لبنان على حافة الهاوية: هل من مُنقذ؟

 في خضمّ الأزمة المُتفاقمة التي تُهدّد لبنان، والتي لم تكشف عن وجهها الحقيقي بعد، يُصبح التكاتف الاجتماعي هو الملاذ الوحيد. لكن “الصراع على الجمهور” أكبر! فالأيام الصعبة القادمة ستُعلّمنا أهمية التضامن الإنساني في مواجهة انهيارٍ غير مسبوق. إنَّ ما شهدناه حتى الآن ليس سوى مُقدّمة لما هو أسوأ، فغياب سياسة خارجية واضحة، وتجاهل الترابط الوثيق بين مُستقبل لبنان ومصالح دول الخليج، سيُؤدّي إلى تداعياتٍ كارثية لم يشهد لها تاريخ لبنان الحديث مثيلًا.

يجب أن يتماشى التغيير السياسي المنشود في لبنان والاقتصادي، مع سياسات الطاقة الخليجية ومصالحها، مُبتعدًا عن التجاذبات الإقليمية، وخاصةً مع إيران. فتركيز لبنان يجب أن يكون على إعادة بناء ذاته، بدلًا من الانجرار وراء صراعاتٍ خارجية لا ناقة له فيها ولا جمل.

إنَّ تفرد دول الخليج بعامل الطاقة، في ظل التنافس الأمريكي، يُشكّل “ظرف” للبنان لا يمكن السيطرة عليه . فصناعة لبنان، المُعتمدة بشكلٍ كبير على النفط، مُهدّدة بالانهيار، إن لم تُعِد الحكومة النظر في سياساتها وتوجّهاتها.

حتى الحرب، التي تُخيّم بظلالها على المنطقة، تُصبح ورقةً في لعبة المصالح. فإيران، التي تُعتبر “كبسة زر” لإشعال المنطقة أو تهدئتها، قد تُعيد حساباتها وتعود إلى “أحضان العرب” مُستخدمةً القضية الفلسطينية كذريعة. في هذا المُحيط المُضطرب، يبقى التكاتف الاجتماعي هو السلاح الأقوى للبنانيين لمواجهة المُستقبل المجهول.

يُعاني لبنان أزمةً مُتعدّدة الأوجه، تتجاوز حدوده الجغرافية لتُصبح مُرتبطةً بشكلٍ وثيق بالواقع العربي المُحيط. فالفضاء العربي، بمناخه المضطرب وظروفه الصعبة، يُشكّل ما يُمكن تسميته “الهضبة الوعرة” التي تُؤثّر على مُختلف الدول العربية غير النامية، ومنها لبنان. لكن قدرة لبنان على الصمود أمام هذه التحديات غير مُتكافئة، فهو ليس مُجرّد مُتأثّر بالهضبة الوعرة، بل هو جزءٌ لا يتجزأ منها، يتأثّر بتقلّباتها ويُعاني من ارتداداتها.

لم يتمكّن لبنان من التعافي من أزمته الاقتصادية السابقة، التي سبقت جائحة كورونا، والتي تفاقمت بسبب عوامل داخلية وخارجية مُتعدّدة. فسوء الإدارة، والفساد المُستشري، والاعتماد على اقتصاد هشّ، كلها عوامل ساهمت في انهيار الليرة اللبنانية وارتفاع مُعدّلات الفقر والبطالة. هذه الأزمة تُفاقمت بسبب عدم الاستقرار السياسي، والصراعات الإقليمية، والتدخّلات الخارجية، التي تُزيد من هشاشة الوضع اللبناني.

الآن، يقف لبنان عاجزًا عن مُجرد إدارة الأزمة، فهو غير قادر على تلبية احتياجاته الأساسية، ناهيك عن توفير الدعم اللازم للنازحين السوريين والفلسطينيين الذين يُشكّلون عبئًا إضافيًا على موارده المُحدودة. هذا السقوط البطيء للبنان ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة تراكماتٍ طويلة الأمد، تعود إلى ما قبل جائحة كورونا، وتُجسّد فشل النظام السياسي والاقتصادي في إدارة البلاد.

ولفهم جذور هذه الأزمة المُتراكمة، يجب النظر إلى ما قبل كورونا، حيثُ كان لبنان يُعاني من ضعفٍ في مؤسّساته، وفسادٍ مُستشري، وديونٍ مُتراكمة، ونظامٍ طائفي يُقسّم البلاد ويُعيق التنمية، وهذا النظام قد ينفجر “الآن الآن” ازمة معيشية لا اهلية. جاءت جائحة كورونا لتُفاقم هذه الأوضاع، حيثُ أدّت إلى تراجع النشاط الاقتصادي، وانهيار القطاع السياحي، وزيادة مُعدّلات البطالة. كما أدّت إلى تفاقم أزمة الليرة اللبنانية، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، مُسبّبةً بذلك مُعاناةً شديدةً للشعب اللبناني.

أمّا بالنسبة للنازحين، فهم يُشكّلون عبئًا إضافيًا على لبنان، الذي يُعاني أصلاً من ضائقةٍ اقتصادية خانقة. فقد أدّى تدفّق أعداد كبيرة من النازحين السوريين إلى زيادة الطلب على الخدمات الأساسية، كالسكن والرعاية الصحية والتعليم، ما فاقم من الضغط على الموارد المُتاحة. كما أدّى إلى زيادة التوترات الاجتماعية، وظهور مشاكل أمنية، ما يُهدّد الاستقرار الهشّ في البلاد.

يُواجه لبنان تحدّياتٍ هائلة، تتطلّب حلولًا جذريةً وشاملة. فلا يُمكن مُعالجة الأزمة الاقتصادية بمعزلٍ عن الأزمة السياسية، ولا يُمكن تجاهل تأثير العوامل الخارجية على الوضع الداخلي. إنَّ مُستقبل لبنان مُرهونٌ بقدرته على مُعالجة هذه التحديات، وبناء دولةٍ قويةٍ وعادلة، قادرة على تلبية احتياجات جميع مواطنيها.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …