الصحفي داخل شبكة الجريمة والإرهاب: من العقدة المعلوماتية الخارجية إلى العقدة الداخلية الداعمة

الصحافي المتعاون في فضاء جريمة محيط خارج حزب الله في مصيبة خصوصا اذا ارتبط بعلاقة تبادلية معلوماتية مع محيط حزب الله دون المقال الذي يقدمه. والعكس! الحل؟ التخصص بالجريمة المنظمة ! كما فعلنا في كل المنصات : لسنا خريجين “حبوسة” ولم نتلوث بلوثة فساد ! وكانت تهمتنا وما زالت ” الفقر واليتم”

يُعدّ مفهوم شبكة الجريمة والإرهاب (Crime–Terror Nexus) من المفاهيم المهمة في تحليل العلاقات المعقدة بين الفاعلين الإجراميين والجماعات الإرهابية. ولا تقوم هذه العلاقة دائماً على الاندماج الكامل بين الطرفين، بل قد تتجلى من خلال قنوات اتصال، ووسائط، وعلاقات متبادلة تتيح انتقال الموارد أو المعلومات أو الخدمات بين شبكات تبدو منفصلة ظاهرياً. وفي هذا السياق، تبرز أهمية مفهوم العقدة (Node) في تحليل الشبكات، إذ تمثل موقعاً مركزياً يمكن من خلاله فهم كيفية تشكل الروابط واستمرارها.

ويهدف هذا النص إلى توضيح موقع الصحفي داخل هذا النموذج التحليلي، من خلال تتبع تطور دوره من فاعل معلوماتي خارجي إلى عقدة داخلية داعمة في حال انتقل من المراقبة المهنية إلى التعاون الفعلي مع الشبكة. وتؤدي الصور المرافقة دوراً توضيحياً تدريجياً لهذا المسار التحليلي.

ولا يفترض هذا التحليل أن كل صحفي يتواصل مع جماعة إجرامية أو إرهابية يصبح جزءاً منها، كما لا يساوي بين الاتصال المهني والمشاركة في النشاط غير المشروع. فالفاصل الأساسي يتمثل في طبيعة الدور الذي يؤديه الشخص، والغاية من الاتصال، ودرجة الوعي، ومدى تحوّل السلوك من جمع المعلومات إلى تقديم منفعة عملية للشبكة.

أولاً: مفهوم العقدة داخل شبكة الجريمة والإرهاب

في تحليل الشبكات، تشير العقدة إلى فرد أو جهة أو كيان يحتل موقعاً محدداً داخل بنية العلاقات، بحيث يربط بين أطراف مختلفة أو يؤدي وظيفة اتصال أو نقل أو تنسيق. وفي إطار Crime–Terror Nexus، لا تقتصر أهمية العقدة على كونها موجودة داخل الشبكة، بل على نوع الوظيفة التي تؤديها بين الفاعلين.

كما توضح Figure 1، تظهر العقدة أو Node / Facilitator في موقع وسطي بين الشبكة الإجرامية والشبكة الإرهابية. ويعكس هذا التمثيل البصري فكرة أن العقدة قد تعمل كوسيط أو نقطة عبور، دون أن تكون بالضرورة القيادة المباشرة لأي من الطرفين. وتكمن أهميتها في قدرتها على الربط بين شبكتين مختلفتين، بما يسمح بفتح قنوات تفاعل لم تكن قائمة بشكل مباشر.

وعليه، فإن فهم الشبكة لا يتوقف عند تحديد الفاعلين الرئيسيين فقط، بل يتطلب أيضاً دراسة العقد التي تجعل العلاقات بين هؤلاء الفاعلين ممكنة ومستمرة. فقد تكون العقدة شخصاً، أو مؤسسة، أو وسيطاً مالياً، أو قناة إعلامية، أو منصة رقمية، أو جهة توفر خدمات لوجستية أو اتصالية.

ولا يشترط وجود هيكل هرمي واضح حتى تؤدي العقدة وظيفتها. فوفقاً للمواد التعليمية المرتبطة باتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، لا تتطلب الجماعة الإجرامية المنظمة تسلسلاً هرمياً رسمياً أو استمرارية ثابتة في عضوية أعضائها؛ إذ يمكن أن تشمل جماعات ذات روابط مرنة أو غير رسمية. وهذا الأمر يجعل دراسة العقد والروابط أكثر أهمية، لأن بعض الفاعلين قد يؤدون وظائف مركزية من دون أن يحملوا صفة قيادية معلنة. 

ثانياً: إسهام UNODC في تفسير العلاقة بين الجريمة والإرهاب

ينسجم تحليل شبكة الجريمة والإرهاب مع المقاربة التي يعتمدها مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC)، الذي يتعامل مع العلاقة بين الجريمة المنظمة والإرهاب بوصفها علاقة متعددة الأشكال ومتغيرة، وليست بالضرورة اندماجاً كاملاً بين طرفين متطابقين.

فقد تظهر العلاقة في صورة تحالف مؤقت، أو تعاون محدود، أو تبادل للخدمات والموارد، أو انتقال تدريجي من النشاط الإجرامي إلى النشاط الإرهابي، أو العكس. ويعرض UNODC نماذج نظرية مختلفة لفهم هذه الروابط، من بينها نموذج التقارب، ونموذج العلاقة التعاونية، ونموذج التحول. 

ويشير نموذج التقارب إلى اقتراب الجريمة المنظمة والإرهاب من بعضهما إلى درجة قد تؤدي إلى تداخل وظائفهما أو اندماجهما جزئياً. أما نموذج العلاقة التعاونية، فيفترض احتفاظ كل طرف بهويته وأهدافه، مع دخوله في تعاون يحقق منفعة مشتركة. بينما يشير نموذج التحول إلى انتقال جماعة من النشاط الإجرامي إلى النشاط الإرهابي، أو انتقال جماعة إرهابية إلى ممارسات إجرامية من أجل تأمين الموارد والاستمرار.

وتساعد هذه النماذج في فهم موقع العقدة داخل الشبكة. فالعقدة لا تكون دائماً عضواً كاملاً في التنظيم، بل قد تؤدي وظيفة جزئية ومحددة، مثل تأمين الوصول، أو نقل الرسائل، أو توفير الخدمات، أو ربط جماعة بأخرى. ولذلك، فإن وجودها في الشبكة قد يكون مؤقتاً أو انتقائياً أو قائماً على مصلحة عملية، دون أن يعني بالضرورة تبنيها الكامل لأهداف جميع الأطراف.

ثالثاً: الوظائف الأساسية للعقدة داخل الشبكة

لا تكمن أهمية العقدة في موقعها فحسب، بل أيضاً في الوظائف التي تؤديها داخل الشبكة. وتُظهر Figure 2 أن من أبرز هذه الوظائف: توفير الوصول إلى الشبكات (Provides Access to Networks) وتمكين التواصل (Enables Communication).

فوظيفة توفير الوصول تعني أن العقدة تفتح المجال أمام أطراف معينة للدخول إلى شبكات أو دوائر أو قنوات لم يكن الوصول إليها ممكناً بصورة مباشرة. وقد يشمل ذلك تعريف الفاعلين ببعضهم، أو وصل جهات بوسطاء آخرين، أو تسهيل الوصول إلى أسواق أو بيئات أو مسارات اتصال.

أما وظيفة تمكين التواصل فتشير إلى دور العقدة في الحفاظ على تدفق المعلومات والرسائل والتنسيق بين الأطراف. فهي قد تنقل الرسائل، وتربط بين مصادر مختلفة، وتؤدي دور الوسيط الذي يمنع انقطاع العلاقة بين الفاعلين.

وقد تؤدي العقدة أيضاً وظائف أخرى، من بينها:

  • توفير معلومات عن البيئة المحيطة.

  • تأمين الوثائق أو وسائل النقل أو أماكن الاختباء.

  • تسهيل عمليات التمويل أو تحويل الموارد.

  • توفير غطاء اجتماعي أو مهني.

  • تقديم شرعية رمزية أو إعلامية.

  • تخفيف مخاطر التواصل المباشر بين أطراف الشبكة.

وبذلك، توضح هذه الصورة أن العقدة لا تُفهم فقط باعتبارها “نقطة” داخل رسم شبكي، بل باعتبارها وظيفة ديناميكية تحفظ استمرارية العلاقة بين الفاعلين المختلفين.

رابعاً: نماذج UNODC لتدرج العلاقة

تساعد مقاربة UNODC على فهم العلاقة بين الجريمة والإرهاب باعتبارها سلسلة متصلة، لا علاقة ثنائية ثابتة. فقد تبدأ العلاقة باتصال محدود، ثم تنتقل إلى تبادل خدمات، ثم إلى تعاون منتظم، وقد تتطور في بعض الحالات إلى علاقة تكافلية أو إلى كيان هجين.

وبحسب هذا التصور، يمكن التمييز بين المراحل الآتية:

المرحلة طبيعة العلاقة موقع العقدة
الاتصال المحدود تبادل عابر للمعلومات أو الخدمات عقدة خارجية أو مؤقتة
التيسير فتح قناة اتصال أو توفير وصول عقدة وسيطة
التعاون الوظيفي تقديم دعم مادي أو لوجستي أو معلوماتي عقدة داعمة
العلاقة التكافلية اعتماد متبادل ومستمر عقدة استراتيجية
الاندماج أو التحول تداخل الأهداف والوظائف عقدة داخلية أو هجينة

ولا تعني هذه المراحل أنها تحدث بالترتيب نفسه في كل الحالات. فقد تتوقف العلاقة عند مستوى التعاون المحدود، أو تنقطع قبل الوصول إلى مرحلة التداخل. كما قد تنتقل الجماعة من التعاون إلى القطيعة، أو تستخدم وسيطاً واحداً في مرحلة معينة ثم تستبدله بوسيط آخر.

وتكمن أهمية هذا التصنيف في أنه يمنع التسرع في وصف كل علاقة بأنها اندماج أو انتماء. فهناك فارق بين شخص يملك معلومات عن الشبكة، وشخص ينقل رسالة واحدة، وشخص يسهل الاتصالات بصورة متكررة، وشخص يصبح جزءاً من آلية التخطيط أو التنفيذ.

خامساً: الصحفي بوصفه عقدة معلومات خارجية

بعد تحديد مفهوم العقدة ووظائفها، يصبح من الممكن تطبيق هذا الإطار على حالة أكثر تحديداً، وهي حالة الصحفي. ففي الظروف العادية، قد يكون الصحفي على صلة بمصادر أو شهود أو جهات تقع ضمن بيئات إجرامية أو متطرفة، لكنه يبقى خارج البنية التشغيلية لهذه الشبكات.

وتوضح Figure 3 هذا الموقع من خلال تصوير الصحفي كـ External Information Node، أي عقدة معلومات خارجية. فالصحفي يجمع المعلومات، ويقابل المصادر، ويرسم العلاقات، ويتلقى شهادات أو تسريبات، ثم يحول هذه المعطيات إلى معرفة عامة أو مادة إعلامية موجهة إلى الجمهور أو المؤسسات.

وعليه، فإن علاقة الصحفي بالشبكة في هذه المرحلة لا تُفهم بوصفها مشاركة، بل بوصفها اتصالاً مهنياً وتحليلياً. فهو متصل بالشبكة من حيث الوصول إلى المعلومات، ولكنه غير مندمج في وظائفها الداخلية. ومن هنا، فإن مجرد التواصل مع عناصر من شبكة الجريمة أو الإرهاب لا يكفي، في التحليل الشبكي، لاعتبار الصحفي جزءاً منها.

وقد يتطلب العمل الصحفي في بعض الظروف التعامل مع مصادر خطرة أو غير قانونية، أو الحصول على معلومات من أفراد متورطين في أعمال إجرامية. ولا يؤدي هذا الاتصال، بحد ذاته، إلى تحويل الصحفي إلى فاعل إجرامي، ما دام الهدف هو التحقيق والتوثيق والكشف، وما دام الصحفي يحافظ على استقلاله المهني ولا يقدم خدمة تشغيلية للشبكة.

سادساً: التمييز بين الوصول المعلوماتي والتيسير الوظيفي

يمكن التمييز بين مرحلتين أساسيتين في علاقة الصحفي بالشبكة:

1. الوصول المعلوماتي

يقصد به قدرة الصحفي على الوصول إلى المعلومات أو المصادر أو الشهادات أو الوثائق. وفي هذه الحالة، يعمل الصحفي بوصفه مراقباً أو باحثاً أو ناقلاً للمعلومات. وتكون المنفعة الأساسية عائدة إلى الجمهور أو المؤسسات التي تتلقى المادة الصحفية.

2. التيسير الوظيفي

ينشأ عندما ينتقل الصحفي من تلقي المعلومات إلى تقديم خدمة عملية للشبكة. وقد تتمثل هذه الخدمة في نقل رسائل سرية، أو ترتيب اتصالات بين أعضاء الشبكة، أو كشف معلومات تساعدهم على تفادي الملاحقة، أو توفير غطاء إعلامي مقصود لعملياتهم، أو استخدام منصته لتوجيه رسائل تخدم نشاطهم بصورة متعمدة.

ويشكل هذا التمييز عنصراً مركزياً في تحليل موقع الصحفي. فالصحفي الذي يجمع المعلومات عن الشبكة يظل عقدة خارجية، بينما الصحفي الذي يستخدم موقعه لتسهيل عملياتها يبدأ بالانتقال إلى موقع عقدة وسيطة أو داعمة.

سابعاً: نقطة التحول – من المراقبة إلى التعاون

تتغير طبيعة هذا الموقع عندما يتجاوز الصحفي حدّ الرصد والتحقيق، وينتقل إلى التعاون الفعلي مع أحد أطراف الشبكة. وتوضح Figure 4 هذا التحول من خلال المقارنة بين وضع الصحفي قبل التعاون وبعده.

قبل هذا التحول، يكون الصحفي مراقباً خارجياً، هدفه جمع المعطيات ونقلها إلى المجال العام. أما بعد التعاون، فإن دوره لا يعود مقتصراً على التوثيق أو النشر، بل قد يشمل تمرير معلومات حساسة، أو دعم التواصل بين أطراف الشبكة، أو توفير غطاء أو شرعية بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

وهنا، يتغير موقعه في تحليل الشبكات من External Observer إلى Collaborating Journalist، أي من مراقب خارجي إلى فاعل يشارك في الوظيفة الشبكية. وهذا التحول ليس مجرد تغيير وصفي، بل تغيير بنيوي في دور الشخص داخل الشبكة. فالصحفي الذي كان يشكل نقطة اتصال معرفية مع الخارج، يصبح تدريجياً قناة دعم داخلي تخدم استمرار عمل الشبكة.

ولا يحدث هذا التحول بمجرد وجود علاقة شخصية أو مهنية مع أحد أعضاء الشبكة. بل يتطلب عادةً توافر مجموعة من المؤشرات، مثل:

  • استمرار الاتصال بصورة منتظمة.

  • تقديم معلومات لا تهدف إلى النشر أو التحقيق، بل إلى خدمة العمليات.

  • ترتيب الاتصالات بين أفراد أو جماعات.

  • إخفاء معلومات جوهرية عن السلطات بقصد حماية الشبكة.

  • استخدام الصفة المهنية لتقليل الشبهات أو توفير غطاء.

  • تحقيق منفعة مباشرة أو غير مباشرة لأحد أطراف الشبكة.

وتظل هذه المؤشرات عناصر تحليلية تحتاج إلى تقييم واقعي وقانوني، ولا تشكل منفردة حكماً نهائياً على المسؤولية.

ثامناً: أنواع الروابط بين الجريمة المنظمة والإرهاب

يشير UNODC إلى أن الروابط بين الجماعات الإجرامية والجماعات الإرهابية قد تكون تشغيلية أو لوجستية أو مالية أو سياسية أو أيديولوجية. 

فالرابط التشغيلي يعني أن أحد الطرفين يقدم مساعدة مباشرة في تنفيذ نشاط معين. أما الرابط اللوجستي فيتصل بتوفير وسائل النقل أو الأسلحة أو الوثائق أو أماكن الاختباء أو طرق العبور. ويرتبط الرابط المالي بتأمين الأموال أو غسل العائدات أو استخدام أنشطة غير مشروعة لتمويل العمليات.

وقد تظهر أيضاً روابط سياسية عندما يستفيد طرف من نفوذ الطرف الآخر أو قدرته على التأثير في بيئة محلية أو مؤسساتية معينة. أما الروابط الأيديولوجية، فتتجاوز المنفعة المادية المباشرة، إذ تقوم على تقارب في الخطاب أو الأهداف أو تصورات العدو والمجتمع.

ولا يشترط أن تجتمع هذه الأنواع في كل حالة. فقد توجد شبكة تتعاون مالياً ولوجستياً، دون أن يكون بينها وبين الجماعة الإرهابية أي تقارب أيديولوجي. كما قد تقدم الشبكة الإجرامية خدماتها لأي طرف قادر على الدفع، دون أن تكون ملتزمة بأهدافه السياسية أو الدينية.

ويكشف هذا التصنيف أن العلاقة بين الجريمة والإرهاب قد تقوم على تقسيم وظيفي للأدوار. فقد تتولى جماعة إجرامية تأمين الأسلحة أو الوثائق، في حين تتولى جماعة إرهابية تنفيذ العنف أو توظيفه لتحقيق أهداف سياسية. وفي حالات أخرى، قد تكون العقدة الوسيطة هي التي تنسق بين الطرفين دون أن تنتمي رسمياً إلى أي منهما.

تاسعاً: الأنشطة الإجرامية المرتبطة بالإرهاب

توضح مواد UNODC أن الروابط بين الإرهاب والجريمة المنظمة قد تمر عبر أنشطة مثل الاتجار بالأسلحة والأشخاص والمخدرات والممتلكات الثقافية، أو الاتجار بالموارد الطبيعية، أو غسل الأموال، أو توفير السلع والخدمات غير المشروعة

وتكتسب هذه الأنشطة أهمية تحليلية لأنها تكشف أن العلاقة لا تقوم دائماً على التعاون الأيديولوجي، بل قد تنشأ من الحاجة العملية والمصلحة المشتركة. فقد تحتاج جماعة إرهابية إلى شبكة إجرامية لتأمين وثائق أو وسائل نقل أو قنوات مالية، في حين قد تستفيد الشبكة الإجرامية من الجماعة الإرهابية في توفير الحماية أو السيطرة على منطقة جغرافية أو تأمين طرق التهريب.

ولا تقتصر هذه الروابط على التمويل المباشر، بل قد تشمل أيضاً توفير المعدات، وتأمين السفر، وتسهيل الإمداد، وتأمين الممرات الحدودية. وفي بعض المناطق، يتيح ضعف الرقابة الحدودية أو هشاشة المؤسسات السياسية والقضائية نشوء بيئات أكثر ملاءمة للتعاون بين الشبكات الإجرامية والجماعات الإرهابية.

ومن هنا، فإن تحليل العقدة يجب أن يدرس الموارد التي تنقلها، والجهات التي تصل بينها، والوظيفة التي تؤديها في استمرار الشبكة. فقد تكون عقدة صغيرة الحجم، لكنها ضرورية لأنها تسيطر على مورد أو قناة لا تستطيع الشبكة الاستغناء عنها.

عاشراً: الصحفي كعقدة داخلية داعمة

تبلغ هذه العملية ذروتها عندما يصبح دور الصحفي المتعاون جزءاً من البنية الوظيفية للشبكة. وهذا ما توضحه Figure 5، حيث يظهر الصحفي بوصفه Internal / Supporting Node، أي عقدة داخلية أو داعمة.

في هذا المستوى، لا يعود الصحفي مجرد وسيط خارجي للمعلومات، بل يصبح جزءاً من آلية عمل الشبكة ذاتها. وقد يتجلى ذلك من خلال نقل معلومات بين الفاعلين، أو تسهيل التنسيق، أو استثمار صفته المهنية لتوفير حماية رمزية أو تقليل الشبهات، أو الإسهام في تمرير روايات تخدم مصالح الشبكة.

ومن منظور تحليل الشبكات، فإن هذا التحول يعني انتقال الصحفي من موقع الواجهة (interface node) إلى موقع المشاركة (participating/internal node). أي إن دوره لم يعد مرتبطاً بالمراقبة أو التفسير، بل أصبح مرتبطاً بالمساهمة في الأداء الداخلي للشبكة.

ولا يعني وصف الصحفي بأنه عقدة داخلية داعمة أنه أصبح بالضرورة قائداً أو عضواً رسمياً. فقد يحتفظ بموقع هامشي أو مستقل شكلياً، لكنه يؤدي وظيفة لا يمكن للشبكة أن تؤديها بسهولة بدونه. ولذلك، فإن أهمية العقدة لا تقاس فقط بدرجة قربها من القيادة، بل بمدى اعتماد الشبكة على الوظيفة التي توفرها.

الحادي عشر: مؤشرات انتقال الصحفي إلى عقدة داعمة

يمكن تحديد انتقال الصحفي من العقدة المعلوماتية الخارجية إلى العقدة الداعمة من خلال مجموعة من المؤشرات التحليلية:

المؤشر العقدة الخارجية العقدة الداخلية الداعمة
طبيعة الاتصال جمع معلومات ومقابلات اتصال تشغيلي أو تنسيقي
اتجاه المنفعة الجمهور أو المؤسسة الإعلامية الشبكة أو أحد أطرافها
الاستقلالية استقلال مهني وتحليلي خضوع جزئي أو كامل لاحتياجات الشبكة
نوع المعلومات معلومات قابلة للتحقق والنشر معلومات حساسة أو تشغيلية
الاستمرارية اتصال مهني مرتبط بالتحقيق علاقة منتظمة تخدم الشبكة
الوظيفة الرصد والتوثيق والتحليل النقل والتسهيل والحماية
الموقع الشبكي خارج البنية التشغيلية داخل البنية الوظيفية أو على هامشها

ولا ينبغي استخدام هذه المؤشرات بطريقة آلية. فقد يتواصل الصحفي بصورة منتظمة مع مصدر معين بسبب تحقيق طويل الأمد، دون أن يعني ذلك وجود تعاون. كما قد يحتفظ الصحفي بمعلومات سرية لحماية مصدره، وهو أمر يختلف عن نقل معلومات لمساعدة شبكة على تنفيذ جريمة أو تجنب الملاحقة.

الثاني عشر: البعد المؤسسي وفق UNODC

لا يقتصر منظور UNODC على تحليل الأفراد والجماعات، بل يشدد أيضاً على ضرورة بناء استجابة مؤسسية متكاملة لمواجهة الروابط بين الجريمة والإرهاب. وتشمل هذه الاستجابة تعزيز تبادل المعلومات، والتنسيق الاستخباراتي، وأمن الحدود، والتعاون القضائي، والتحقيقات المالية، وتطوير الأطر القانونية الوطنية.unodc

ويكتسب هذا البعد أهمية خاصة لأن العقد الداعمة قد لا تكون ظاهرة في الهياكل القيادية. فقد تكون موجودة في مسارات التمويل، أو في شبكات النقل، أو في الشركات الواجهة، أو في قنوات الاتصالات، أو في العلاقات العابرة للحدود. ولذلك، فإن التحقيق في هذه الشبكات لا ينبغي أن يركز فقط على المنفذين المباشرين، بل يجب أن يتتبع أيضاً الوسطاء ومقدمي الخدمات والجهات التي تجعل النشاط ممكناً ومستمراً.

كما يولي UNODC أهمية لمكافحة تمويل الإرهاب، بما في ذلك تجريم تمويل الأعمال الإرهابية، وتعزيز قدرة المؤسسات المالية على كشف المعاملات المشبوهة، والتحقيق في الجرائم المالية، واتخاذ تدابير مثل تجميد الأصول عندما تتوافر شروطها القانونية. 

ويساعد ذلك على توسيع تحليل العقدة من المجال الاتصالي إلى المجال المالي، بحيث تصبح العلاقة بين الفاعلين قابلة للدراسة عبر حركة الأموال والموارد، لا عبر الخطاب والاتصالات فقط. وقد تكون العقدة الإعلامية مرتبطة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بهذه المسارات من خلال جمع التبرعات، أو الترويج، أو توفير واجهة اجتماعية أو مهنية.

الثالث عشر: تعريف الجماعة الإجرامية المنظمة وفق UNODC

تضيف اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية بعداً قانونياً مهماً إلى هذا التحليل. فالبرتوكول أو الاتفاقية لا يقدمان تعريفاً جامداً للجريمة المنظمة، بل يحددان مفهوم الجماعة الإجرامية المنظمة من خلال مجموعة من المعايير.

وتُعرّف الجماعة الإجرامية المنظمة بأنها جماعة مهيكلة من ثلاثة أشخاص أو أكثر، موجودة لفترة من الزمن، وتعمل بصورة مترابطة   بهدف ارتكاب جريمة خطيرة أو أكثر للحصول، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على منفعة مالية أو مادية. 

وتتضمن هذه الصياغة عناصر أساسية، هي:

  • وجود ثلاثة أشخاص أو أكثر.

  • وجود قدر من التنظيم أو البنية، ولو لم يكن رسمياً.

  • استمرار الجماعة لفترة من الزمن.

  • العمل المشترك أو المنسق.

  • السعي إلى ارتكاب جريمة خطيرة أو أكثر.

  • تحقيق منفعة مالية أو مادية مباشرة أو غير مباشرة.

وتفيد هذه المعايير في تحليل العقدة لأنها توضح أن الانتماء إلى شبكة إجرامية لا يتطلب بالضرورة عضوية رسمية أو رتبة معلنة. فقد يكون الشخص جزءاً من البنية الوظيفية بسبب الخدمات التي يقدمها، حتى لو لم يظهر في هيكل القيادة. وفي المقابل، فإن مجرد التواصل مع أفراد الجماعة لا يكفي وحده لإثبات المشاركة فيها.

الرابع عشر: البعد القانوني والعقوبات في إطار القانون الدولي

يثير هذا التحول بُعداً قانونياً مهماً. فمن الضروري التمييز بين العمل الصحفي المشروع وبين التعاون المتعمد مع شبكة إرهابية أو إجرامية. فالصحافة في حد ذاتها ليست فعلاً مُجرَّماً، ولا تُعد سبباً للعقوبات بمجرد الاتصال بالمصادر أو جمع المعلومات. غير أن الوضع يختلف عندما يصبح الصحفي مشاركاً عن علم في تسهيل أعمال الشبكة أو دعمها.

وفي هذا السياق، توضح Figure 5 جانباً من النتائج القانونية المحتملة، خصوصاً في إطار أنظمة العقوبات التابعة للأمم المتحدة. فقد تتضمن هذه الأنظمة، بحسب حالة الإدراج وطبيعة السلوك، تدابير مثل:

  • تجميد الأصول (Asset Freeze).

  • حظر السفر (Travel Ban).

  • حظر الأسلحة (Arms Embargo).

  • منع تقديم الأموال أو الخدمات للأشخاص أو الكيانات المرتبطة بالأعمال الإرهابية.

  • الملاحقة الوطنية من قبل الدول الأعضاء وفق قوانينها الداخلية.

ويستند هذا الإطار، بصورة عامة، إلى قرارات مجلس الأمن الخاصة بمكافحة الإرهاب، ولا سيما القرار 1373 (2001)، إضافة إلى أنظمة العقوبات الخاصة ببعض التنظيمات المدرجة، مثل نظام العقوبات المتعلق بـ ISIL (Da’esh) and Al‑Qaida.

غير أن هذه التدابير لا تطبق بصورة آلية على كل شخص يتواصل مع جماعة إرهابية أو إجرامية. فالمسؤولية القانونية تتطلب تحديد السلوك المثبت، ودرجة العلم والقصد، وطبيعة المساعدة، ووجود صلة بين الفعل والنتيجة غير المشروعة. ولذلك، يجب التمييز بين التقييم الشبكي الذي يصف موقع الفرد، والتقييم الجنائي الذي يحدد ما إذا كان سلوكه يستوفي عناصر جريمة معينة.

وبالتالي، فإن الخطر القانوني لا ينشأ من صفة “الصحفي” بحد ذاتها، بل من السلوك الفعلي الذي يحول هذه الصفة إلى أداة للمساهمة في نشاط الشبكة أو تسهيله.

الخامس عشر: الفرق بين التحليل الشبكي والمسؤولية الجنائية

قد يكشف تحليل الشبكات وجود علاقة أو اتصال أو منفعة متبادلة، لكنه لا يثبت وحده المسؤولية الجنائية لفرد معين. فالمسؤولية الجنائية تتطلب إثبات عناصر قانونية محددة، مثل العلم، والقصد، وطبيعة المساعدة، ووجود علاقة سببية بين السلوك والنتيجة.

وعلى سبيل المثال، قد يظهر الصحفي في شبكة اتصالات تضم أفراداً من جماعة إجرامية بسبب إجرائه مقابلات معهم. لكن هذا الظهور لا يعني أنه يشارك في الشبكة. وفي المقابل، إذا ثبت أنه كان ينقل معلومات تشغيلية تساعد أعضاءها على تفادي الملاحقة، أو ينسق بينهم، أو يستخدم صفته المهنية لتوفير غطاء متعمد، فقد يختلف التقييم القانوني.

ويجب كذلك مراعاة مبدأ التناسب وعدم تحويل المؤشرات الاحتمالية إلى أحكام قطعية. فوجود علاقة، أو تلقي اتصال، أو نشر مادة إعلامية، أو الاحتفاظ بسرية مصدر صحفي، لا يشكل وحده دليلاً على التعاون الإجرامي أو الإرهابي. ويظل التقييم مرتبطاً بالسياق والأدلة والقانون المختص.

خاتمة

يتبين من خلال هذا التسلسل أن الصور الخمس لا تمثل موضوعات منفصلة، بل تشكل سلسلة تحليلية متدرجة لفهم موقع الصحفي داخل شبكة الجريمة والإرهاب. تبدأ هذه السلسلة بتحديد مفهوم العقدة داخل الشبكة (Figure 1)، ثم توضيح وظائفها الأساسية (Figure 2)، وبعد ذلك تطبيق المفهوم على الصحفي بوصفه عقدة معلومات خارجية (Figure 3). ثم تُظهر نقطة التحول التي يقع فيها الصحفي عند الانتقال من المراقبة إلى التعاون (Figure 4)، وصولاً إلى المرحلة التي يصبح فيها عقدة داخلية داعمة، مع ما قد يترتب على ذلك من نتائج قانونية (Figure 5).

وتضيف مقاربة UNODC إلى هذا التحليل أن العلاقة بين الجريمة والإرهاب ليست ثابتة أو موحدة، بل قد تتدرج من الاتصال المحدود إلى التعاون والتكافل والتحول أو التداخل. وقد تقوم هذه العلاقة على دوافع مالية أو لوجستية أو تشغيلية أو سياسية أو أيديولوجية. ولذلك، فإن فهم موقع أي فاعل يتطلب دراسة الوظيفة التي يؤديها داخل العلاقة، وليس الاكتفاء بهويته أو صفته المعلنة.

وعليه، فإن الفكرة المركزية التي يقدمها هذا التحليل هي أن الاتصال بالشبكة لا يساوي الانتماء إليها، وإنما الذي يحدد موقع الفرد داخلها هو طبيعة دوره، ووظيفته، وسلوكه العملي. فالصحفي قد يبقى مراقباً خارجياً ما دام يمارس دوره المهني في جمع المعلومات وتحليلها ونشرها، لكنه قد يتحول – في حال التعاون الواعي والفعلي – إلى عنصر وظيفي داخل الشبكة، بما يغيّر موقعه التحليلي والقانوني على حد سواء.

وتؤكد هذه النتيجة أن الوصول إلى المعلومات لا يساوي المشاركة، وأن الاتصال المهني لا يساوي التواطؤ. غير أن الوظيفة العملية والوعي والاستمرارية قد تحول الفاعل من مراقب خارجي إلى عنصر مساعد داخل الشبكة. ومن ثم، ينبغي تقييم موقع الصحفي على أساس سلوكه الفعلي، والغرض من اتصالاته، والمنفعة التي تنتجها أفعاله، مع التمييز الدائم بين العمل الصحفي المشروع والتعاون المتعمد مع نشاط إجرامي أو إرهابي.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من المخدرات إلى الأصول الرقمية: النيابة العامة التمييزية تعيد هندسة الأمن المالي اللبناني

لم تعد معركة مكافحة تبييض الأموال في لبنان مجرد ملاحقات قضائية تقليدية، بل تحولت إلى …