أشباح «كبير العيلة» في رداء الحداثة: البارانويا التربوية كأداة لإجهاض المنهج الجديد

في المناهج التربوية الحديثة، يغيبُ مفهوم «كبير العيلة» الذي كان يضبط إيقاع التراتبية الاجتماعية ويُشرعن منطق التوريث والولاء. لكن هذا الفراغ -الذي كان من المفترض أن يملأه منطق المواطنة والكفاءة- تحوّل في الواقع اللبناني إلى ساحةٍ للفوضى السلطوية؛ إذ بات كل فردٍ يرى نفسه «كبير عيلة» محتمل، أو حارساً لمصالح ضيقة. ومع تكبير هذه الفكرة وتضخمها، لم يعد الصراع محصوراً في التنافس على الفرص، بل تحوّل إلى حالةٍ من «البارانويا التربوية»؛ حيث يستشعر صاحب المطامع أنَّ أي نبوغٍ خارج دائرة نفوذه يمثل تهديداً وجودياً له. هنا، تنتقل العقليات المأزومة من التنافس إلى «القتل»—قتل التميز في مهده، قتل الشخصية المستقلة بالتنمر، وقتل الفرص بالزبائنية—ممارسين سلطةً غاشمة لا تهدف إلا لضمان بقاء ما يريدونه تحت سيطرتهم المطلقة. إنها مأساةٌ تبدأ بسؤال «ابن مَن أنت؟»، وتنتهي بممارسةِ محوٍ ممنهج لكل من يرفض الخضوع لتراتبياتهم. 

في خطوةٍ طموحةٍ لإعادة هيكلة العقل التعليمي، يبرز مشروع المنهاج التربوي اللبناني الجديد، بموجب المرسوم 3445، كمحاولةٍ استراتيجيةٍ للانتقال من نموذج «الحفظ والتلقين» إلى رحاب «الكفايات والتعلم التكاملي». يهدف هذا المشروع إلى بناء مواطنٍ يمتلك مهارات التفكير النقدي والتحليل العلمي، لا سيما في مواد العلوم الإنسانية والتاريخ. ومع ذلك، فإن هذا الطموح التربوي يرتطم بواقعٍ لبنانيٍّ محليٍّ شديد التعقيد، حيث تتداخل السياقات التعليمية مع شبكات نفوذٍ عائليةٍ وسياسيةٍ تحوّل المعرفة إلى أداةٍ للفرز الطبقي. إنَّ المشكلة الحقيقية لا تكمن في نصوص المنهاج، بل في «الفاعل البشري» داخل المؤسسة التربوية، حيث يتحول الأستاذ والمرشد—في ظل غياب الرقابة—إلى حراسٍ لبوابات الفرص، يمارسون سلطتهم بناءً على أسئلةٍ استدراجيةٍ عن «الهوية العائلية» بدلاً من «الكفاءة العلمية»، مطاردين التلاميذ بسؤال: «ابن مَن أنت؟».

هذا السؤال ليس عفوياً، بل هو أداةٌ لتصنيف الطالب في سوق الزبائنية، وتوجيه الحوار الصفي نحو تنمرٍ ممنهجٍ ضد كل من هو خارج «الدائرة المحمية». وهنا، نستحضر التمييز الجوهري الذي طرحه الكاتب إلياس خليل نصرالله بين «المثقف الديالكتيكي» و«المتعلم التقليدي». فالمجتمع اللبناني يغصّ بالمتعلمين حملة الشهادات الذين طُمست قدراتهم النقدية، وأصبحوا ممسوسين بالجمود العقائدي والانتهازية، مفضلين اجترار الأفكار التي تدعم «الانتماء العائلي» أو «الولاء الحزبي» على حساب الحقيقة العلمية. إن هؤلاء المتعلمين، الذين يعيشون حياةً «سيزيفية» في ظلال السلطة والمال، يمثلون النقيض للمثقف الديالكتيكي الذي يغربل المعرفة، ويرفض إرجاع تردي أوضاع المجتمع إلى «كسل المسحوقين»، بل يراهم ضحايا استغلالٍ طبقيٍّ وجشعٍ سياسي.

إنَّ هذا التواطؤ يكتسب أبعاداً أكثر تعقيداً حين يتم التلاعب بمواد الفلسفة أو التاريخ، وتقديم الثقافة الغربية أو «الفرنسة» كواجهةٍ للتحديث، بينما يعترض ذوو الزبائنية في لبنان على جوهر «عصر التنوير» وما يحمله من قيم العقلانية والحرية الفردية التي تهدد سلطتهم الأبوية. هؤلاء يستخدمون التعليم كقناعٍ حداثيٍّ يغطي جوهراً تقليدياً متعصباً؛ فالمعلم الذي يمارس «العقاب الشخصي» بحق التلميذ الذي يرفض مطاوعته في مطامع العائلة، هو في الحقيقة «مثقف ظل» سلّع قلمه وكرامته لخدمة أرباب السلطة، محاولاً تغليف معاناة المعذبين بالصمت.

هذه الأجندات التعليمية ليست معزولة، بل هي جزء من «تشبيك مشبوه» وأجنداتٍ محليةٍ تتكل على عامل الوقت للعب على تكتلات الواقع اللبناني. إن هذا الواقع، الذي اتخذ منحىً فاضحاً، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بـ Nexus، أي شبكة العلاقات المتداخلة التي أوصلت لبنان إلى مصائبه الراهنة. وبالنظر إلى تقارير مؤسساتية مثل وثيقة البنك الدولي الخاصة بـ«مشروع استهداف الفقر الوطني» (Emergency National Poverty Targeting Program—Report No. PAD1030، 2014)، نجد أن المشروع كان يهدف إلى توسيع نطاق المساعدة الاجتماعية وتعزيزها للأسر اللبنانية الواقعة تحت خط الفقر المدقع، من خلال منافع صحية وتعليمية ومساعدات غذائية، وبتمويلٍ من صندوق لبنان الائتماني. كما اعتمد البرنامج على آلية الاختبار بالوسائل غير المباشرة (Proxy Means Testing—PMT) لتحديد الأسر المستفيدة، وهي آلية تقنية يفترض أن تستند إلى مؤشرات اجتماعية واقتصادية قابلة للقياس، لا إلى الانتماء السياسي أو العائلي. 

غير أنَّ وجود آلية تقنية لا يعني بالضرورة تحييد السياسة من عملية الاستهداف. فكل نظامٍ لتوزيع المنافع يمكن أن يتعرض للتشويه إذا غابت الشفافية، واستقلت شبكات الوساطة عن قواعد الاستحقاق، وضعفت آليات التظلم والتدقيق. ومن هنا، لا تكمن المشكلة في أداة الـPMT بوصفها نموذجاً إحصائياً فحسب، بل في البيئة المؤسسية التي تستقبل نتائجها وتحوّلها إلى قراراتٍ إدارية. فحين تكون الدولة نفسها أسيرة المحاصصة، قد تتحول البرامج الاجتماعية من أدواتٍ للعدالة إلى مساحاتٍ جديدة لإعادة إنتاج الزبائنية، حتى عندما تكون لغة المشروع تقنيةً ومحايدة.

إنَّ صندوق النقد الدولي والجهات المانحة تقف اليوم أمام تحدٍّ وجودي: كيف يمكن تطوير المؤسسات التربوية وتخليصها من «الجرائم الإدارية» في ظل وجود طاقمٍ تعليميٍّ ومرشدين يفتقرون إلى «أبجديات الثقافة المنفتحة» ويغرقون في فوبيا التغيير؟ لا يكفي أن تُرصد الأموال لإعادة تأهيل المدارس أو تدريب المعلمين أو تحديث الكتب؛ إذ إن التمويل قد يفقد مضمونه الإصلاحي إذا لم يرافقه نظامٌ مستقل للرقابة، ومؤشراتٌ واضحة لقياس الأثر، وقنواتٌ آمنة للإبلاغ عن التمييز والابتزاز والعقاب الانتقامي. إن الإصلاح الذي يغيّر الوثائق ولا يغيّر آليات السلطة داخل المدرسة يظل إصلاحاً شكلياً، مهما بدا حديثاً في لغته ومفاهيمه.

وتكشف تجربة برامج الحماية الاجتماعية في لبنان أن الانتقال من الاستهداف النظري إلى الإنصاف العملي يحتاج إلى أكثر من قاعدة بيانات. فالمشروع الطارئ لاستهداف الفقر، الذي أُقرّ عام 2014، تضمّن مساعداتٍ صحية وتعليمية وغذائية، ومن بينها إعفاءاتٌ من بعض الرسوم المدرسية وتوفير الكتب للطلاب في المدارس الرسمية. لكن قيمة هذه التدخلات لا تُقاس بعدد المستفيدين المسجلين فقط، بل بمدى وصولها الفعلي إلى الأسر الأشد حاجة، وبقدرتها على منع التسرب المدرسي، وتقليل الفوارق بين المناطق، وتحويل المدرسة إلى فضاءٍ للحماية الاجتماعية لا إلى نقطةٍ إضافية في شبكة الوساطة. 

ومن هنا، فإن الحديث عن إصلاح التعليم يجب أن يتجاوز ثنائية «المنهاج الجيد» و«المنهاج السيئ». فالمنهاج لا يعمل في الفراغ؛ إنه يدخل إلى صفوفٍ تحمل تفاوتاتٍ طبقيةً وطائفيةً ومناطقية، وإلى مؤسساتٍ قد يكون فيها المدير أو المرشد أو الأستاذ صاحب سلطةٍ غير خاضعة للمساءلة. ولذلك، فإن نجاح المنهاج الجديد يتطلب ربطه بسياسةٍ متكاملة تشمل التوظيف على أساس الجدارة، والتقويم المستقل، والتدريب المستمر، وحماية الطلاب من التنمر والتمييز، وإلزام المؤسسات التعليمية بنشر معايير واضحة للقبول والترفيع والتكليف والشكوى.

المدرسة الديمقراطية بين الممارسة والتفكيك

إنَّ المدرسة الديمقراطية لا تكتفي بتدريس حقوق الإنسان؛ بل تمارسها في تفاصيلها اليومية: في طريقة توزيع العلامات، وفي حق الطالب في السؤال، وفي احترام الاختلاف، وفي منع العقاب الانتقامي، وفي تمثيل الطالبات والطلاب في المجالس والأنشطة. ومن دون هذه الممارسة اليومية، يبقى الحديث عن التفكير النقدي مجرد فصلٍ في كتاب، لا ثقافةً حية داخل المؤسسة.

غير أن الخطر لا يقتصر على منع الطالب من التعبير داخل الصف، بل يمتد إلى تفكيك مجموعات الطلاب والمؤثرين بعضهم في بعض، داخل المدرسة وخارجها. فقد تُرصد الصداقات والتجمعات والأنشطة الطلابية لا بوصفها أشكالاً طبيعية من التفاعل الاجتماعي، بل باعتبارها شبكات نفوذ ينبغي احتواؤها أو تفريغها أو إعادة توزيعها. وعوضاً عن تشجيع الحوار الحر بين الطلاب، يجري أحياناً فصل الأفراد المؤثرين عن محيطهم، وتوزيعهم—رمزياً أو فعلياً—على الأحزاب التقليدية، بحيث يتحول النشاط الطلابي إلى امتدادٍ مبكر للزبائنية السياسية.

ويظهر هذا المنطق في مراحل دراسية مبكرة، ومنها صفّ الثالثة المتوسطة، المعروف في النظام الفرنسي باسم classe de 3e، حيث تبدأ عملية تصنيف الطلاب بصورة أكثر وضوحاً استعداداً للانتقال إلى مراحل تعليمية جديدة. والمقصود هنا ليس اتهام كل مؤسسة أو كل معلم، بل نقد نمطٍ من الإدارة الاجتماعية للتلاميذ يجعل التفوق والعلاقات والقدرة على التأثير موضوعاً للمراقبة السياسية، بدلاً من أن تكون عناصر لتنمية الشخصية والاستقلال الفكري.

ويصبح الأمر أكثر خطورة عندما تتحول الصلات بين الطلاب إلى أدوات ضغطٍ خارج المدرسة أيضاً؛ إذ قد تمتد عملية العزل والتصنيف إلى الحي أو القرية أو القضاء، عبر تحريض عائلاتٍ أو مجموعاتٍ اجتماعية ضد طالبٍ أو طالبةٍ بسبب تفوقه، أو استقلاله، أو رفضه الانضمام إلى شبكةٍ حزبية. وفي مثل هذه الحالات، لا يعود الطالب يواجه منافسةً أكاديمية طبيعية، بل يجد نفسه في مواجهة ضغطٍ اجتماعـيٍّ واسع يهدف إلى عزله عن زملائه ومصادر دعمه، أو إلى تشويه صورته أمام محيطه.

ومن أخطر نتائج هذا الضغط دفع الطالب إلى «التوحّد» القسري، لا بمعناه الطبي أو التشخيصي، بل بمعنى الانكفاء الاجتماعي والانفصال عن الجماعة بعد إنهاكه نفسياً. وقد يصل الأمر إلى أن يتجنب الطالب الكلام أو المشاركة أو إظهار قدراته، حتى بعد بلوغه سن الأربعين، لأن آثار الإقصاء المتراكم تظل حاضرة في علاقته بالناس وبالمؤسسة وبنفسه. غير أن استخدام لفظ «التوحّد» في هذا السياق يحتاج إلى حذر، لأن التوحّد حالة نمائية عصبية لا يجوز استعمالها بوصفها استعارة للانعزال أو نتيجة مباشرة للضغوط الاجتماعية. والأدق نقدياً هو الحديث عن العزلة القسرية، والانكفاء الاجتماعي، والانسحاب الدفاعي، وآثار التنمر الممتد.

إن فرض «المداورة» في النبوغ يمثل وجهاً آخر لهذه المنظومة. فبدلاً من الاعتراف بتفاوت المواهب وتوفير الدعم للمتفوقين، يجري أحياناً التعامل مع النبوغ بوصفه امتيازاً ينبغي تدويره اجتماعياً حتى لا يستقر لدى شخصٍ واحد أو عائلةٍ واحدة. وهكذا لا تعود المساواة تعني إزالة العوائق أمام الجميع، بل تتحول إلى ذريعةٍ لتخفيض المتفوق، أو إخفاء إنجازه، أو منعه من احتلال موقعه الطبيعي. إن العدالة التعليمية لا تعني توزيع الموهبة بالتساوي، فهذا مستحيل، بل تعني ضمان أن يحصل كل طالب على فرصة عادلة لإظهار موهبته من دون عقابٍ أو تشويهٍ أو حصارٍ اجتماعي.

الأدب في مواجهة السلطة

وفي هذا السياق يمكن استحضار أنسي الحاج، لا بوصفه صاحب عبارة موثقة حرفياً تقول: «لا تداول سلطة في الأدب»، بل من خلال موقفه الموثق من السلطة الأدبية والسياسية ومنطق التمرد على القوالب. ففي كلمته عن قصيدة النثر، شدد على أن التمرد الأدبي والأخلاقي «لا يستكين ولا يستقيل حين يصل إلى السلطة»، وأضاف أن السلطة التي يصل إليها التمرد هي «سلطة التمرد»، لا السلطة التقليدية، وأنها «كوكب للحرية».archive.assafir

كما كتب الحاج في إحدى «خواتمه» أن «السلطة» تحضر في الأدب والفنون والأديان، منتقداً فكرة انتقال الماضي إلى الحاضر بوصفها استمراراً آلياً. لذلك، فإن الصياغة الأدق في المقال هي أن تجربة أنسي الحاج تقاوم احتكار السلطة في الأدب، وترفض تحويل التمرد إلى مؤسسةٍ مغلقة أو إلى بديلٍ جديد عن السلطة التي ثار عليها. أما العبارة المباشرة «لا تداول سلطة في الأدب»، فلم أعثر على مصدرٍ موثوق يثبت أنها نصٌّ حرفي لأنسي الحاج؛ ومن الأفضل عدم وضعها بين علامتي اقتباس ونسبتها إليه بصيغة قطعية.ounsielhage.wordpress

وبهذا المعنى، تصبح المدرسة مطالبةً بإنتاج طالبٍ لا يطلب الإذن كي يفكر، ولا ينتظر تزكيةً عائلية أو حزبية كي يكتب، ولا يتعامل مع التفوق كامتيازٍ قابل للمصادرة. فالأدب الحر، مثل التعليم الحر، لا يقوم على تدوير المواقع بين نخبٍ مختلفة، بل على تفكيك احتكار الموقع نفسه، وفتح المجال أمام أصواتٍ جديدة لا تُقاس قيمتها بأصلها الاجتماعي أو بصلتها بمراكز النفوذ.

من نقد الزبائنية إلى بناء البديل

لا يكفي فضح سؤال «ابن مَن أنت؟»؛ فالبديل المؤسسي يجب أن يجعل هذا السؤال عديم القيمة داخل المدرسة والجامعة وسوق العمل. ويتطلب ذلك اعتماد ملفات قبول وتوظيف مجهّلة قدر الإمكان، وإعلان المعايير مسبقاً، وتوثيق قرارات التقييم، وإتاحة الاعتراض أمام هيئة مستقلة. كما ينبغي الفصل بين السلطة التربوية والوساطة السياسية، بحيث لا يستطيع أي زعيم أو نائب أو مسؤول محلي أن يحوّل المدرسة إلى مكتب خدماتٍ انتخابية.

ويفترض الإصلاح أيضاً إعادة تعريف دور المرشد التربوي. فالمرشد ليس أداةً لتصنيف الطلاب أو مراقبة ولاءاتهم، بل وسيطٌ لحمايتهم ومساعدتهم على اكتشاف قدراتهم. وعندما تتحول الإرشاديات إلى فضاءٍ لاستجواب الطالب عن عائلته وطائفته وصلاته، فإن المؤسسة تنقض وظيفتها الأساسية، وتستبدل الدعم النفسي والاجتماعي بنظامٍ مبكر للفرز والوصم.

أما المعلم، فلا يمكن مطالبته بأن يكون «ضميراً مجتمعياً» من دون تحسين شروط عمله وحمايته من الابتزاز الإداري والسياسي. فاستقلالية المعلم لا تعني إطلاق سلطته بلا رقابة، بل تعني إخضاعه لقواعد مهنية عادلة، مع توفير التدريب، والتقييم الموضوعي، والحماية من التدخلات الخارجية. وفي المقابل، يجب أن تكون مساءلته واضحة عندما يستخدم موقعه لإهانة الطالب أو معاقبته بسبب موقفٍ فكري أو اجتماعي أو عائلي.

إنَّ المدرسة الديمقراطية لا تكتفي بتدريس حقوق الإنسان؛ بل تمارسها في تفاصيلها اليومية: في طريقة توزيع العلامات، وفي حق الطالب في السؤال، وفي احترام الاختلاف، وفي منع العقاب الانتقامي، وفي تمثيل الطالبات والطلاب في المجالس والأنشطة. ويجب أن تشمل هذه الممارسة حق الطلاب في تكوين صداقاتٍ ومجموعاتٍ ونقاشاتٍ مستقلة، ما دامت لا تقوم على العنف أو الإقصاء. أما تفكيك الروابط الطلابية لمصلحة الأحزاب التقليدية، أو تحويل الطلاب المؤثرين إلى أدوات استقطاب، فهو نقيض التربية الديمقراطية، لأنه يستبدل المواطنة بالتعبئة والاختيار الحر بالولاء المفروض.

كما ينبغي إنشاء آليات مستقلة للتحقيق في شكاوى التنمر والتحريض والعقاب الانتقامي، مع حماية الطالب والمبلّغ من الانتقام. فالضغط الذي يبدأ داخل الصف قد يتوسع عبر العائلة أو القرية أو القضاء، ولذلك لا بد من مقاربةٍ تربوية وقانونية ونفسية متكاملة. إن حماية الطالب لا تعني عزله عن المجتمع، بل حمايته من تحويل المجتمع إلى أداة لمعاقبته على نبوغه أو استقلاله أو اختلافه.

إن أزمة المعرفة في «دولة الزبائنية» ليست أزمة مناهج فحسب، بل أزمة علاقة بين المعرفة والسلطة. فالمنهاج قد يرفع شعار الكفايات، لكن المدرسة ستظل تنتج الطاعة إذا كان الوصول إلى الفرص مشروطاً بالاسم العائلي، وكان المعلم خائفاً من السلطة، وكان الطالب يتعلم أن الصمت أكثر أماناً من السؤال.

والأخطر أن الزبائنية لا تكتفي بتحديد من ينجح، بل قد تعمل على تفكيك الجماعات الطلابية، وعزل المؤثرين، وإعادة توزيعهم على شبكات حزبية تقليدية، ثم معاقبة من يحاول الاحتفاظ باستقلاله. وقد تترك هذه الضغوط آثاراً طويلة الأمد، من الانسحاب الاجتماعي إلى فقدان الثقة بالذات وبالمؤسسات. لذلك، يجب عدم تحويل المعاناة النفسية إلى وصمٍ إضافي، بل الاعتراف بها ومعالجتها مهنياً، مع التمييز بين الحالات الطبية، مثل التوحّد، وبين العزلة القسرية أو الانكفاء الناتج عن التنمر والاضطهاد الاجتماعي.

إن المعيار الحقيقي لنجاح الإصلاح التربوي اللبناني ليس عدد الصفحات الجديدة في الكتب، ولا حجم التمويل الدولي، ولا عدد الدورات التدريبية المنفذة، بل قدرة المدرسة على حماية الكفاءة من المحسوبية، وحماية الاختلاف من العقاب، وحماية الطالب من أن يتحول إلى تابعٍ في سوق الولاءات. عندها فقط يصبح التعليم فعلاً تحررياً، وتتحول المعرفة من امتيازٍ موروث إلى حقٍّ عام، ومن أداةٍ لإعادة إنتاج الزبائنية إلى قوةٍ لبناء مواطنةٍ نقدية وعادلة.

وإذا كان أنسي الحاج قد جعل التمرد الأدبي فعلاً لا يستقيل حين يصل إلى السلطة، فإن الدرس التربوي الأوسع هو أن المدرسة لا ينبغي أن تستبدل سلطةً بسلطة، أو نخبةً بنخبة، أو محسوبياتٍ بمحسوبياتٍ جديدة. المطلوب هو تفكيك منطق الاحتكار نفسه، بحيث لا يعود النبوغ امتيازاً يُداوَر، ولا الاختلاف جريمةً تُعاقَب، ولا الصداقة شبكةً تُفكَّك، ولا المعرفة جواز مرورٍ تمنحه العائلة أو الحزب.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …