سوسيولوجيا العبور: “المنشق طبقياً” بين سردية الذات ومصيدة المدرسة

ريتا بولس، 

شهوان 

أحد أكثر الظواهر تعقيداً في المشهد الثقافي والاجتماعي الفرنسي المعاصر. فبينما كان المصطلح في أصله سوسيولوجياً بحتاً، تحول في العقد الأخير إلى “جنس أدبي” يهيمن على رفوف المكتبات والجدل الإعلامي. هذا التحول ليس مجرد تغير في التسمية، بل هو إعادة صياغة لتجربة العبور الطبقي من زاوية الشعور، الذاكرة، واللغة، مع المدرسة كلاعب أساسي ومثير للجدل في هذا العبور.

المدرسة: الفردوس المفقود والعنف الرمزي

في المقابلة التي أجريت مع الباحثة لايليا فيرون ضمن برنامج “School TV”، اتضح أن المدرسة ليست مجرد مؤسسة تعليمية في سرديات المنشقين، بل هي “مرحلة مركزية” وتناقضية في آن واحد. توضح فيرون أن المدرسة تمثل للفرد في بيئته الأصلية “الاكتشاف الأول لعالم جديد”، وهي البوابة الوحيدة الممكنة للتحرر والانعتاق.

ولكن، من منظور سوسيولوجي (متأثراً ببيير بورديو)، تتحول المدرسة إلى ساحة لـ “العنف الرمزي”. فالطالب الذي يأتي من وسط شعبي يكتشف فجأة أن لغته، ذائقته، ورموزه الثقافية لا قيمة لها في المعيار المدرسي، مما يخلق حالة من “سوء الفهم العميق” حول وعود المدرسة الجمهورية بالإنصاف. فالمدرسة هنا هي “المكان الذي يمنح الإذن بالنجاح، وفي الوقت نفسه، المكان الذي يضع الحواجز أمام هذا النجاح” عبر فرض معايير ثقافية لا يمتلكها إلا أبناء الطبقة البرجوازية.

مفارقة “الميريتوقراطية”: هل نصدق المدرسة؟

تشير فيرون في حوارها إلى أن أدب المنشقين طبقياً يعاني من “انفصام معرفي” تجاه المدرسة. فمعظم هؤلاء الكتّاب (مثل إدوار لوي أو آني إيرنو) يتبنون خطاباً مناهضاً للميريتوقراطية (الاستحقاق) ويؤكدون أن النجاح المدرسي مرتبط “برأس المال الثقافي الموروث” وليس بالجهد الفردي. ومع ذلك، فإن نجاحهم الشخصي وتصدرهم للمشهد الأدبي يضعهم في حالة تناقض؛ فهم يقدمون أنفسهم كأمثلة حية على أن “المصعد الاجتماعي” يعمل، بينما يصرون في نصوصهم على أن هذا المصعد “معطل” للآخرين.

هذا التناقض يغذي السردية الأدبية بالدراما: فالكاتب يجد نفسه في وضع “الاستثناء المزعج”؛ فهو يعلم أن مساره ليس القاعدة، بل هو استثناء يؤكد القاعدة الظالمة، وهذا ما يفسر طغيان مشاعر الخزي والذنب في هذه الروايات.

اللغة كجبهة قتال

المدرسة، في نظر فيرون، هي التي تصيغ “اللغة المهيمنة” التي يسعى المنشق طبقياً لاكتسابها، لكنه لا يكتسبها أبداً بشكل كامل. إن الصراع حول “الاستخدام الصحيح للغة” في المدرسة هو جوهر المعاناة؛ فالمنشق يظل عالقاً في “اللغة الوسطى”. فهو يرفض لغة أهله (اللغة الشعبية) لأنه يراها مرتبطة بـ “الدونية”، لكنه في الوقت ذاته لا يشعر بأنه “أصيل” في اللغة التي فرضتها عليه المدرسة (اللغة الأكاديمية). هذا التمزق اللغوي هو الذي يفسر لجوء كتّاب مثل آني إيرنو إلى “الكتابة المسطحة” (Écriture plate)، فهي محاولة للهروب من فخ “لغة المدرسة المتعالية” ومن “لغة الأهل المقهورة” في آن واحد.

العرق والطبقة: فجوة لم تغطها المدرسة

تتفق التحليلات الأكاديمية (ماديسون سومنر) مع ما يطرحه النقد الإعلامي (لايليا فيرون) على أن مفهوم “المنشق طبقياً” يواجه أزمة تصنيف حين يتعلق الأمر بـ “العرق”. فالمدرسة في فرنسا، وفقاً لمبادئها الجمهورية العالمية، تتجاهل الفوارق العرقية، مما يدفع السرديات الأدبية التي تتناولها المدرسة إلى التركيز حصراً على “الطبقة”. ترى كوثر حرشي ونقاد آخرون أن هذا “العمى المدرسي” عن أبعاد العرق هو ما يجعل أدب المنشقين طبقياً يبدو أحياناً كأدب “أبيض” يختزل أزمات الهوية في الصراع المادي، متجاهلاً أن “أبناء المهاجرين” في الضواحي يعيشون في المدرسة صراعاً مزدوجاً: صراع طبقي وصراع إقصاء عرقي لا تعترف به المؤسسة التربوية.

الخاتمة: نحو رؤية أكثر نضجاً

إن “المنشق طبقياً” اليوم، من خلال المدرسة والأدب، ليس مجرد قصة نجاح ملهمة. إنه تجسيد حي لتاريخ طويل من التناقضات التعليمية والاجتماعية. وكما تشير لايليا فيرون، فإن المهمة القادمة ليست في الكتابة عن “المسار الشخصي” فحسب، بل في امتلاك “مسافة نقدية” تسمح لنا برؤية المدرسة لا كخلاص فردي، بل كبنية تحتاج إلى مراجعة شاملة لتعترف بأن الفوارق لا تقتصر على الثقافة، بل تمتد لتشمل الجغرافيا والعرق والتاريخ. إن سرديات المنشقين، رغم كل شيء، تظل “مرايا متصدعة” تكشف لنا بوضوح أن الطريق من القاع إلى القمة ما زال محفوفاً بالخسارات الهوية.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …