من التنافس إلى الشخصنة: عندما تتسلل أساليب “المخابرات” إلى الصحافة

تنشر قريبا سياسة عامة، ستتحول الى مشروع يحرر المراة في العمل العام، مستندة للبحث المعمق حول استهداف الناشطة السياسية في الشان العام بهيمنة ذكورية، الى ذلك هذا ما نكتبه:

في عالم الصحافة، حيث يفترض أن تُحكم المهنة بمعايير الجودة وعمق الطرح، تتسلل بعض الممارسات الأقل نبلاً لتأخذ مساحة مؤسفة من الحراك الإعلامي، فتحول المنافسة من تنافس مهني إلى شيء أشبه بنشاط “مخابراتي.” وهنا، نتحدث عن زملاء من الذين يعتقدون أن بقاءهم فوق “عروش الحروف” يعتمد على الضرب تحت الحزام؛ ليس بالحجة أو المعلومة، بل بالتشكيك، وبالتخريب المتعمد، وبالتصويب على أدق العلاقات الشخصية حتى لو وصل الأمر إلى “الأهل”.

ما يحدث هو استبدال للتنافس الصحي بنوع من “الشخصنة” المتعمدة، حيث يصبح الهدف ليس تميز المعلومة أو الفكرة، بل “النكز” الشخصي وتحويل مسار الزميل عن مهنته إلى الدفاع والتبرير المستمر. بعبارة أخرى، هذا الأسلوب يتجاوز مجرد السعي للتميز، ليتحول إلى محاولة لترسيخ “منطقة الأمان” الضيقة للمُعْتدِين، التي تجعلهم لا يتقاضون أقل من غيرهم، لأنهم بكل بساطة لا يريدون أن يتقاضى أحدٌ أكثر منهم أو يعلو مهنياً.

والأكثر لفتاً للنظر هو أن هذه الأساليب تشبه بقايا ممارسات من عالم الاستخبارات؛ حيث تُستخدم أساليب الضغط عبر قنوات عائلية أو شخصية بشكل صارخ، ما يُحيد الزميل عن دوره الإعلامي ليجعل همه الأكبر هو محاولة فهم ما إذا كانت الجبهة الشخصية قد أصبحت ساحة الصراع الفعلي. ميشال سماحة، على سبيل المثال، كان معروفاً بهذه الأساليب عندما عمل في صحيفة لوريان لو جور، حيث كان يستخدم قنوات علاقاته لإضعاف زملائه، بدل أن ينافسهم على الفكرة أو المحتوى.

لعل الأشد إيلاماً في الأمر هو أن هذه الأدوات تُسيء للمهنة قبل أن تسيء للفرد؛ فالشخصنة والانتقاص عبر الضغط الاجتماعي، هي أدوات تعود بنا إلى أساليب بائسة تهدف لتحويل الصحافة من مجال للتنوير والنقاش إلى أرضية تبريرية، حيث يخوض الصحفي معارك لا علاقة لها بمحتوى رسالته المهنية. فما الذي يبقى من الصحافة، إذا تحول أهلها إلى أعداء لبعضهم، وتركوا فكرة الحقيقة خلف ظهورهم لصالح حماية مكتسبات “ضيقة الأفق”؟ عاجلاً ام أجلاً ستحجم.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …