل داخل الغرف المغلقة، بالحوار العقلاني والتنازل المتبادل، لأن الهدف كان دائماً حماية السفينة من الغرق.

كانت الزوجة تجد قيمتها في دفء بيتها ورعاية أسرتها، وكان الزوج يرى في كده وتعبه وسام شرف. لم تكن هناك مقارنات تنغص عيشهما؛ فلا أحد يعرف تفاصيل بيوت الآخرين، ولا أحد يعرض خصوصياته للغرباء. كانت الخصوصية سياجاً مقدساً، والصبر حجر الزاوية الذي حافظ على استقرار البيوت لعقود طويلة.

الفصل السَّابع مُكَرَّر (الثامن): الزواج في زمن الشاشات والجفاف العاطفي (المعاصر)

تزوج رامي بعد قصة حب بدأت بإعجاب متبادل عبر منصات التواصل، وتكللت بحفل زفاف باذخ كان الهدف الأول منه تصوير مقاطع مبهرة تُنشر على الملأ لحصد آلاف التفاعلات وعبارات الإطراء.

لكن، ما إن انطفأت أضواء الحفل وأُغلقت الأبواب، حتى ظهرت الحقيقة العارية: شخصان لا يعرف أحدهما الآخر في مواقف الحياة الصعبة. دخل الزوجان قفصهما محملين بتوقعات وردية زائفة صنعها لهما المؤثرون؛ أرادا حياة مليئة بالسفر المستمر، والمفاجآت اليومية، والرومانسية المصطنعة أمام الكاميرا.

جلس رامي في طرف الأريكة يطالع هاتفه، وجلست زوجته في الطرف الآخر تفعل الشيء نفسه. تحول السرير الزوجي إلى مقاطعتين معزولتين يفصل بينهما الضوء الأزرق. غاب الحوار الحقيقي، وحين يقع خلاف بسيط حول مصاريف المنزل أو مسؤوليات البيت، لا يلجأ الطرفان للتفاهم، بل يسارع أحدهما لنشر تلميحات مبطنة ومنشورات استعطاف على وسائل التواصل، طالباً دعم المتابعين ضد شريكه.

تسللت المقارنات القاتلة إلى قلبيهما؛ يرى الزوج نساءً متجملات بالفلاتر فيزهد في زوجته الواقعية، وترى الزوجة حياة الرفاهية والهدايا المصورة لغيرها فتشعر بالسخط على واقعها. تآكلت الثقة، وحلّ الجفاف العاطفي، وأصبح الانفصال هو المخرج السريع لأي أزمة؛ إذ لم يتدرب أي منهما في طفولته أو مراهقته على الصبر والتضحية.

خاتمة: مفارقة الرماد واللهب

تقف البشرية اليوم أمام مفارقة قاسية صاغتها يد التقنية وأوهام التطور:

في الماضي، كان اللهو حركةً، ولعباً حياً، واحتكاكاً بالتراب والمطر؛ فصنع أطفالاً أصحاء الأجساد، متقدي العقول، قادرين على الصمود في دروب المراهقة، وناضجين في مقاعد العلم، وبناةً لبيوت وعلاقات صلبة لا تهزها الرياح.

أما اليوم، فقد صار اللهو قيداً ناعماً وشاشات تسلب الألباب؛ فانتزعت من الطفل براءته وحركته، وجردت المراهق من ثقته وسكينته، وسممت العلاقات الاجتماعية بالأنانية والتصنع، وانتهت بالبيوت إلى التصدع والخراب تحت وطأة استعراض وهمي لا طائل منه.

إنها مأساة جيل أضاع لهب الحياة الحقيقية، واكتفى بالدفء المزعوم لرماد الشاشات الباردة.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …