رابطة كاريتاس لبنان تطلق مبادرة وطنية لمواجهة الاحتراق النفسي

في لبنان، لا تُقاس الأزمات بالأرقام الاقتصادية أو مؤشرات التضخم التي تملأ لوائح المحال، ولا بجدول ساعات الكهرباء المتقطعة؛ بل للأزمة وجهٌ آخر أكثر قسوة، يكمن في إنسانٍ يستنزف من الداخل، ويواصل حياته اليومية بصلابةٍ ظاهرية تخفي خلفها انهياراً معنوياً صامتاً. لقد أصبح الإرهاق النفسي ضيفاً ثقيلاً ومزمناً، وباتت الصحة النفسية اليوم حاجة اجتماعية ملحة، لا ترفاً أو موضوعاً ثانوياً. ومن هذا المنطلق، تدرك رابطة كاريتاس لبنان أن النفس البشرية ليست مخزوناً لا ينفد، وأن للصمود كلفة باهظة، فكان لا بد من التفاتة إنسانية تخرج عن الأطر التقليدية لتلامس عمق الجرح اللبناني الذي يستنزف طاقات العاملين في مختلف القطاعات.

انطلاقاً من هذه القناعة، وضمن برنامج CLEAR المدعوم من كاريتاس سويسرا، انطلقت التدريبات المتخصصة للأخصائيين النفسيين في رابطة كاريتاس لبنان تحت إشراف الدكتورة جاكلين أيوب، المشرفة على عمل الأخصائيين في القسم، وذلك ضمن برنامج تدريب مدرّبين (TOT for Psychologists). يمتد هذا البرنامج على 30 ساعة تدريبية مكثفة موزعة على 5 أيام، ولا ينحصر هدفه في تطوير مهارات الأخصائيين فحسب، بل يتعداه إلى إعدادهم كمدربين قادرين على نقل هذه المعرفة النوعية إلى العاملين في الخطوط الأمامية، لا سيما الكوادر الصحية في المستشفيات ومراكز الرعاية، بالإضافة إلى أفراد الهيئات التعليمية في المدارس. ويركّز التدريب على محورين حيويين يمسّان جوهر التحديات اليومية: “إدارة الضغوط والوقاية من الاحتراق النفسي”، و”العنف في مكان العمل وكيفية التعامل معه”، سعياً إلى تعزيز قدرة هؤلاء العاملين على مواجهة الضغوط المهنية المتصاعدة وحمايتهم من الوصول إلى مراحل الاحتراق النفسي التي قد تودي بمهنيتهم وحياتهم الشخصية على حد سواء.

إن هذه المبادرة هي نتاج رؤية استراتيجية تتجاوز مجرد تقديم الخدمات الإغاثية، لتعكس وعياً عميقاً بضرورة بناء الحصانة النفسية للمجتمع. وتُحسب هذه الرؤية لرئاسة كاريتاس وللعقول التي تمتلك القدرة على تحويل الرسالة الإنسانية إلى برامج عمل ملموسة تلامس احتياجات الناس الحقيقية؛ إذ يستحق الأب غاوي، رئيس كاريتاس لبنان، التقدير على حضوره ودوره في دفع هذه الروحية الإنسانية إلى الأمام، كما تستحق ساندي حاكمة إشادة خاصة لعقلها الديناميكي وقدرتها الفائقة على التقاط الحاجة في لحظتها الأكثر حرجاً وتحويلها إلى فعلٍ مؤسساتي منظم. ويأتي اختيار الدكتورة جاكلين أيوب لتنفيذ هذا التدريب ليضفي قيمة مهنية عالية، فهي تدرك تماماً كيف تُنقل المعرفة بلغة إنسانية تساعد المستفيدين على فهم ما يعتمل في داخلهم ومواجهة الاستنزاف قبل بلوغ نقطة الانهيار.

إن كاريتاس لبنان، بهذا التوجه، تؤكد أن وظيفتها لا تتوقف عند حدود تقديم الدعم المادي، بل تمتد لتكون حائط الصدّ الأول ضد التآكل النفسي الذي يهدد تماسك المجتمع. فلبنان اليوم لا يحتاج فقط إلى من يساعده على البقاء، بل إلى من يساعده كي لا يحترق نفسياً ومعنوياً وهو يحاول الصمود. ومن خلال توسيع دائرة الاستفادة من هذا البرنامج التدريبي، تساهم الرابطة في خلق شبكة أمان مهنية وتربوية، تثبت من خلالها أن المؤسسة قادرة على قراءة ما بين سطور الأزمة، والتدخل في أكثر الأماكن حساسية، لترميم ما أفسدته الظروف القاسية في أرواح اللبنانيين، ولتؤكد أن الوقاية من الاحتراق هي أولى خطوات ترميم الوطن

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …