يوم الوداع يوم العظمة والشهادة المباركة: الإعلام كأداة توسع واستدراج

هذا المقال مستوحى من رؤية نقدية تُسلط الضوء على الدور المزدوج للإعلام في دعم القوى السياسية عبر التبجيل والتشبيك، مما يؤدي إلى خلق سيناريوهات توسعية تُستخدم لاحقًا كأدوات ضغط واستغلال أمني وسياسي.

في المشهد الإعلامي اللبناني، يبرز خطاب دعائي متكرر يضفي طابعًا تقديسيًا على شخصيات وقوى سياسية معينة، ومن بينها حزب الله. هذا النمط من التغطية لا يقتصر على التأييد التقليدي، بل يتعداه إلى تصوير الحزب ككيان مقدس لا يُمس، مستخدمًا تعبيرات مثل “السيد الأقدس” و”القائد الأممي الأعظم” في وصف حسن نصرالله. ومع ذلك، خلف هذا الخطاب المتملق تكمن سياسة توسعية مدروسة تهدف إلى تحقيق مكاسب متبادلة بين الصحافة والحزب، مع إمكانية استدراجه لاحقًا إلى مواجهة أمنية وسياسية.

توسّع حزب الله عبر الصحافة: التشبيك كأداة هيمنة

تكمن خطورة هذا النوع من الخطاب في أنه يمنح حزب الله مساحة للتوسع داخل المشهد اللبناني عبر التشبيك مع وسائل الإعلام. فبدلًا من أن يكون الإعلام سلطة مستقلة قادرة على تقديم خطاب نقدي، يتحول إلى أداة بيد الحزب تساعده في:

  1. ترسيخ حضوره الشعبي والسياسي:
    الترويج لصورته كحركة مقاومة لا يمكن معارضتها، مما يعزز من مكانته داخل المجتمع اللبناني.

  2. تبرير أي تصعيد أمني أو عسكري:
    يُستخدم الخطاب التبجيلي لإضفاء طابع من الشرعية على أية تحركات قد تبدو عدائية أو استفزازية، بحيث يظهر الحزب كمظلومة تواجه محاولات الإطاحة بها.

  3. تحييد المعارضة الداخلية:
    من خلال تحويل أي نقد أو مقاومة إلى مسألة خيانة للقيم الوطنية أو المقاومة، مما يعزز من قدرة الحزب على السيطرة على الخطاب السياسي.

الابتزاز الإعلامي: من التبجيل إلى الفخ الأمني

تستند هذه الاستراتيجية الإعلامية إلى نموذج عالمي تمت تجربته في دول تنتشر فيها المافيا والأنظمة غير القانونية، حيث تتبنى بعض الصحف في البداية خطابًا متوددًا تجاه قوى الجريمة المنظمة. في البداية، تُظهر هذه الصحف دعمها وتبجيلها لهذه القوى كوسيلة لكسب ولاءها وتأمين علاقات استراتيجية، لكن مع الوقت يتم تحويل هذا التبجيل إلى أداة ابتزاز، حيث تُستخدم الصورة الإيجابية كذريعة لاستدراجها في مواجهة أمنية وسياسية لاحقة.

  • في إيطاليا، شهدت بعض الصحف المحلية تعاملًا مشابهًا مع نفوذ المافيا الصقلية؛ فقد تم تقديس رجال المافيا في بعض الفترات لتأمين دعم اقتصادي وسياسي، ثم تغيرت النظرة فجأة مع تصاعد الفوضى والأحداث الأمنية.

  • وفي المكسيك، استخدمت بعض وسائل الإعلام خطابًا متساهلًا مع كارتلات المخدرات، قبل أن يستغلها النظام الأمني كوسيلة للضغط وكشف التحركات غير القانونية، مما أدى إلى حملات أمنية واسعة النطاق.

هذا النموذج يُستعمل في لبنان بطريقة مشابهة؛ حيث يُمنح حزب الله مساحة للنمو والتوسع عبر خطاب تمجيدي، إلا أن الهدف الحقيقي يكمن في استدراجه لاحقًا نحو تصعيد أمني يمكن أن يؤثر سلبًا على الاستقرار في لبنان، مما يعود بالنفع ماديًا وسياسيًا على وسائل الإعلام التي تستثمر في خلق الأزمات.

النتيجة: علاقة منفعة متبادلة وخطيرة على الاستقرار

العلاقة بين حزب الله ووسائل الإعلام ليست علاقة ولاء بقدر ما هي علاقة منفعة متبادلة واستراتيجية. الصحف التي تتبنى خطاب التبجيل تمنح الحزب مساحة للتوسع داخل الواقع اللبناني عبر التشبيك الوثيق معه، مما يسهّل عليه توسيع نفوذه السياسي والأمني. وفي الوقت ذاته، تستغل هذه الوسائل الإعلامية الموقف لاحقًا كأداة ابتزاز، حيث يتم تحويل الدعم الإعلامي إلى ضغوط أمنية وسياسية تصب في مصلحة مصالحها المالية والإعلامية.

يبقى التساؤل قائمًا: هل يدرك حزب الله المخاطر المحتملة لهذا التشبيك الإعلامي الذي قد يُستخدم ضده لاحقًا؟ في حين أن هذه الاستراتيجية قد تُحقق مكاسب مؤقتة للطرفين، فإنها تشكل خطرًا كبيرًا على استقرار لبنان ككل، حيث يتحول الإعلام من سلطة رابعة مستقلة إلى شريك متلاعب في الديناميكيات الأمنية والسياسية التي تزعزع أمن الدولة.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …