وزارة الداخلية ومنظومة الإعلام في لبنان: تجنيد وهمي وتوازنات خفية تدفع باليسار واليمين إلى لعبة الابتزاز والنفوذ

في لبنان، عندما دخل شارل أيوب عالم الصحافة بنظرة “المجند”، تعامل مع الساحة الإعلامية وكأنها معركة ميدانية، حيث تحول طاقم صحيفته إلى “جنود” ينفذون أجندات في جمع المعلومات ونشرها. وظّف مفاهيم “التجنيد الوهمي” التي تُستخدم في عالم الاستخبارات، وقام بتنظيم الملفات ضمن خطة عمل إعلامية موجهة، فمن ملف “الماسونية” إلى “الروتاري” وصولاً إلى “اللايونز”.

إبراهيم الأمين من هذه المدرسة. وينسق مع شارل أيوب.

وقد أوكل شارل، ملف الماسونية تحديدًا للمرحوم اسكندر شاهين، الذي مزج بين الملفات السياسية اللبنانية (الكتائب- القوات اكثر من تيار وطني حر الذي تاسس حديثا) والرموز العالمية (وهي محلية منظمات لبنان فمعظمها غير معترف به عالميا) في تحليلاته، مما أسفر عن تصوير المحافل المسجلة في وزارة الداخلية اللبنانية على أنها أدوات متورطة في الصراع السياسي المحلي، رغم أنها ليست سوى جمعيات محلية مسجلة لدى الوزارة، لا تفعل شئ.

عبر هذا المزيج، جعل أيوب هذه المنظمات، التي هي أقرب إلى جمعيات اجتماعية في الواقع، “تبدو” (خطوط تحت تبدو) كأنها قوى ذات نفوذ عالمي في السياسة والدين والاقتصاد، باعتبار ان من أرادوا استغلال الاسم من رجال سياسة واقتصاد في لبنان كثر، واليوم خطوة محمد شقير اذكى من ذكية بانشاء نادي متخصص للاقتصاد او جمعيات صحافة اقتصادية او مجموعات كاعلاميون من اجل حرية التعبير متخصصة يعرف ماذا تفعل. وتعمقت هذه الرؤية لدى الصحفيين حوله، خاصة عند إبراهيم الأمين، الذي استكمل هذا التوجه، مستنداً (ومستغلا طيبة، وفكر، وقلب وحنية وابوة )إلى ثقافة جوزف سماحة الفلسفية واطلاعه على تعقيدات المجتمع اللبناني خصوصاً الملف اللبناني. مع أن مصطلح “علمانية” (ووجود جمعية في لبنان مرتبطة بالمصطلح  كتب في مؤسسها ومدحه، اكبر كاره للماسونية في سوريا وكان ذي مركز ديني كبير في لبنان وعمل على إعادة السفارة الأميركية مع مجموعة لبنانية الى سوريا بعد اغتيال الحريري باقرف الطرق بمساعدة الأمين نفسه وشارل) ارتبط في لبنان باليسار، إلا أن إبراهيم الأمين أعاد تفسيره بشكل يستقطب جمهوراً مختلفاً عن اليسار التقليدي، مع الاحتفاظ بروح النقد والنضال ضد ما كان يعتبره هيمنةً خارجية أو مصالح محلية متداخلة.

حتى أن بعض الماسونيين (الخيريين الذين ينتمون الى محافل معترف بها، وذلك في مرحلة بعد إعادة اطلاق الديار)، اعتقدوا أن مواجهتهم لشارل أيوب، اعتماداً على تسجيلاتهم في وزارة الداخلية، ستتيح لهم كسر هذه الصورة الإعلامية عبر صحيفة جديدة، تخرج من رحم الفكر الشيوعي أو من الليبرالية المتصارعة في الغرب. لم يحدث ذلك يومها. وجيرت الفكرة الى “النهار” و”السفير” . ومن خلال ذلك، نشط هؤلاء الرجال ، (يومها لم يكن هناك محافل للنساء الا ابنة رجل كبير وحفيده صديق الموقع وهو بروفسور في المانيا، ولكن المحفل أيضا محلي ) سعوا للتماهي مع الأجواء المتأججة في لبنان آنذاك، رغبةً في الحفاظ على تواجدهم وسط تيارات تتصادم، وحمايةً لأنفسهم من التهميش في الصراع الداخلي. ورغم أن جورج نرسي (لا علاقة له بالمحافل الكبرى عالميا) استغل بعض محافل الماسونية كمخابئ للأسلحة، إلا أن ذلك لم يؤثر كثيراً على محاولات هذه الجماعات تأكيد مصداقيتها في الداخل اللبناني.

لكن يبقى السؤال: ألم يستفد شارل أيوب وإبراهيم الأمين من هذا الواقع المعقد؟ أي الصراع بين الحركات اليسارية والفكر اليميني والتيار الليبرالي في الاقتصاد وبعده فكر كينيس. الواقع يشير إلى أنهما حولّا منظمات وجمعيات محلية، تفتقر إلى الشرعية الدولية، إلى أدوات في اللعبة السياسية اللبنانية المحلية اللبنانية، مستخدمين أسماء هذه الجمعيات لتحقيق “خرق” (ليس اكثر) محلي وزخم إعلامي. وهكذا، تحولت المحافل – التي لا تملك سندًا دوليًا – إلى واجهات تضفي مصداقية وهمية، وفي بعض الأحيان، تحولت هذه الجمعيات إلى مستودعات أسرار وصراعات محلية، لانها انعكاس للحياة السياسية، ليس أكثر، بل وحتى مخازن أسلحة عند الضرورة.

في سياق استفادتهما من هذا الواقع المعقد للصراع السياسي اللبناني، سعى شارل أيوب وإبراهيم الأمين لاستخدام توجهات الصحيفة والتكتيكات الإعلامية كوسيلة لابتزاز بعض الشخصيات الاقتصادية والشركات أكان في الروتاري او الماسونية (منهم كريم بقرادوني الذي هو في المحلي فقط ولا اعتراف للمحفل الذي يجتمع فيه وهناك صور له فيه في كتب إسكندر شاهين)، ما مكّنهما من بناء شبكات علاقات مؤثرة مع النظام الاقتصادي وأصحاب النفوذ. عملوا، عبر كشف ملفات حساسة وبث قصص تتضمن ما هو مبالغ به من نظريات حول الماسونية والروتاري وأدوارهم الخفية، على الضغط وإرغام جهات متعددة على تقديم التنازلات أو الحصول على مكاسب معينة.

في هذا السياق، أصبح أسلوب الابتزاز – بطرح ملفات حساسة وخلق حالات جدل مستمرة حول القضايا المشبوهة – أداة فعالة لفتح “كوة في الحائط”، أو بمعنى آخر، لاختراق الحصون الاقتصادية والسياسية في لبنان، والوصول إلى مصادر قوة جديدة.

يأتي جبران باسيل كإحدى تلك الأدوات المثيرة للجدل التي استخدمها هذا النهج الإعلامي والضغط المستمر في تشكيل صورته وصراعه على الساحة. وهو أيضا حاول الولوج الى عالم الروتاري والماسونية المحلية من هذه الروحية للأسف. ومع أن العقوبات الأميركية لاحقته وضربت سمعته بعرض الحائط، إلا أنه استمر في استخدام شبكات الاتصال والروابط مع هذه المؤسسات ليعزز حضوره، منهم كريم بقرادوني، محاولاً تحويل الضغط الدولي عليه إلى حافز لإعادة تموضعه في الداخل اللبناني مستخدما الضغط على رجال ونساء ينتمون الى هذه الدوائر. وفي سياق هذا الواقع المشحون، أصبحت علاقاته واتصالاته مع كيانات مثل الروتاري وغيرها من المنظمات المشبوهة من منظور البعض “دوليا” لان عملهم محليا “ملبنن”، جزءاً من استراتيجية البقاء، خصوصاً عندما تدور حوله شائعات تربط هذه العلاقات بمحاولات لتعزيز نفوذه المالي والسياسي.

هكذا، تكون جملة الصراعات والنزاعات، وما أشعله أيوب والأمين من ضجة حول الملفات الحساسة، قد فتحت الطريق أمام نموذج “الصحافة الموجّهة” لاستخدام التأثير الإعلامي كوسيلة ضغط، خاصة في ظل التوترات الطائفية والتوازنات الإقليمية  وهذه “المنظمات” منها.

في لبنان، تلعب وزارة الداخلية دوراً حاسماً في “وجود” الجمعيات والمنظمات ذات الطابع “الماسوني” أو “الخيري”، والتي يُقال إنها تمثل واجهة للتجنيد الوهمي على الساحة المحلية، بهدف الوصول إلى المنصات العالمية وتحقيق النفوذ. من دون موافقة وزارة الداخلية ومنحها تراخيص “العلم والخبر” لهذه الجمعيات، لم يكن بالإمكان لأي شخصية كشارل أيوب أو إبراهيم الأمين استغلال هذه الواجهات وتشكيل منصات إعلامية أو تأثيرات سياسية واجتماعية تخدم أجنداتهم الخاصة وخرق “العفن” البعثي السوري.

يشبه هذا الواقع وضع الماسونية في إيطاليا خلال فترة نشاطات منظمة “بروباغندا تو”، التي كانت واجهة للنفوذ الخفي وتغلغل المافيا في المؤسسات السياسية والاقتصادية. وكما في إيطاليا، تم توظيف “ماسونية” لبنان كواجهة لتحقيق أهداف معينة، بعيداً عن المبادئ العالمية لهذه الجمعيات، مما جعلها أداة للمساومات والابتزاز والتحالفات، أحياناً بغطاء من قوى أمنية وسياسية.

لقد أسهم “التجنيد الوهمي” لهذه الجمعيات اللبنانية في انحرافها عن مسارها العالمي، حيث أصبحت وسيلة للضغط والتلاعب في النظام الإعلامي والسياسي. وبفضل هذه اللعبة المزدوجة، تحول الإعلام الموجه إلى أداة لابتزاز الشركات والسياسيين، وفتح ثغرات في المنظومة الاقتصادية. جبران باسيل، بدوره، كان إحدى الشخصيات التي ارتبطت بهذا النظام، رغم الضغوطات والعقوبات التي طالت سمعته، محاولاً توظيف هذه الشبكات لتأمين نفوذه.

ومع مقال “الأخبار” حول حالة اليمين اللبناني الذي يسعى في مغامراته الأخيرة إلى التحرك على الساحة السياسية بطريقة فوضوية ومرتبكة، مدفوعاً بتصورات غربية ومحاولات محاكاة لتيارات قومية متشددة، دون رؤية واضحة للمصلحة الوطنية أو فهم للواقع الاجتماعي والسياسي اللبناني المعقد. يظهر أن اليمين اللبناني، رغم تاريخه الطويل، يفتقد اليوم لاستراتيجية واضحة ويتعرض للانتقاد بسبب مواقفه المثيرة للجدل وارتباطاته الخارجية.

إذا ربطنا ذلك بالسياق الأوسع للدور الذي تلعبه وزارة الداخلية والجمعيات ذات الطابع “الماسوني” أو المحافل الخيرية المتهمة بالارتباط بأجندات خارجية، يمكننا أن نرى كيف تم استخدام هذه المنظمات كواجهات للتأثير والتغلغل داخل النظام السياسي اللبناني ونحر اليسار واليمين والليبرالية والنيو – ليبرالية والأحزاب والجمعيات للوصول الى ….. شخصيات “تدفع” اكانت اقتصادية او مصرفية او سياسية أينما كانت حتى لو تشرب قهوة في مقهى “الشايز” سابقا (مغلق حاليا). وكما استفاد شارل أيوب وإبراهيم الأمين من هذا النظام، كذلك استفاد اليمين اللبناني من هذه المؤسسات في محاولاته لبناء قنوات نفوذ جديدة، تتجاوز الطوائف والأحزاب التقليدية، لكنها تحمل في طياتها طابع الابتزاز والمساومة.

هذا اليمين الذي يسعى للتوسع والتأثير يتكئ على دعم من شبكات ” ممولة ومدعومة غربياً يحاول شارل والأمين تصوير ان لهم تاثير عليهم حتى اليسار (جورج سوروس)، بهدف الوصول إلى “منصات عالمية”، وهو جزء من لعبة معقدة تشارك فيها الوزارة من خلال ترخيص “العلم والخبر” لهذه الجمعيات. هذه الشبكات نفسها ، من أحزاب وجمعيات، تسهم في خلق مساحة حركية للتيارات اليمينية، مستغلة نقاط الضعف في النظام اللبناني، و”معتبرة” (مجرد اعتبار) أن الدعم الغربي سيعوض عن أي فقدان للتأييد الشعبي الداخلي.

من خلال هذا السياق، يتضح كيف أن وزارة الداخلية تُستغل بشكل مباشر كأداة للسماح لهذه الجمعيات بالعمل علنياً رغم توجهاتها المثيرة للجدل وارتباطاتها الخارجية، وكيف يتم تحويل المحافل الماسونية إلى أدوات ضغط سياسي واجتماعي. وفي سياق هذه الشبكة من التوازنات والتحالفات، يظهر أن جبران باسيل، كشخصية سياسية، وجد نفسه جزءاً من هذه اللعبة المعقدة، مستفيداً منها ومحاولاً استخدامها لصالحه، رغم كل ما تعرض له من عقوبات وضغوطات، لتحسين موقعه السياسي ضمن تركيبة متشابكة من التأثيرات الداخلية والخارجية.

جبران، ألم نقل لك، انك لن ترث الا المهانة، وكان من الاجدى بك، ان “تتعاون” بدل ان تنتهج نهج الحرب الاهلية في تأسيس حزبك! انه حزبك. ليس اكثر.

مع ذلك، تكتب الشعر بأسلوب جميل، اكثر من حبيب يونس.

الى اللقاء ….. “شي نهار” ! بكرا شي نهار

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …