عن اي حل لأي معضلة يبحث بويز والمشنوق؟ تامل في قضايا !

إن التوسع في قراءة أفكار بويز والمشنوق يقودنا إلى استنتاج استراتيجي مفاده أن الأزمة اللبنانية لم تعد أزمة “حكومة” أو “انتخابات” فحسب، بل هي أزمة “غياب استراتيجية دبلوماسية استباقية”. فالدبلوماسية التي يطمح إليها الطرفان ليست دبلوماسية رد الفعل، بل هي دبلوماسية “استباق الأزمات”. بويز، بخبرته في مؤتمر مدريد، يدرك أن العالم لا ينتظر الأطراف الضعيفة، وأن الدبلوماسية الناجحة هي التي تفرض نفسها كجزء من الحل لا كعبءٍ عليه. وبالمثل، يدرك المشنوق، من خلال تجربته في وزارة الداخلية، أن الأمن الداخلي هو “دبلوماسية وطنية”، حيث أن ضبط الحدود ومكافحة التجاوزات الأمنية هو الرسالة الأقوى التي يمكن أن يوجهها لبنان للمجتمع الدولي ليقول: “نحن دولة مسؤولة”.

بناء “التحالفات المتجاوزة”: كسر منطق المحاور

التوسع في التحليل يظهر أن كلاً من بويز والمشنوق يرفضان “أحادية البعد” في العلاقات الدولية. إن بناء دبلوماسية لبنانية حديثة -في نظرهما- يتطلب تجاوز الصراع الصفري. فبويز يدعو إلى حوارات إقليمية دولية تشمل الجميع (أميركا-سوريا-إيران-السعودية)، بينما يدفع المشنوق باتجاه “العروبة الاستراتيجية” التي تستعيد توازن لبنان العربي. كلاهما يلتقي في فكرة أن “لبنان الجسر” لا يمكنه البقاء إذا كان أحد طرفي الجسر مقطوعاً. إن هذا التوجه يمثل “دبلوماسية التوازن المركب”، وهي الوسيلة الوحيدة لمنع تحويل لبنان إلى صندوق بريد للرسائل الإقليمية المتفجرة.

تحدي “السيادة التقنية”: الدبلوماسية كأداة لبناء الدولة

بالانتقال إلى المستوى التنفيذي، يتفق بويز والمشنوق على أن الدبلوماسية يجب أن تكون أداة “بناء” لا “استهلاك”. هذا يعني تحويل السفارات والبعثات اللبنانية من مجرد منصات للتمثيل البروتوكولي إلى ورش عمل لجذب الاستثمارات، التكنولوجيا، والتعاون الأمني والتقني. هنا، يتقاطع خطاب المشنوق حول “تطوير قدرات الأجهزة الأمنية” مع رؤية بويز حول “الحاجة إلى توازن إقليمي”، ليشكلا معاً نموذج “الدولة القوية”: دولة لا تطلب الحماية، بل تفرض احترامها من خلال شراكات الندّ للندّ مع المجتمع الدولي.

الدبلوماسية كإرادة وطنية: تجديد العقد الاجتماعي

في المحصلة، إن هذا التقارب بين رؤيتين -واحدة تعتمد على “مدرسة التوازنات الدولية” وأخرى على “مدرسة الاستقرار المؤسسي”- يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يمكن أن نرى “تياراً عابراً للطوائف” يتبنى هذه الرؤية؟ إن التوسع في التحليل يخبرنا أن هذا التلاقي ليس مجرد صدفة، بل هو تعبير عن “حاجة موضوعية” لتجديد العقد الاجتماعي اللبناني. فالمجتمع الدولي اليوم يتحدث بلغة المصالح والأمن والحدود، والسياسيون الذين يملكون القدرة على التحدث بهذه اللغة هم الذين سيحددون ملامح لبنان الجديد.

إن رسالة بويز والمشنوق المختبئة بين سطور مواقفهما هي دعوة لإنهاء زمن “التسويات الهشة”. فالدبلوماسية في نظرهما هي “المرآة” التي تعكس قوة الدولة في الداخل؛ فلا يمكن لدبلوماسي لبناني أن يقنع العالم بسيادة لبنان إذا كان القرار الداخلي ممزقاً. لذا، فإن مشروعهما الضمني يتجاوز السياسة اليومية إلى بناء “دولة المواطنة والسيادة”، حيث يصبح الدبلوماسي اللبناني مفاوضاً باسم وطنٍ يملك قراره، لا باسم نظام يبحث عن اعتراف.

خلاصة القول: إن التقارب بين فارس بويز ونهاد المشنوق هو “إرهاصات لتيار وطني عقلاني” يدرك أن العالم لا يحترم الضعفاء، وأن الاستقلال الحقيقي يُنتزع عبر دبلوماسية ذكية، صلبة، ومنفتحة، تحول لبنان من “ساحة مستباحة” إلى “شريك استراتيجي” في معادلات المنطقة. إنها دبلوماسية “استعادة الذات” قبل استعادة الدولة.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …