شعلةٌ ناجي شرفان لا تنطفئ : كيف يعيد الإنسان صياغة وجوده من رماد الألم؟

في عالمٍ يعبث بالبشر، وفي لحظةٍ عابرة قد تحول ألوان الحياة إلى رماد، وُلد ناجي شرفان من جديد؛ ليس بمفهوم الولادة البيولوجية، بل بمفهوم الانبعاث الروحي. بدأ رحلته بكتابه “Virtual Patience” الذي يمثل الجانب الأكثر توثيقاً وواقعية لصدمته؛ حيث يفتح ناجي أبواب ذاكرته المغلقة ليروي تفاصيل الحادث الذي قسم حياته إلى ما قبل وما بعد، مروراً بغيبوبته ورحلة تأهيله الشاقة، وصولاً إلى كتابه “Little Book of Inspirational Thoughts & Writing” الذي دوّن فيه حكمته، وانتهاءً بـ “Virtuous Life Enlightenment” الذي جعل من تجربته لوحةً فنية.

حين يتحدث ناجي عن حياته، فإنه يتحدث عن طفلين سكنا جسداً واحداً؛ الطفل الأول هو الذي جاء إلى العالم في نوفمبر 1978، والطفل الثاني هو ذلك الرجل الذي استيقظ من غيبوبته ليجد نفسه في عالم غريب، حيث الحواس معطلة والجسد سجين الصمت. المدهش في نفسية ناجي أنه لم يغرق في مرارة البالغين، بل احتفظ بتلك الرهافة المذهلة، وبنظرة المبتدئ الذي يرى في استعادة حركة إصبعٍ واحدٍ معجزةً إلهية تستحق الاحتفال. هو ذلك الإنسان الذي لم يترك الألم يغتال دهشته، بل حول الصدمة إلى رحلة استكشاف.

في كتابه “Virtual Patience”، يكشف ناجي عن صدامه المرير مع العالم؛ هو الذي كان يوماً الفتى المنطلق، وجد نفسه فجأة في جسدٍ متمرد لا يستجيب للأوامر، وسط مجتمعٍ لا يرى في إصابات الرأس إلا أرقاماً طبية أو عجزاً ظاهرياً. يكتب ناجي بمرارة شفافة عن نظرات الناس، وعن الصعوبة البالغة في محاولة التفاعل مع العالم الذي يرى فقط ما يريد رؤيته. يحكي بصدق مؤلم عن تلك اللحظات التي يحاول فيها القيام بأبسط الأمور، فيسارع شخصٌ غريب ليقوم بها عنه؛ تبدو اللفتة طيبة، لكنها في نفس ناجي تجرحُ كبرياء الرجل الذي يتحدث ست لغات ويحاول فقط أن يثبت أنه لا يزال حياً. ناجي يضعنا أمام واقع المصابين بإصابات الدماغ؛ أولئك الذين يحملون عجزاً خفياً لا يراه الناس، فيُعاملون كأطفال، بينما هم يصارعون في دواخلهم لاستعادة ذواتهم. هو يصور كيف كان يسبح بين عالمين: عالم ذكرياته عن قوته، وواقع جسده الذي يخذله، وسط ضجيج أحكام الآخرين المتسرعة.

إذا قرأنا ما بين سطور كتاباته، سنجد أن ناجي لا يكتبُ تنظيراً، بل يكتبُ أدعيةً للنجاة. خلف كلماته عن اتخاذ القرار وإدارة الوقت، يختبئ ألمٌ صامت؛ فهو يكتب عن ضرورة وجود مساحة خاصة بين البشر، وهي دعوةٌ لم تكن ترفاً فكرياً، بل كانت صرخة من أجل الاستقلال لمن فقد السيطرة على أبسط حركات جسده. إنه يتحدث عن الزمن كأنه وهمٌ ابتكره البشر ليركضوا خلفه، وهو الذي كان سجيناً لغيبوبة توقف فيها الزمن بالنسبة له، لكنه استمر بالنسبة للعالم.

في أعماله اللاحقة، اختار ناجي الرسم الكرتوني ليكون جسره نحو القارئ، محاولاً إيصال رسالة بأن الألم لا يجب أن يكون أسود. هو يجسد معاناته كأنها لعبة، لا استخفافاً بها، بل ترفّعاً عن ثقلها، محولاً وجع المستشفيات إلى مساحة للضوء. إنه يقدم للعالم نموذجاً لكيفية تحويل الشفقة إلى إلهام. ناجي هو ذاك الإنسان الذي يمتلك رهافة استثنائية تجاه معنى الوجود؛ هو لا يكتب عن الأجهزة الطبية، بل يكتب عن حوار الأرواح مع الألم. هو الذي تعلم أن الكمال لا يعني القوة البدنية المطلقة، بل يعني قدرة العقل على التكيف والمحبة.

ناجي شرفان لم يدّعِ المثالية، بل كان صريحاً في مواجهة صراعاته مع الأنا، وفي حربه مع نظرة الناس، وفي لحظات الغضب التي أعقبت عجزه. إنه يمثل الإنسان الذي قرر أن يرقص على طريق الآخرين دون أن يتنازل عن تفرده. هو ذلك الرهيف الذي اكتشف أن أعظم انتصارات البشر ليست في الوصول إلى قمة الجبل، بل في امتلاك الشجاعة للبدء بخطوة واحدة، حتى لو كانت تلك الخطوة تعثراً في نظر العالم، لكنها معجزة في نظر الروح. في نهاية الرحلة، يعلمنا ناجي أن الاستنارة ليست حكراً على الرهبان، بل هي متوفرة لكل من يملك قلباً مفتوحاً وروحاً طفولية قادرة على رؤية النور في قلب الظلام. ناجي شرفان ليس مجرد ناجٍ من حادث، هو دليلنا الحي على أننا جميعاً نمتلك إعاقة ما، وأن شفاءنا الحقيقي يبدأ حين نتوقف عن لوم العالم على عدم فهمه لنا، ونبدأ في الإمساك بشبكة الأمل لنصطاد معجزاتنا اليومية، مدركين في النهاية، كما يقول هو، أننا جميعاً وُلدنا لنضيء.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …