من رقصة الخصر إلى صحافة الفكر: كيف تنجو الصحافة اللبنانية من أزمتها؟

الاستمرار في تناول الإعلام في لبنان، كـ”رقصة خصر” لا يخدم القطاع، بل يعكس حالة من الضياع تحتاج إلى حلول عملية. إذا ركزت المؤسسات الصحفية على الابتكار، والجودة، واحترام الجمهور، يمكنها الخروج من الأزمة الحالية كقطاع قوي ومستدام، بدلاً من أن تكون “عرضًا فكريًا راقصًا” بلا جمهور، الرقص لمحبي الخليج والفكر للخامنئي مثلا؟

في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة في لبنان، تحتاج الصحافة إلى إعادة النظر في دورها ونموذج عملها بعيدًا عن الجدل السياسي الضيق والاستقطاب الذي لا يجذب سوى جمهور محدود. فالتركيز على مهاجمة المنافسين أو تسطيح القضايا لا يخدم القطاع ولا يقدم حلولاً لأزماته. الصحافة بحاجة إلى نموذج أعمال مستدام جديد خارج اطار “الاتحاد السوفيتي” او نظرة ان الصحافة ميدان “حرب”. الصحافة في العالم أصبحت متلازمة لحقوق الانسان، يا جماعة الخير!  وهذا يحتاج الى أبحاث، كل القطاع بحاجة لابحاث مكلفة! لا يمكن لوسيلة واحدة انتاجها!

المضمون هو الملك، لذا من هذا المنطلق يجب تصحيح العلاقة مع الجمهور والابتعاد عن لغة التلاعب بالمشاعر.

على الصحافة أيضًا الابتعاد عن الصراعات الضيقة والتعاون بدلاً من التنافس السام، من خلال تشكيل تحالفات إعلامية ومهنية للتغلب على التحديات المشتركة. وفي الوقت نفسه، يمكن التوجه نحو العالمية بتقديم محتوى يعكس القضايا المحلية بمنظور أوسع لجذب جمهور عربي ودولي.

إن تقديم الصحافة كأداة لبناء وعي مجتمعي واحترام ذوق الجمهور بدلاً من احتقاره، هو الطريق الوحيد للخروج من حالة “رقصة الخصر الفكرية” إلى دور حقيقي كمرآة للمجتمع وأداة للتغيير الإيجابي.

هكذا ترسم  صحيفة “الأخبار” اللبنانية  صورة “نداء الوطن” كانها عبارة عن “راقصة” أو مغنية، تحتاج الى “شيخ وخوري” لضبط ايقاعها، لتصبح قادرة على ان تروج في الخليج. التعامل مع المسائل الإعلامية بهذه التفاهة يظهر ان الصحيفة لا تتعامل مع القطاع كانه على أبواب ازمة، ويحتاج الى حل جذري ليبني نموذج اعمال مستدام، يتكل اكثر من الحملات، ليحصد مدخولا تجارياً.

لنبدأ أولًا بالتعامل المتعالي لصحيفة “الأخبار” مع “نداء الوطن”، حيث تُقدم “الاخبار” نفسها كانها “ضابط الثقافة “الماركسي” ولكن من وجهة نظر “المرشد” خامنئي، بل والأكثر غرابة، أنها هي نفسها بذلك كالخامنئي نفسه بلا منهج ولا أسس ولا مرجعية! يبدو أن صحيفة “الأخبار” توقعت أن نداء الوطن هي مدرسة فكرية قائمة على غياب المبادئ، وبالتأكيد سعت “الأخبار” جاهدة لإثبات أن كل فكر غير متوافق مع طروحاتها هو مجرد فوضى في أفكار، محاولين بهذا التوصيف أن يظهروها كـ”صوت بلا ضوء”. فيها كلمات متقاطعة، صفحة فنية على ثقافية توزع كبطاقات اعراس كما وصفتها، ومقالات تحمل اسماءا رنانة دون مضمون. باعتبار ان هذا هو زمن المضمون. مسخّفة بذلك القارئ اللبناني! باعتبار انه في الوسط الصحافي هناك اعتبار ان اكثر ما يباع في المجال هم الصحف التي فيها قسم الكلمات المتقاطعة والابراج، وفن، فلنعد السؤال عن دور الصحافة أساسا؟

ولنقفز معًا إلى الجزء الأكثر فكاهة في هذه الصورة، حيث تُصر “الأخبار” على وضع “نداء الوطن” في خانة “التافهة”. لكن المفاجأة تأتي هنا عندما نكتشف أن “نداء الوطن” متهمة بأنها مجرد تابعة لمفهوم الخليج، كأن الصحيفة ولدت في بيئة خليجية، هل لديكم دراسة لما تحبه بيئة الخليج “اعلامياً”! ونحن هنا نتساءل عن مصدر هذه الفكرة الغريبة، فمن أين جاءت هذه النظرية المدهشة؟ هل الخليج هو المسؤول عن “سطحية” الأمور في الصحافة اللبنانية؟ أم أن هذا تعبير عن أن كل ما هو خليجي يجب أن يكون في خانة “السطحية”؟

وما يزيد من سخرية الصورة، هو الإشارة إلى “نداء الوطن” مجرد تجارة ترويجية بلا هدف. هل يجب علينا أن نقيم صحافة على معايير بيع الصحف فقط؟ اليس هذا ما كان يفعله غسان سعود مع أصدقائه؟ ليقنع إبراهيم الأمين نفسه انه يجب ان يعتمده بالصفحات الأولى، بعد ان يسرق معلومات من زملاء المهنة، ويضعهم باسمه، او يعدل بهم بما يتناسب مبدئين: حرق اسمهم، تبييض سمعته امام الرئيس، الذي من الطبيعي ان تهمه نسبة المبيعات، فيتولى في المتن، شراء بنفسه كل اعداد المكتبات؟

هناك وصف خاص لصحيفة تقدمه بذلك “الاخبار” بلا وعي القارئ، هو أن “نداء الوطن” بمزلة “الراقصة” او على “الأكثر مغنية تحتاج الى الشيخ والخوري على رأسها فتصب في صالح ديناميكية صنعها الأمين منذ الازل، فيدير الصراع بشكل يؤمن المدخول الى بوطته. يبدو أن نداء الوطن لم تعد صحيفة، بل تحولت إلى عرض فني، حيث يتم ضبط “أوتار الخصر” بنظرهم! فإذا كانت الصحافة هي المرآة الحقيقية للمجتمع، فهل أصبح المجتمع اللبناني في حاجة إلى “رقص” فكري لتقبل آراء جديدة؟ قد يبدو هذا الفكاهة مسرحًا لاحتفالية فكرية قد لا يفهمها البعض!

إذا كان الصحفيون في “الأخبار” يظنون أن كل شيء من الخليج إلى الصحافة اللبنانية يجب أن يتبع نفس الإيقاع، فلعل الوقت قد حان لنتأمل في فهمنا للصحافة كفن، أو ربما هو مجرد رقصة نغرق فيها جميعًا.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

»أرماندو كورتشيو« الإيطالي يمنح جمال سند السويدي الدكتوراه الفخرية تقديراً لمسيرته الفكرية والعلمية

منح معهد »أرماندو كورتشيو« الأكاديمي الإيطالي (Istituto Armando Curcio)، يوم الاثنين 12 أكتوبر 2026، برئاسة …