سيكولوجيا التشييء: “ضحايا نظرة البطل” وانكسار الرجولة في “حارس الموتى”

في عتمة “البرّاد” وفوضى الحرب، لا يقدم جورج يرق في “حارس الموتى” مجرد سردٍ للوقائع، بل يفتح مشرحةً للنفس البشرية، وتحديداً لوعيٍ ذكوريٍ مأزومٍ يجد في “الجسد الأنثوي” ساحةً أخيرةً لممارسة سلطته المفقودة. الجسد الحيّ يثير رعبه: امراة تتحرك وتسيطر عليه! بمعنى انها تتمرس السيطرة على جسدها وتختار له: بين روحها وجسدها لا طرف ثالث: وهذا الرجل، البطل في الرواية يريد ان يكون الطرف الثالث الذي يقتل الجسد يفصل الروح…. ويكون حارس… ثم يرميها في مزبلة التاريخ بعد ان يحولها لتلك العاهرة المومس الذي يقول لها مع كل نشوة: انت مومس … دون ان يساءل عن السبب. فالسبب الاكبر: الحرب. انها الماكرو الاقتصاد الكلي الذي يتحكم بجسد مطحون تاكل منه وتاكل فيه وتطعم جسدها لرجل يفتح البراد وهو رحمها الذي اصبح كالبراد …. وهو يحرس الموتى به: الجنين الميت ! اي نفسه نفسه ليس اكثر.  إن الشخصيات النسائية في الرواية – من الراهبة إلى المتمردة – لسن سوى “ضحايا لنظرة البطل”؛ ضحايا لعينٍ لا ترى في الإنسان إلا مادةً للتحليل، أو جسداً يجب تدجينه وتجريده من قدسيته.

انكسار الرجل أمام الجسد: بين الرغبة والرهبة
تتجلى “حقيقة انكسار الرجل” في الرواية في عجز البطل عن مواجهة الأنوثة بوصفها كائناً مساوياً أو متعالياً. إن وقوفه أمام الجسد الأنثوي ليس وقوفَ عاشقٍ أو محب، بل هو وقوفُ “عاجزٍ” يرتجفُ أمام شيءٍ لا يمتلكه. هو لا يرى “الراهبة” كإنسانة تعبدُ أو تعمل، بل يرى فيها “الرئيسة” التي تهزُّ كيانه، فيحاول تحويلها في مخيلته إلى “جسدٍ” يسهل السيطرة عليه. هذا الانكسار الرجولي هو المحرك الأساسي لكل أفعاله؛ فهو يحتاج إلى تشييء المرأة (تحويلها إلى أداة) لكي لا يشعر بأنه ذرةٌ تائهةٌ في عالمٍ يطحنه الموت.

الجسد بين القداسة والمصلحة: لماذا يرفض البطل القدسية؟
يمتلك الجسد الأنثوي في الرواية هالةً من “القدسية” بحكم الطبيعة أو المهنة (كالراهبة)، لكن البطل يرفض هذه القدسية بكل ضراوة. لماذا؟ لأن القدسية تتطلب “احتراماً” و”مسافة”، وهما أمران يهددان “أناه” المتهالكة. البطل لا يريد للمرأة أن تكون مقدسة، لأنه إذا آمن بقدسيتها، سيعترف بضعفه أمامها. هو يريدها “أداةً”، يريدها شيئاً (Object) يمكنه لمسه، فتحه، تشريحه، أو حتى إهانته. إن كرهه للقدسية هو كرهٌ للحقيقة التي تذكره بأنه ليس “سيد العالم”، بل مجرد ترسٍ في آلة الحرب.

المكانة الجندرية: الرجل المحافظ ضد المرأة المتمردة
تنبع نظرة التعالي التي يمارسها البطل من صراعٍ جندريٍ كلاسيكي بين “الرجل المحافظ” الذي يريد للمرأة أن تبقى في خانة الطاعة أو السقوط، و”المرأة المتمردة” التي ترفض هذا التصنيف. البطل ينظر للمرأة التي تخرج عن الدور التقليدي (بتمردها أو بجرأتها) بنوعٍ من الازدراء الدفاعي؛ فهو يُسقِط عليها كل نقيصة ليحمي معاييره الذكورية من الانهيار. عندما يتسامى عليها أو يحتقرها، هو لا يمارس حقيقةً أخلاقية، بل يمارس “ميكانزم دفاع نفسي”؛ فاحتقار المرأة هو الوسيلة الوحيدة ليؤكد لنفسه أنه لا يزال يمتلك سلطةً ما في عالمٍ فقد فيه كل شيء.

السيطرة كأداة بقاء وجودي
في عالمٍ لا يملك فيه البطل حق تقرير مصيره، حيث تُفرض عليه الحربُ أدواراً لا يريدها، اتخذ قراراً أخطر: “أن يقرر مصير صورة المرأة في عقله”. إذا لم يستطع إنقاذ نفسه من فوضى الحرب، فإنه سيقوم “بهندسة” صورة المرأة لتكون خاضعة، مكشوفة، أو مبتذلة داخل ذهنه. إن “التدعير” الذهني هنا هو طوق النجاة الوهمي له؛ فهو يرى في المرأة أداةً للبقاء، ليس لأنها توفر له شيئاً مادياً، بل لأنها توفر له “الانتصار النفسي”.

خاتمة: إدانة المسخ لا المرأة
إن “حراس الموتى” هي وثيقة تشريحية لهذا الانكسار الذكوري. إن ما يراه القارئ من “تشييء” للنساء ليس حقيقة هذه الشخصيات، بل هو “حقيقة المرض” الذي أصاب بطل الرواية. فالمرأة في هذا النص هي الأيقونة التي حاول الراوي تلطيخها بالقذارة ليخفي وجهه الملطخ بالعار والخوف. إن تحرير المرأة في النص يتطلب منا – كقراء – أن نرى الشخصيات النسائية بعيداً عن “عدسة الراوي” المشروخة، وأن ندرك أن تلك النظرة الاستعلائية ليست إلا صرخة ألمٍ لرجلٍ خسر إنسانيته في الحرب، فقرر أن يسحب كل العالم معه إلى قاع المشرحة.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …