استقال من حزب الكتائب بعد 48 عاماً من العمل في صفوفه

المؤلف: خليفة مارلين التاريخ: 2007-12-15 رقم العدد:10877

تنهي استقالة رئيس حزب الكتائب اللبنانية المحامي كريم بقرادوني، أمس، مرحلة ثرية في تاريخ حزب لا يمكن تدوين محطاته أقلّه منذ عام 1959 إلا بذكر بقرادوني الكتائبي الذي وقف إلى يسار الحزب اليميني الأول، وفتح له صفحات عربية بقيت مغلقة لأعوام طويلة منذ تأسيسه عام .1936 شخصية مثيرة للجدل وللآراء الحادّة إما المؤيدة للأسلوب البقرادوني البراغماتي وإما الناقدة لشخصية متقلبة اختارت السير عكس التيار. في الأحوال كلّها يبقى بقرادوني كتائبياً مميزاً إلى حدّ دفع بعميد الكتلة الوطنية الراحل ريمون إده إلى القول له يوماً: أنت الكتائبي الوحيد الذي أقبل أن أصافحه! . كان كريم بقرادوني في الخامسة عشرة من العمر عندما اختار الانخراط في الحزب الماروني اليميني الأول عوض الانضواء على غرار أبناء بيئته من الأرمن الأرثوذكس في حزب الطاشناق الذي انتمى إليه والده ماناس. بداية كسر التقاليد العائلية والحزبية في الوطن، وها هو بعد 48 عاماً من النضال يكسر التقليد أيضاً فيتلو تقريره السياسي الأخير في حياته الحزبية مختاراً الخروج بإرادته من رئاسة حزب لم يعرف إلا الوراثة السياسية: أنا أوّل رئيس حزب أخرج من العمل الحزبي بقرار ذاتي، آخرون قبلي خرجوا بحكم الوفاة أو الخسارة وبالتالي أنا أخرج لا خسراناً ولا ميتاً . ينهي بقرادوني حياته الحزبية وهو يكتب الصفحات الأخيرة من كتاب عهد الرئيس إميل لحود، ويعاني صعوبة في إيجاد عنوان له ولعلني سأجده عند كتابتي للخاتمة . استقالة منسّقة مع الشهيد بيار اتخذ بقرادوني قرار استقالته منذ أيار عام 2006 وأعلم بها المكتب السياسي والمجلس المركزي في حزيران من العام ذاته، وقد استقال معه أيضاً 40 عضواً هم أعضاء المكتب السياسي الموسّع الذي كان ضمن تركيبة التوحيد . إنها المرّة الأولى التي تحصل فيها استقالة بهذا الكم والنوع منذ توحيد الحزب عام .2005 وكان حصل اتفاق سابق بين بقرادوني والوزير الشهيد بيار الجميل على تقديم هذه الاستقالة وإفساح المجال للشباب، بعد أن يكون الجميل قد أمضى عامين يتعرّف خلالها إلى الحزب وكوادره وينجز ما يسمّى ب معموديّة الكتائب . الجزء الأكبر من المجلس السياسي الجديد سيكون شابّاً وسيمهّد الرئيس الجميل لنجله سامي تسلّم الحزب بعد مرحلة معينة، مما يثير أسئلة عن توجهات الحزب السياسية مع طاقم شاب جاهر رئيسه (العتيد) بتأييده الفيديرالية عندما انخرط سامي في الكتائب إثر استشهاد بيار كان يدرك أنه ينضوي في حزب الميثاق والصيغة وليس في حزب فيديرالي أو كونفيديرالي. حسم هذا الموضوع بين سامي والشيخ أمين أوّلاً ثم جلسنا معه جلسات عدة، وفهم أننا حزب ميثاقي بامتياز يقول بقرادوني، مضيفاً اتفقنا على أن الكتائب ستكون كما كانت دوماً أي حزب الصيغة والعيش المشترك والميثاق الوطني وبالتالي لا مأخذ لي على القيادة الشابة الناشئة، خصوصا أن لبنان هو فيديرالية طوائف ولا يشكل كانتوناً صغيراً في سويسرا، وبالتالي فإن نظريتي تقول بأنّ لا الجغرافيا ولا التركيبة اللبنانية تتيحان الفيديرالية لأن الاختلاط اللبناني أقوى منها . خرجت من رحم الكتائب أحزاب عدّة: القوات اللبنانية، الوعد، جبهة الحرية، جبهة المعارضة، (إيلي كرامة) ولقاء المصالحة والإصلاح الذي ألفه منير الحاج وإدمون رزق وجوزف الهاشم، فهل سيشكل كريم بقرادوني حزباً بعد خروجه؟ أكيد سأتعاطى السياسة، وسأمرّ في فترة استراحة بعد 48 عاماً أمضيتها على المحكّ السياسي وأحتاج إلى فترة تأمل، على المرء أن يعرف أين يقف في مرحلة من المراحل، وينظر إلى ما أنجز وما يمكن أن ينجزه . بصمات بقرادونية بصمات عدّة يتركها كريم بقرادوني في الكتائب: فهو شكّل دوماً جزءاً من التيار الإصلاحي في الحزب واقفاً إلى يساره مدخلاً إليه البعد العربي. في السبعينيات كانت العلاقات العربية للحزب تشكّل موضوعاً هامشياً جدّاً إلى درجة أن الزيارة الأولى التي قام بها مؤسسه بيار الجميل الى سوريا كانت عام 1973 بمبادرة من بقرادوني، بعدها توسع بيكار العلاقات ليشمل العراق والأردن وفلسطين وليبيا وسواها… كذلك شكل بقرادوني حركة إصلاح لا سيما عبر إدخال الأفكار ذات الطابع الاجتماعي، فهو أرسى في مصلحة الطلاب حركة تربوية فخاض الحزب معارك إصلاح في الجامعة اللبنانية إلى معركة التعليم المجاني، ووسّع دائرة الشؤون الاجتماعية وقد رافقه في إدخال هذا الحس الاجتماعي أنطوان شادر، أنطوان أبي راشد، خليل نادر إبراهيم نجار، إيلي كرامة، جان شرف ثم جاء جيل آخر منهم جاد نعمة، إبراهيم ريشا وسواهما، وهنالك جوزف أبو خليل الذي خاض في مسار الفكر الإصلاحي والاجتماعي على طريقته بحسب تعبير بقرادوني. الشخصان اللذان أدخلا هذا المنحى الإصلاحي الاجتماعي إلى جيل بقرادوني هما موريس الجميل وجوزف شادر. دفع موريس الجميل إلى الأفكار العصرية كلّها يقول بقرادوني. تعرّف الأخير إلى موريس الجميل في مؤتمر الكتائب في شتورة في أيلول عام ,1970 يومها قدّم بقرادوني رئيس مصلحة الطلاب تقريراً، وفي ختام الحفل ناداه الجميل قائلا تعال أنت ستفهم عليّ . بعد هذا اللقاء نشأت مجموعة طالبية شبابية صارت تجتمع بموريس الجميل كل يوم سبت، وكان يقوم بدور المعلّم شبّهته بالجاحظ، لأنه قارئ نهم وريادي وبنظري هو جول فيرن السياسة . منهجية جوزف شادر أعجبت بقرادوني كان منهجياً لآخر الكلمة يعرف كيف يبدع مشاريع، هو من وضع السرية المصرفية في الخمسينيات، وفكرة الموازنة على أنها أهم أداة لإدارة الدولة، كان ليبيرالياً للعظم . النشأة يتحدّر بقرادوني من أب أرمني عمل خياطاً هو ماناس بقرادوني وأم مارونية من قرطبا هي لور شليطا ولديه شقيق وحيد إسمه جان. عاش طفولة عادية أمضاها شتاء في منزل ذويه في سوق النجارين وصيفاً في قرطبا عند أهل أمه كان لي صديق وحيد هناك تعرفت إليه في المدرسة هو صلح يزبك. وكان منزل جدّي منعزلاً في أوّل الضيعة ، أفاد من ذلك بالقراءة للأديبين جبران خليل جبران ومخايل نعيمة، ثم انتقل الى الفلسفة، وكان يحب أن يكون أستاذاً في الأدب العربي أو الفلسفة، وانتسب في سنته الجامعية الأولى إلى كلية التربية، لكنّ والدته أصرت على أن يكون محامياً على عادة تلك الأيام، عملت محامياً كرمال أمي . تأثر فلسفياً بأبي العلاء المعرّي أعجبتني نظرته الصوفية إلى الحياة والقائلة، بأن لا شيء يستحق العذاب والمعاناة(. في الفلسفة الفرنسية تأثر بقرادوني ببيرغسون والوجودية التي كان أوّل من بشّر فيها خلافاً لكل اعتقاد. في الجامعة قرأ فلسفة كمال الحاج صاحب أفضل كتاب عن الميثاق الوطني بعنوان فلسفة الميثاق الوطني ، علمتني قراءة الحاج فلسفة اللغة فاكتشفت معه أن لا فكر بلا لغة وهي الجسد والفكر هو الروح، وأنا تأثرت به في كتاباته، وظهر ذلك في أسلوبي الكتابي حيث الجملة القصيرة والمتوازنة . صورة الكتائب حامية المسيحيين كان بقرادوني رفيقاً لأمين الجميل نجل مؤسس الكتائب في مدرسة الجمهور عام ,1962 ويرافقه للدراسة في منزله المجاور لها، هنالك تعرّف إلى بيار الجميل. لكن صورة الكتائب هي التي دفعته للانضواء في الحزب (كان منزلي يقع في سوق النجارين في جوار سينما أمبير وهو خطّ التماس في ثورة عام 1958 حيث الصراع كان في أوجه بين الجميزة والبسطة. كنت أرى شباناً يحملون العصي وأحيانا البنادق يقاتلون وأذكر أنني كنت أجلب لهم طعاماً، هكذا جذبتني صورة الكتائب التي بادرت إلى حماية المسيحيين بعد انهيار الجيش والدولة . يعتبر بقرادوني من جيل الثورة، وفي العام التالي لها أي عام 1959 تعرّف في مدرسة الجمهور الى رئيس خلية الكتائب شاكر عون، فدعاه للانضواء في الحزب فوافق فوراً. جولة في الأشرفية مع أبو عمّار! تميّز بقرادوني بروح المشاكسة في أعوام ترؤسه مصلحة طلاب الكتائب (1968 الى 1970) شهد لبنان صدامات عسكرية حادّة بين الجيش اللبناني والمنظمات الفلسطينية أدّت في عام 1969 الى توقيع اتفاق القاهرة. اتسمت تلك المرحلة بصراع إيديولوجي حادّ بين اليمين واليسار، وشهد لبنان موجة من التظاهرات والتظاهرت المضادة على مستوى الجامعات. في عزّ الأزمة المتفجرة أجريت معه اتصالات فلسطينية أدت الى قيامه في نيسان عام 1969 بزيارة الى أغوار الأردن على رأس وفد كتائبي طالبي، حيث التقى للمرة الأولى ياسر عرفات. أحدثت الزيارة بلبلة في الحزب وأحيل بقرادوني إلى المحكمة الحزبية. يروي: أحد القادة الفلسطينيين وهو أردني (نسيت إسمه)، كان مقنعاً جداً، جاء وقال لي أنا فلسطيني ويجب أن تعرفوا أننا لسنا عصابات، بل أصحاب قضية واصحاب أرض، وبالتالي أدعوك الى الأردن لقضاء ليلة في الأغوار، لكي تنظروا كيف نقاوم إسرائيل. شكل بقرادوني وفداً كتائبياً خارج نطاق الحزب، لكنه ضمّ معظم أعضاء مصلحة الطلاب والكثير من الشباب، وبعد ليلة في الأغوار كانت زيارة غير متوقعة إلى عمّان، حيث تعرّف بقرادوني إلى قائد الثورة الفلسطينية ياسر عرفات(. بعد عام وقعت حوادث أيلول الأسود، فجاء أبو عمّار الى لبنان، ولم يكن يعرف سوى شخصين كما أخبر أبو عمار بقرادوني لاحقاً الزعيم صائب سلام وكريم بقرادوني. بعد مجيء أبو عمار أرسل موفداً الى بقرادوني طالباً الاجتماع به وهكذا بدأت العلاقة بين الرجلين. عام 1973 حصلت عملية فردان ومات 3 من القادة الفلسطينيين وحصلت جنازة ضخمة في الجامع العمري على مقربة من بيت الكتائب، فاقترح بقرادوني على الشيخ بيار الجميل حضور الجنازة، وحصل خلاف كبير داخل الحزب حول إمكان الحضور أم لا، ثمّ تم التوافق وحضر الشيخ بيار الجنازة وصودف وصوله مع وصول كمال جنبلاط، وبدأ التصفيق وكان هذا الحدث. بعدها طلب أبو عمار من بقرادوني أن يردّ الزيارة الى الشيخ بيار، فنقل الطلب ودعا الجميل أبو عمّار للغداء الى مائدته في منزله قرب اليسوعية. منع أبو عمار أياً من شبابه أن يرافقوه وعلى الطريق طلب مني أن أريه الأشرفية فقمنا بجولة رأى أثناءها شعارات على غرار: إعرف عدوّك سوريا عدوّك ، و على كل لبناني قتل فلسطيني على الأقل ، وسواها من الشعارات السائدة آنذاك فقال لي: إن أولئك الذين يكتبون هذه الشعارات سيوصلونكم إلى حرب أهلية، لأن الناس تصدّق هذه الشعارات التي تراها يومياً على الحيطان فتتولد لديها إيديولوجيا معادية . على الغداء كان أمين وبشير حاضرين، وكان حديث عن تاريخ كل منهما، وقال أبو عمار إنه كان يعمل في الخليج، ويملك المال فيما هو اليوم هارب من وجه الإسرائيليين، فشجعه الشيخ بيار على البقاء صامداً في قضيته، وهي قضية فلسطين! نتج عن هذه الحركة أن تطورت العلاقات بين منظمة التحرير وحزب الكتائب، ولا سيما بين ياسر عرفات وبيار الجميل وبرزت جلية في أزمة 1973 حين قام بيار الجميل بزيارة إلى دمشق. في تلك المرحلة خاض بقرادوني غمار الصحافة حين عينه غسان تويني عام 1973 مديراً مشرفاً على الملحق الإنمائي في جريدة النهار حيث عمل سوية مع وليد جنبلاط. في السبعينيات برز بقرادوني على رأس التيار داخل الكتائب الداعي الى إقامة علاقات جيدة مع سوريا وقام بعشرات الزيارات الى دمشق والتقى الرئيس حافظ الأسد، مما أهّله عند اندلاع الحرب في عام 1975 ليكون صلة وصل بين جميع الأطراف المتحاربة، فشارك في لجان التنسيق (19751976) التي أدارت شؤون الحرب، ونسّق مع رئيس الجمهورية سليمان فرنجية، ورئيس حزب الوطنيين الأحرار كميل شمعون، ووظّف علاقاته لانتخاب الياس سركيس رئيساً للجمهورية في أيار عام 1976 وصار مستشاره الخاص حتى نهاية ولايته عام .1982 حسّن بقرادوني العلاقة بين الكتائب وسوريا فزارها مرتين مع الرئيس الراحل بشير الجميل. مرّت العلاقة من عام 1972 الى 1977 بعصر ذهبي وزار الشيخ بيار سوريا 6 مرات، لكن النكسة بدأت بعد عملية إهدن. مذذاك قطع السوريون علاقتهم مع الكتائب كمرحلة أولى ثمّ مع آل الجميّل كمرحلة ثانية. العلاقة بين آل الأسد وآل فرنجية قديمة جدّاً وهي أثرت على العلاقة مع الحزب ومع المسيحيين . يستعيد بقرادوني علاقته مع رئيس الجمهورية الراحل بشير الجميل التي اتصفت بخصومة قوية بسبب علاقة بقرادوني مع سوريا بشير هو في البداية ضدّ سوريا وضدّ الفلسطينيين وكان موقفه ضدّ كل ما هو عربي معتبراً أنّ كل ما هو عربي خطر على لبنان وعلى مسيحيي لبنان. إنه موقفه الفكري الذي تطوّر في شكل كبير تجاه المسلمين أولاً وفهم أن المسلم هو لبناني، وحصل تطور آخر تجاه علاقته بالفلسطينيين، وأذكر أن علاقته بدأت مع أبو حسن سلامة عام 1976 حيث اجتمعا في سفارة الكويت بحضور أبو عمّار، لكنّ بشير لم يستوعب هذه الأمور كلّها قبل عام ,1980 خصوصاً بعد أن عرف أنه لا يمكن ان يكون رئيساً لجمهورية لبنان من دون تفاهم مع المسلمين، ولا يمكن أن ينجح كرئيس للجمهورية من دون تفاهم مع العرب. كنت أنا أمثل كل ما يكرهه بشير أي عربي سوري فلسطيني، لكن حصل تطور طبيعي للأمور وخصوصاً بعد حرب 1978 إذ تبدلت نظرة بشير وتبين له أن الاعتماد على إسرائيل ليس سياسة، وأنّ الانغلاق عن الجوار العربي ليس سياسة، فبدأ يقول لي أكمل بما تقوم به، أنا أفهم ذلك، لكنني أنا شخصياً لا أقدر أن أقوم به لأن قاعدة (القوات اللبنانية لا تحتمل القيام بما تقوم به أنت. فتواطأنا بذلك ثم تطورت المسائل الى أن أصبح بشير شخصياً مقتنعاً بالعلاقة مع سوريا ومع العرب. وبعد انتخابه واجتماعه مع مناحيم بيغن في نهاريا كان في حالة خيبة، وجاءني الى منزلي وقال لي الآن جاء دورك، إذهب الى سوريا. اذكر أننا طلبنا موعداً من الرئيس الأسد أنا وجوني عبدو. عبدو ممثلاً لسركيس وأنا ممثلاً لبشير… وتمّ اغتيال بشير . الاتفاق الثلاثي حضر بقرادوني توقيع الاتفاق الثلاثي عام 1985 ثم خاض انتفاضة ضدّه عام ,1986 هذا في الظاهر، لكنني ذهبت الى سوريا حاملا ملاحظات على الاتفاق وطلب مني إيلي حبيقة، ذلك آملاً أن أستطيع تعديل أمر ما، أقله في صلاحيات رئيس الجمهورية. كانت نظرية إيلي حبيقة أن ثمن وقف الحرب هو هذا الاتفاق، (واذهبوا معي أنت وفؤاد بطرس وإذا استطعتما تحسين شيء، فأنا لن أعارض . عقدت في سوريا مع نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدّام اجتماعاً ليلياً طويلاً، ووجدت أنه من غير الوارد تحريك حرف في الاتفاق، في الاجتماع مع الرئيس حافظ الأسد كان لائقاً، وقال إن الحياة كلها قابلة للتغيير، لكن فلتبدأوا بهذا الاتفاق كما هو. مع العودة الى لبنان وجدنا بيئة صعبة مسيحياً لن تتقبل هذا الاتفاق، قلت لإيلي وقتها لن يمكنك حماية هذا الإتفاق، لكنّه كان ملتزماً شخصياً، لذا عملنا آخر محاولة مع رئيس الجمهورية امين الجميل ليزور سوريا علّه يمكنه تغيير شيء، لكنه ذهب وعاد خالي الوفاض. من هنا ساهمت وقتها مع الرئيس الجميل وسمير جعجع بإسقاط هذا الاتفاق الذي أعقبه إبعاد إيلي جبيقة . هل ندم بقرادوني على شيء في حياته السياسية، خصوصاً أن علاقته بحبيقة كانت جيدة جدّاً وثمة صداقة تربط الرجلين. نعم يقولها بلا تردد: ثمة أمران قهراني في حياتي: موت بشير إذ شعرت بأن مشروعاً كاملاً هوى، وإبعاد حبيقة الذي يشبه الموت، لذا عندما حوصر إيلي نزلت الى المجلس الحربي شخصياً وبقيت معه وهو لم يقبل بالخروج إلا معي، ونقلناه الى وزارة الدفاع الى حين جاءت طائرة سورية ونقلته مع الشباب . يضيف: الضربة الثالثة التي هزّتني كانت استشهاد بيار الجميل. من بشير الى سمير الى إيلي حبيقة الى مستشار لرئيس الجمهورية الياس سركيس الى أمين الجميل انتفاضات وعلاقات متناقضة مع شخصيات متناقضة. يميز بقرادوني في العلاقات مع رؤساء الجمهوريات وبينها داخل الصف المسيحي أعتبر أنه يجب دعم أي رئيس للجمهورية، لأنه يمثل المسيحيين في الدولة اللبنانية، بغض النظر عن مدى التفاهم معه وهو موضوع قابل للجدل . بدأ بقرادوني مساره الى جانب رؤساء الجمهورية في لبنان منذ عهد الرئيس سليمان فرنجية، واستمرّ طيلة ستّة أعوام مستشاراً للرئيس الياس سركيس، أما مع الرئيس أمين الجميل فاختلط الصراع الداخلي المسيحي مع رئاسة الجمهوريّة. الياس الهراوي هو الوحيد الذي لم يضم بقرادوني الى فريق عمله لم يرتح لي، وأنا انتظر أن يطلبني رئيس الجمهورية ولا أفرض نفسي، وهذا أمر يتطلب ثقة بين شخصين لم تكن موجودة لدى الرئيس الهراوي الذي لم يطلب خدماتي البتة، وما زاد الطين بلّة خلافه مع الدكتور جورج سعادة الذي ترشح ضدّه في الانتخابات الرئاسية . ترشح عام 1996 للانتخابات النيابية في بيروت مع أنطوان شادر منفردين ضدّ لائحتين: لائحة سليم الحص ولائحة رفيق الحريري بغية لملمة أصوات الكتائب. إنتخب عام 2001 رئيساً لحزب الكتائب لمدة 4 أعوام وفي ظل معارضة الرئيس الجميل الى أن حصل اتفاق مع الأخير عام 2005 بحيث بقي رئيساً للحزب على أن يكون الجميل الرئيس الأعلى. خوف المسيحيين يلخّص كريم بقرادوني المعضلة المسيحية بعد زهاء نصف قرن من العمل في الشأن العام: ب الخوف ، يشرح: ما زال الخوف من الآخر أكبر من الثقة بالذات عند المسيحيين. بالتالي ثمة معادلة لدي تقول إنه عندما يصبح خوف المسيحيين أصغر من ثقتهم بذاتهم تحلّ مشكلتهم . أما معضلة القادة المسيحيين فيلخصها ب خلافاتهم في ما بينهم ، يضيف في كل مرة التقى القادة في ما بينهم ارتاح الوضعان المسيحي اللبناني، وأكبر دليل ما حصل في الحلف الثلاثي، وعندما يختلف القادة المسيحيون ينعكس الأمر تأزماً مسيحياً ولبنانياً .

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …