إسرائيل “الكبرى” والجريمة المنظمة “الصهيونية”: أداة للهيمنة الاقتصادية وتطويق العرب… أحياء “نرزق”

في عالم تُعاد فيه رسم الحدود السياسية بالأسلحة وتوجيه السياسات الخارجية، تُبرز إسرائيل نفسها كلاعب مستقل عن الضغوط الدولية التقليدية، معتمدةً على دعم الولايات المتحدة كحليف استراتيجي وراعٍ دائم لطموحاتها التوسعية. بعد الضربة الأخيرة التي وجهتها إلى إيران، ضربة محددة الأهداف تمت بموافقة أميركية صريحة، يتضح أن لإسرائيل سياسة خارجية ذات طابع عسكري مستقل، مدعومة بروح أميركية تراعي مصالحها الكبرى في المنطقة. الولايات المتحدة، في هذا السياق، ليست مجرد حليف لإسرائيل بل العراب الروحي، المدافع عن طموحاتها والمتحكم في تطهير آثار النزاعات مع الدول العربية، عبر أجندة “السلام” و”التطبيع”.

أما في لبنان، فإن إسرائيل تنظر بعين الريبة إلى التحركات التي تحاول قوى المعارضة توجيهها بعيداً عن السلاح، إلى معركة ذات طابع سلمي، مرتكزةً على الإعلام والمجتمع المدني. ترفض إسرائيل هذا التحوّل “الناعم”، فهي تدرك أن مشروعها في لبنان لا يتوقف عند المواجهات المسلحة، بل يمتد ليشمل استخدام قوى المعارضة لتجسيد أدوار مدنية لا تقوى على التأثير الاستراتيجي، بل تُوجَّه لخدمة أهداف جانبية، مثل رعاية النازحين، في خطوة تهدف إلى دفعهم إلى أسفل خط الفقر عبر استهداف التمويل والمخازن والمصادر.

مع ذلك، ترى إسرائيل أن عملاءها في لبنان لا يتجاوزون دور الوكلاء المؤقتين. لا تتيح لهم القيادة الحقيقية في صنع المشهد أو رسم السياسات الكبرى؛ فمشروع “إسرائيل الكبرى” لا يُخاض بتلك الطرق. إن السلاح ونشر الجريمة المنظمة هما الأدوات الأساسية لفرض واقع جديد، والابتزاز هو السبيل لتحقيق التطبيع الذي يعود عليها بأرباح مالية مباشرة تمكّنها من توسيع رقعة تأثيرها الصهيوني.

إسرائيل تتبنى نشر الجريمة المنظمة كجزء من استراتيجيتها الإقليمية في لبنان، مستفيدةً من الفوضى التي تخلقها ومن الفراغ الأمني والاقتصادي القائم. فمن خلال تمكين شبكات تهريب السلاح والمخدرات، وتسهيل عمليات غسل الأموال، تفتح الباب أمام استثمارات غير شرعية تمتد من لبنان إلى دول أخرى في المنطقة، وتعود بعوائد مالية يمكن لإسرائيل الاستفادة منها عبر قنوات التطبيع وتوسيع شبكة علاقاتها الإقليمية. إذ يجري إعادة ضخ هذه الأموال بطرق متعددة داخل الاقتصاد الإسرائيلي، مما يدعم مصالحها ويضمن استمرار هيمنتها الاقتصادية في المنطقة.

لبنان، الذي بات يعاني من غياب منظومة قانونية واقتصادية قوية لضبط هذا النوع من النشاطات، أصبح بيئة خصبة لانتشار الجريمة المنظمة. هذه البيئة الفوضوية تقدم لإسرائيل فرصاً للاستثمار في الفوضى المنظمة، وهو أمر يهدف بشكل أساسي إلى تدمير الاقتصاد اللبناني الداخلي، وفي الوقت نفسه تعزيز احتكارها لمصادر التمويل والاستثمار الإقليمي. في ظل غياب ردع عربي فعال، تصبح إسرائيل قادرة على تصدير هذه الأنشطة عبر قنوات غير رسمية، وضمان مكاسب طويلة الأمد تدعم نفوذها الاقتصادي.

أما على الصعيد العربي، فإن ضعف الإجراءات المشتركة في مواجهة هذه التحديات يزيد من فرص إسرائيل للتوسع في استراتيجيتها؛ فالأزمات التي تخلقها الجريمة المنظمة تعيق تكوين جبهة عربية متماسكة، مما يسهّل عليها مواصلة مشروعها التوسعي، بل واختبار أدواتها السياسية والاقتصادية على الاقتصاد اللبناني قبل توجيهها إلى اقتصادات عربية أخرى.

وفي ظل غياب منظومة عربية اقتصادية واقية، تستمر إسرائيل بتجاربها على الساحة اللبنانية والفلسطينية، محققةً مكاسب على حساب الاقتصادين اللبناني والغزيّ عبر استغلال النزاعات، بهدف تحويل هذه الأزمات إلى نموذج قد يُطبَّق يوماً على الاقتصادات العربية الأخرى.

ختاماً، على الدول العربية أن تدرك الأبعاد الخطيرة لسياسة إسرائيل في نشر الجريمة المنظمة في المنطقة، والتي تتجاوز الأثر المباشر على لبنان، لتصبح نموذجاً تستنسخه إسرائيل للضغط على اقتصادات عربية أخرى وابتزازها سياسياً. إذ إن انتشار الجريمة المنظمة بدعم غير مباشر يفتح قنوات لجمع مكاسب مالية تستغلها إسرائيل لدعم مشاريع التطبيع وتوسيع نفوذها الاقتصادي، ما يثقل كاهل الاقتصاد العربي ويضعف قدرته على المنافسة.

هذا الواقع يفرض على الدول العربية التصدي لانتشار الجريمة المنظمة بآليات دفاعية مشتركة، تحول دون استغلال إسرائيل للفوضى الإقليمية وتحويلها إلى فرص للتوسع الاقتصادي والسياسي. فالخطر لا يكمن فقط في الأزمات الاقتصادية المباشرة، بل يتفاقم ليصبح ورقة ضغط تلوح بها إسرائيل كلما احتاجت إلى توجيه السياسة الخارجية في الدول المجاورة، مما يُبرز أهمية تبني استراتيجية عربية فعالة لمواجهة هذا التحدي وضمان استقلالية اقتصاداتها، وحماية سيادتها السياسية من ابتزازات محتملة في سياق التطبيع

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …