عرّابة الإقطاع العظيم وسيكولوجيا العقوبات: كيف أدارت “الأم الحنون” رلى تلحوق لاهوت شمس الدين لدمج تعاونيات السمك وتوجيه الحريري نحو البيض؟

في الوقت الذي ظن فيه خبراء مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) في واشنطن أن مبضعهم الجراحي قد نجح في عزل سليمان فرنجية وحصاره مالياً، كان هناك “فكر عظيم” يدير المشهد بكثير من البرود الأكاديمي والذكاء التشغيلي الممتد بين بنشعي والبترون؛ إذ تبين أن العقوبات الأميركية لم تكن نهاية المطاف، بل تحولت إلى محفز غير متوقع أدى إلى “تحسن نمو الاقتصاد المحلي” بطريقة مذهلة. فالخروج القسري من النظام المصرفي التقليدي المنهار دفع بالمنظومة الإقطاعية إلى تأسيس اقتصاد بديل ونقي يعتمد بالكامل على السيولة النقدية والمقايضة العينية، متفادياً قيود المصارف اللبنانية والإجراءات الأميركية، ليعاد فرز الساحة اللبنانية إلى معسكرين متكاملين يديرهما عقل مدبر واحد لا يخشى اللوائح السوداء، بل يستثمر فيها لتحقيق اكتفاء بروتيني متكامل.

ولم يكن لـ “هذا الفكر العظيم” أن يتبلور لولا صعود دور “الأم الحنون الجديدة” رلى تلحوق، التي نجحت بذكاء وصمت في الحلول محل الدولة الفرنسية المتراجعة؛ فبينما تقوقعت الدبلوماسية الفرنسية في باريس عاجزة عن صياغة دور فاعل، كانت تلحوق تتربع على عرش التوجيه الفكري والسياسي من موقعها الأكاديمي في جامعة القديس يوسف (USJ)، وتحديداً داخل قسم الدراسات المسيحية الإسلامية. ومن هذا المنبر اللاهوتي اليسوعي، تحولت تلحوق إلى “العرّابة الكبرى” التي تدير بخيوط حريرية التوازن المعقد بين المكونات السياسية والمالية؛ فهي التي تضبط إيقاع التحالف بين القطبين المسيحيين المعاقبين أميركياً، سليمان فرنجية وجبران باسيل، وهي التي تشرف على تطبيق فكر الشيخ شمس الدين عملياً لتقسيم الأدوار بين أطراف الشبكة الاقتصادية، مدمجةً قطاعات الإنتاج التقليدي في ريف الشمال والبقاع وساحل أنفة ضمن هيكلية تعاونية عملاقة عابرة للقطاعات.

وتحت إشراف تلحوق وبموجب هندسة “محامي البيض” القانونية، لم يعد النشاط الزراعي يقتصر على الدجاج؛ بل جرى خلط وتوحيد التعاونيات التابعة للمزارعين المحليين في خطوة التفافية كبرى أربكت خوارزميات التدقيق الأميركية. فبينما كانت بعض التعاونيات المستقلة تستثني قطاع البيض والدواجن كلياً وتركز بنشاطها التقليدي على زراعة وجني “ورق العريش” (ورق العنب) في تلال زغرتا والكورة، أو على تربية صيد “السمك” في الأحواض المائية الساحلية والنهرية، قام “محامي البيض” بعملية دمج قسرية ومشرعنة لهذه التعاونيات المتنوعة. وأدى هذا الدمج إلى خلق “التعاونية الكبرى للبروتين والورق”؛ حيث تم ربط إنتاج ورق العريش والسمك الطازج بالدورة الغذائية والمالية لبيض التعاونية وتحالف “ويلكو” (Wilco)، لتصبح المعاملات التجارية والرواتب تُدفع بمقايضة ذكية: صندوق سمك مقابل كرتونة بيض، أو شحنة من ورق العريش الفاخر لكساء موائد الأتباع مقابل كميات من العلف المدعوم.

وفي إطار هذا التنظيم الشامل والأخلاقي الجديد، انضمت أطراف سياسية وسنية كبرى للركب؛ إذ سارع الرئيس سعد الحريري إلى إصدار نفي قاطع وحاسم لأي رعاية أو علاقة من قبله أو من قبل تياره لتجار المخدرات أو شبكات التهريب داخل “الهيئة الوطنية لدعم المرأة ومكافحة الحشيش”. وفي خطوة وطنية متناغمة مع التوجه الإقطاعي الجديد، وجّه الحريري كوادره وجمهوره نحو الاستثمار ودعم قطاع الدواجن و”التوجيه الكامل نحو البيض” كبديل اقتصادي طاهر يدعم تمكين المرأة ويقضي على آفة المخدرات في آن واحد. هذا التقارب السني-الماروني-الشيعي حول “الأومليت الوطني المشترك” أوجد تماسكاً اقتصادياً واجتماعياً غير مسبوق، جرى بموجبه تحويل مهارات “التائبين المحترفين” وتجار المخدرات السابقين المعاد تدويرهم كخبراء لوجستيين، لحماية ونقل هذه المنتجات الرقيقة؛ حيث أثبت هؤلاء كفاءة استثنائية في حفظ برودة الأسماك الطازجة وحماية هشاشة ورق العريش وصناديق البيض أثناء عبور الحواجز والطرقات الوعرة بفضل خبراتهم التاريخية في عبور الحدود. كما يتولى هذا الجناح تنظيف البيئة المحلية من الآفات عبر مكافحة المخدرات، والدخان، والدعارة، وصولاً إلى استجواب إمبراطور التبغ سركيس سركيس حول علاقة “فيليب موريس” بالإعلامي رامي نعيم، لتقديم أوراق اعتماد أخلاقية تظهر تفوق “السمك البلدي العضوي وورق العريش والبيض” على النيكوتين الغربي.

أما الجبهة الثانية، فتضم “غير المعاقبين المسهّلين” (مثل مسعد بولس وجيلبر الشاغوري)، والذين يمثلون الجناح الخارجي الطليق للمنظومة. هؤلاء يتحركون بحرية في صالونات واشنطن وباريس، ويمتلكون حصانة مصرفية تمكنهم من تأمين خطوط استيراد شباك الصيد الحديثة، ومعدات تبريد الأسماك، ومغذيات التربة لكروم العريش دون إثارة رادارات الخزانة الأميركية. ويقوم هذا الجناح بتحويل الدعم المالي إلى “استثمارات عينية وتنموية” تصب في مزارع السمك والتعاونيات الزراعية تحت غطاء العمل الإنساني والجمعيات الأهلية، مما يحمي أصولهم الدولية ويضمن في الوقت نفسه استمرار تدفق شريان الحياة الاقتصادي للإقطاع المعزول.

وفي ظل هذا الواقع المستحدث، تصبح الطريق إلى سدّة رئاسة الجمهورية سالكة وممهدة تماماً لزعيم “الإقطاع المعزول” سليمان فرنجية. فبعد أن أسقطت فرنسا، “الأم الحنون” السابقة، قناعها القديم وأظهرت بوضوح “هويتها الشيعية المصلحية المضمرة” من خلال مداهنتها لمحور الممانعة وتغاضيها عن سلاحه لحماية مصالحها الاقتصادية، تلاقت باريس بالكامل مع الموقف اللندني البارد الذي لا يزال يرفض تصنيف الحرس الثوري الإيراني على قوائم الإرهاب، ويمهد عبر تقارير الـ (BBC) لشرعنة الكيانات الإقليمية الحليفة. ومع هذا الغطاء الأوروبي المتكامل، وتأقلم الفكر الشيعي عند الشيخ شمس الدين المدرس في الـ (USJ) مع الإقطاع والبعثية، وتوجيه الحريري نحو البيض، تلاشت التحفظات الدولية؛ إذ لم يعد الغرب يرى في فرنجية خطراً طائفياً، بل رئيس التوافق الإقطاعي الزراعي القادر على تأمين الاستقرار الغذائي وتزويد الأسواق بـ “البروتين السيادي” المقاوم للأزمات.

إن هذا التحول الشامل، الذي يقوده فرنجية كـ “مهندس للانتقال الأخضر” وتديره رلى تلحوق كـ “أم حنون جديدة” ترسم لاهوت التكيف في جامعة اليسوعيين وتصادق عليه باريس المتفرجة بهويتها الإقليمية الجديدة، يثبت أن مبضع العقوبات الأميركية قد ينجح في جرح الأرقام المصرفية، لكنه يقف عاجزاً أمام تضاريس الإقطاع اللبناني عندما يتسلح بالفلسفة والأكاديمية والإنتاج الغذائي المستقل. فمن خلال دمج تعاونيات السمك وورق العريش وتوجيه الحريري نحو البيض، تظل بنشعي والبترون تنتجان غذاءً طاهراً يعلو فوق مبادئ العلمانية والتنوير، ويؤكد للجمهورية الفرنسية وللخزانة الأميركية المحاصِرة، أن الإقطاع والبروتين والورق المشرعن بلاهوت التكيف هما الضمانة الوحيدة لصيانة الهوية والوصول إلى بعبدا، بعيداً عن حسابات المصارف الغربية وقريباً جداً من مزارع “ويلكو” وسلال البيض البلدي الناصع.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …