من الاقتصاد المقاوم إلى اقتصاد الجوع: تداعيات استهداف مؤسسة القرض الحسن

اسرائيل، تزايد على أميركا.

يشكل استهداف مؤسسة القرض الحسن، بضربة عسكرية، وهي مؤسسة مالية لبنانية ذات صلة بحزب الله، حدثًا بالغ الأهمية في المشهد اللبناني والإقليمي. يمكن القول إن تحويل العقوبات الاقتصادية إلى صراعات مسلحة هو أمر معقد ومتعدد الأوجه، ويتأثر بمجموعة من العوامل الداخلية والخارجية. هذه الضربة، التي تستهدف عمق الاقتصاد المقاوم المنطلق من لبنان، تحمل في طياتها تداعيات واسعة النطاق، تتجاوز نطاق الصراع الإسرائيلي اللبناني لتصل إلى قلب الديناميكيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في حزب الله وانعاكسه على لبنان ككل.

الفكرة الأساسية من وراء تحويل العقوبات الاقتصادية إلى ضربات عسكرية هي الانتقال من أسلوب ضغط غير مباشر، إلى أسلوب أكثر مباشرة وعنفًا بهدف تحقيق أهداف محددة. هذا التحول يعكس عادةً فشل العقوبات الاقتصادية نسبة الى اسرائيل، في تحقيق النتائج المرجوة في إطار زمني معين، أو رغبة القوة العظمى في تسريع وتيرة تحقيق أهدافها. القوة العظمى هي إسرائيل.

استهداف مؤسسة القرض الحسن يمثل ضربة موجعة لحزب الله والاقتصاد اللبناني، للأسف، اذ يغزي شريحة من اللبنانيين، المقاومين في لبنان لا في ايران. وعلى الرغم من أن الحزب قد يحاول التكيف مع هذا الوضع، إلا أن التأثيرات ستكون واسعة النطاق وستستمر لفترة طويلة، خصوصا ان هشام صفي الدين مختفي عن الأنظار. ويقال ان اغتيل.

سيتعرض حزب الله، في حال غياب نظام مالي مركزي بديل لمؤسسة القرض الحسن، إلى تحديات جمة قد تؤثر بشكل مباشر على قدرته على الحفاظ على نفوذه واستمرارية أعماله. فصعوبة تأمين التمويل اللازم لأنشطته المتعددة، بدءًا من الأنشطة العسكرية وصولًا إلى تقديم الخدمات الاجتماعية للمناطق التي يتحكم بها، ستشكل عائقًا كبيرًا. هذا التراجع في الدعم المالي قد ينعكس سلبًا على قاعدة الدعم الشعبي للحزب، خاصة بين الفئات الفقيرة والمتوسطة التي اعتادت على تلقي المساعدات والخدمات من مؤسسة القرض الحسن، وتعتمد اليوم على المنظمات الدولية كالامم المتحدة، وجمعيات محلية ودينية. بالإضافة إلى ذلك، فإن ضعف القدرة المالية سيضعف من قدرة الحزب على المنافسة مع الأحزاب السياسية الأخرى، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعاني منها لبنان، مما قد يؤدي إلى تآكل نفوذه السياسي وتاثيره الإعلامي مع ارتفاع اسهم باقي الأحزاب الناشطة على الارض. كما أن تراجع الدعم المالي سيؤثر على قدرة الحزب على تقديم الخدمات الاجتماعية للمواطنين التي اعتذر عنها الناطق الإعلامي محمد عفيف.

لطالما اعتبرت العقوبات الاقتصادية أداةً للضغط الدبلوماسي، تسعى الدول من خلالها إلى تغيير سلوك الدول الأخرى دون اللجوء إلى الحرب. بل الى العزل الاقتصادي، لتجد الدولة المعنية حلولاً اقتصادية بديلة، والاستعانة بمؤسسات دولية من داخل المنظومة المالية، لرفع التهميش.

 ومع ذلك، تشير العديد من الحالات التاريخية إلى أن العقوبات وحدها لا تكفي دائمًا لتحقيق هذا الهدف، بل قد تدفع الدول المستهدفة إلى التصعيد واللجوء إلى القوة العسكرية.

قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية، فرضت الدول الحليفة على ألمانيا النازية عقوبات اقتصادية بهدف كبح جماح طموحاتها التوسعية. ومع ذلك، لم تسفر هذه العقوبات عن تغيير سلوك ألمانيا، بل زادت من عزيمتها على شن الحرب.

وفي كوريا، وبعد اندلاع الحرب الكورية، فرضت الأمم المتحدة عقوبات اقتصادية على كوريا الشمالية، إلا أن هذه العقوبات لم توقف عدوانها على كوريا الجنوبية.

منذ سنوات طويلة، لعبت مؤسسة القرض الحسن دورًا حيوياً في دعم المقاومة اللبنانية، حيث قدمت قروضًا ميسرة لمئات الآلاف من اللبنانيين، وخاصة الطبقات الفقيرة والمعدمة. علاوة على ذلك، كانت المؤسسة بمثابة شريان حياة للاقتصاد في مناطق نفوذ حزب الله. حيث ساهمت في خلق فرص عمل ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة. لذلك، فإن استهدافها يمثل ضربة موجعة للاقتصاد اللبناني المتعثر أصلاً.

تتعدى أبعاد هذه الضربة الإطار المالي والاقتصادي، لتصل إلى الأبعاد السياسية والاجتماعية. فمن المتوقع أن يؤدي هذا الاستهداف إلى زيادة التوتر والفوضى، وأن يدفع ايران  إلى الرد، مما قد يؤدي إلى اندلاع مواجهة عسكرية واسعة النطاق، في العراق واليمن، كما استهداف مصالح اميركا في الشرق. اذ ان العقوبات كانت في البداية أميركية واتت الضربة الإسرائيلية لتزايد على اميركا.  هذا الاستهداف قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات الطائفية والمذهبية في لبنان، ويعزز من شعور المظلومية لدى الشيعة، مما قد يؤدي إلى المزيد من عدم الاستقرار.

إن تحول الدعم الشعبي هو عملية معقدة تتأثر بعدة عوامل، ولا يمكن التنبؤ بنتيجتها بدقة. ومع ذلك، فإن ضرب المركز المالي لحزب الله يمثل ضربة موجعة، وقد يؤدي إلى تراجع كبير في الدعم الشعبي، وصولا الى الإعلامي، فهل تصمد الأيديولوجيا امام تردي مستوى العيش، حتى كيس ارز؟

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …