تطهير المَقدس” في دبل: حين يلتقي “الفكر الجهادي” بـ”القومي السوري” لصلب المسيح من جذوره

في عمق الصراع الدائر في جنوب لبنان، وتحديداً في بلدة “دبل”، نحن لا نشهد مواجهة عسكرية فحسب، بل نشهد ما يمكن تسميته في أنثروبولوجيا الجريمة السياسية بـ “الطقس الأمني التطهيري” (قالت لكم هيفا وهبي (صديقة مديرة التحرير : انتو بطاطا هي ويدجي : ابراهيم الم يحن وقت ايقاف هذه المهزلة من غوسطا الان الى دبل؟) . هذا الطقس لا يهدف إلى طرد جندي إسرائيلي (أثبت الأهالي والمختار عدم وجوده في الكنيسة)، بل يهدف إلى “غسل” الفضاء المسيحي من احتمالاته التاريخية، وإعادة صياغته ضمن “قالب أيديولوجي” لا يقبل القسمة على اثنين.

1. “يسوع المقاوم”: محاولة بتر الجذور وتأميم المَقدس

يمارس حزب الله، عبر آلته الإعلامية (وعلى رأسها جريدة “الأخبار” – لم تكن بنسخة انسي كهذه النسخة المقرفة)، عملية “جراحة تجميلية” للتاريخ اللاهوتي. المنطلق هنا ليس مسيحياً، بل هو فكر “جهادي – قومي (سوري)” شمولي يرى في “الآخر” نجاسة (من يحدد النجاسة والطهارة؟) مطلقة يجب عزل المقدسات عنها .

  • عقدة الأصل والحل الأمني: في الوعي الباطن لهذا الفكر، يمثل “أصل المسيح اليهودي” وجغرافيته التاريخية (الناصرة، القدس، بيت لحم) معضلة أيديولوجية. وهنا يتقاطع الحزب مع الفكر القومي السوري الاجتماعي الذي يحاول “سَورنة” المسيح وتجريده من سياقه الكتابي لجعله “بطلاً قومياً” حصرياً.

  • الحماية بالبتر: يكمن الحل في “تجريد” المسيحية الجنوبية (هناك مختبر آخر فشل فشلا ذريعا بحرب نفسية مقيتة ستتكسر نصالها عندما ترى مديرة التحرير ذلك) من أي تماس -ولو بالخيال- مع هذا الأصل. ادعاء وجود إسرائيلي في كنيسة “دبل” هو “اختراع لتدنيس” يستوجب “تطهيراً”. الحزب لا يحمي الجدران، بل يحمي “نسخته المشوهة عن المسيح” من أي تذكير بجذوره؛ إنهم يريدون مسيحاً “مقطوعاً من شجرة”، وُلد في خندق، لا في مزودٍ ببيت لحم.

2. تقنية “التعذيب بالوصم”: الحصار النفسي كطقس عبور

ما تعرض له أبناء “دبل” هو تقنية تعذيب معنوي تندرج ضمن “سيكولوجية الإخضاع” (هل نزار صاغية اختفى؟ ):

  • الإشاعة كأداة تعذيب: عندما يروج الإعلام التابع للحزب لوجود صهاينة في الكنيسة، هو يضع 1770 نسمة في حالة “إعدام معنوي”. هذا هو “التعذيب بالانتظار”؛ انتظار الصاروخ الذي سيأتي “ليطهر” الكنيسة من رجس الإشاعة التي اختلقها المعذِّب نفسه.

  • تفكيك الهوية: يفرض هذا الطقس على المسيحي في الجنوب خياراً مرّاً: إما أن تكون “مسيحياً تحت مظلتنا” (بلا خصوصية، بلا صليب يعلو فوق البندقية)، أو أنك “مشروع عميل” حتى يثبت العكس. هذا “التعذيب الأبيض” يهدف لكسر الإرادة مقابل الحصول على “صك براءة” وطني.

3. “حصر الإرث” في القداسة وصرخة أنسي الحاج

في هذا الفكر المنغلق، القداسة هي “امتياز حصري”. لذا، فإن كنيسة “دبل” ليست بيتاً لله، بل هي “مربع أمني” يجب أن يخضع لمعايير “الولاء والبراء”. إن “اختراع” العدو داخل المذبح هو وسيلة لفرض “السيادة الأيديولوجية”؛ فإذا صدق الناس الإشاعة، شُرعن للحزب استباحة المكان وقصفه والسيطرة على قراره.

وهنا تنفجر صرخة الشاعر أنسي الحاج (1967) لتصفع هذا الزيف:

“نريد أن يعرفنا أحد ماذا نفعل، أين الحقّ، لماذا يضربوننا، ويكذبون علينا، ويجوّعوننا، ويبّشعون حياتنا، ويعهّرون الحياة من بابها إلى محرابها”.

في دبل، الكذب يمارسه الإعلام، والتبشيع يمارسه القصف الذي حاصر الأهالي. صرخة أنسي “يسوع المسيح احضر حالاً” هي نداء الـ 1770 صامداً الذين سئموا “تراتيل الانتصارات” التي تُعزف فوق أنقاض كرامتهم. لقد كشفنا أنسي منذ عقود: “نحن الكلاب أحوج إليك من أرباب المائدة لأن أرباب المائدة أكثر توحشاً من هؤلاء الكلاب”. “أرباب المائدة” اليوم هم من يوزعون شهادات الوطنية والعمالة بناءً على “سبق صحفي” مفبرك.

4. صراع “اللحم الحي” مع “السردية الجوفاء”

تقنية التعذيب التي يمارسها الحزب تكمن في “الإنكار الأنثروبولوجي”:

  • ينكر وجود الأهالي (يصور البلدة كمنطقة عسكرية خالية).

  • ينكر صدق نفي البلدية والمختار (الذي ظهر بالفيديو من قلب الكنيسة).

  • ينكر حقهم في الأمن (يحاصرهم بصواريخه بحجة حمايتهم).

هذا الإنكار هو جوهر “الجريمة”؛ إنه محو للإنسان لكي لا يتبقى في المشهد إلا “المقاوم” و”العدو”. أما “الإنسان” في دبل، فهو مجرد تفصيل مزعج يجب تدجينه أو وصمه.

  حمايةٌ أم “استلاب”؟

ما يقوم به حزب الله تجاه دبل هو “استلاب للمقدس”. هو يحاول انتزاع المسيح من سياقه الإنساني والتاريخي ليضعه في “غيتو” أيديولوجي. إنهم لا يحمون الكنيسة، بل يمارسون عليها “طقس الاستحواذ”. والتعذيب الذي يتعرض له الأهالي هو “ثمن الرفض”؛ رفض أن يكونوا “فتاتاً” على مائدة الفكر الجهادي أو القومي السوري.

يبقى فيديو المختار “جوزيف عطية” من داخل الكنيسة هو أبلغ رد؛ إنه صرخة “اللحم الحي” في وجه “الأيديولوجيا الصماء” التي تحاول حماية المسيح بصلب أتباعه مرة أخرى. وكما قال أنسي الحاج: “الأمم مجنونة وبلهاء والزعماء يقتلون ويعبدون أنفسهم”. أما دبل، فستبقى تنتظر “الحق” الذي لا يحتاج إلى “إشاعة” لكي ينتصر.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …