في مهمة لتقسيم لبنان: مستشار الخامنئي بين دعوات الاعراس والصراعات

في زيارة مفاجئة وغير متوقعة إلى لبنان، وصل مستشار خامنئي بصفة “مستطلع” غريب الأطوار، مهمته المزعومة كانت “التعرف على الوضع السياسي عن كثب”، لكن الواقع كان أبعد ما يكون عن ذلك. فالرجل الذي جاء بما يشبه الزيارة السياحية الهادئة، سرعان ما كشف عن نواياه الحقيقية، وهي القضاء على ما تبقى من حلفاء له في لبنان، بل وحتى أي شخص يمكن أن يشكل معه أي نوع من الاتصال السياسي. لم يكن يبحث عن معلومات، بل كان يحاول تحطيم أي جسور قد تربط إيران بالبعض ممن يمكنهم إعادة بناء علاقات مع بقية الأطراف السياسية في لبنان.

تصرف هذا المستشار في المطار كان كأنه أحد أفراد عصابة مُنتحلي الصفة. سلوكياته كانت تحمل إشارات عن محاولة التسلل والتلاعب بالعلاقات السياسية اللبنانية. كأنه أحد أولئك الذين يزورون البلاد ويختبئون وراء شخصيات مزيفة، بينما يحرصون على خلق صراعات داخلية. وكأنما هدفه الحقيقي هو العبث بكل شيء، من خلال بناء شبكة من الاتصالات السياسية “الموتورة” التي تهدف إلى زرع الفتن بين الأطراف المختلفة.

وبينما كان مستشار خامنئي يوزع ابتساماته التي كانت أخطر من نواياه، كانت النساء في القبيلة، اللاتي تم تجنيدهن لهذه المهمة الدقيقة، يعكفن على نشر الشائعات بين الأطراف المختلفة. لم يكن الأمر مجرد تواصل سياسي، بل كان أسلوبًا معقدًا لخرق صفوف كل الأطراف من خلال نساء مهمات في كل الحوارات، حيث لا شيء كان بعيدًا عن يديهن. كان الهدف هو خلق توتر دائم، بحيث لا تلتقي الأطراف المتنافسة في نقطة مشتركة، بل تظل في حالة دائمة من العداء والارتياب.

لكن المفاجأة الكبرى كانت في سعي مستشار خامنئي ليعتبر نفسه مرجعية أعلى من الدولة اللبنانية نفسها! نعم، كان يطمح إلى أن يكون من أولئك الذين يمسكون “شعلة الخامنئي” كأنها سر من أسرار الكون التي لم يتوصل العلماء إلى فك شيفرتها بعد. فالمنهج الفلسفي للخامنئي، الذي شغل أذهان المفكرين والمتخصصين، أصبح في نظر هذا المستشار الأداة المثالية للسيطرة على الساحة اللبنانية، وكأنه يعتقد أن الشعلة التي يحملها هي مفتاح لحل كل مشاكل المنطقة، بل حتى لتجاوز المؤسسات السياسية اللبنانية نفسها.

وفوق كل هذا، كان يستعرض تصرفاته كما لو كان على علم تام بأن كل حركة في لبنان هي جزء من “المخطط الكوني” الذي يرسمه بيده، تاركًا وراءه أسئلة كثيرة، لكن دون إجابات. ففي النهاية، كان ما يفعله أشبه بمسلسل كوميدي سياسي، حيث كان يعتقد أنه سيكون “المنقذ” للمنطقة من الفوضى، بينما هو في الواقع يزيد الطين بلة.

كان يمكن أن تكون زيارته مجرد فصل هزلي في كتاب السياسة اللبنانية، لولا أن نواياه كانت بالفعل تصب في خانة تعكير صفو العلاقات بين الأطراف وتعزيز النزاع أكثر مما هو قائم بالفعل.

وقد زار مستشار خامنئي مبنى الأخبار، تلك المؤسسة الإعلامية التي اعتاد الكثيرون أن يثقوا في تقاريرها، ليطّلع على ملفاتها السرية التي تضم مخططات اعراس العشرين ألف نسخة من أخبار وأحداث “نداء الوطن” وكان يظن أنها ستحمل بين طياتها مفاتيح التحكم في مسارات العلاقات الاجتماعية في لبنان. وكان من بين تلك الملفات، صفحة العروسات والعرسان، والتي كانت أكثر ما أثار اهتمامه، لا لأنها تتعلق بحفلات الزفاف البريئة، ولكن لأنه كان يرى فيها فرصة لتأجيج الرغبات الاجتماعية وتوجيهها نحو أهداف سياسية خفية.

صفن بمقال “السياسيون والأغنياء: نادي زواج مقفل” من *الأخبار*، يمكننا تخيل مستشار خامنئي في لبنان وهو يُحاكي هذا النادي المغلق. فبدلاً من الانغماس في العلاقات السياسية التقليدية، يحاول الدخول في عالم الزيجات، ليتعامل مع العروسات كعناصر استراتيجية يتم “توظيفهن” في سياسة استغلالية. ومن يدري، ربما يخطط حتى للتعاون مع شخصيات مثل شارل أيوب، الذي سيقوم بتنظيم أعراس سياسية تُتداول في الصحف، لتأجيج الانقسامات وللتسلل إلى طموحات المراكز السياسية… بالطبع، سيكون كل شيء مرهونًا بالنهج الفلسفي للـ”شعلة الخامنئي”!

تصور الرجل أن بإمكانه تنظيم سلسلة من الأعراس ذات الطابع الفاخر، تعاونًا مع مكتب الإعلامي شارل أيوب، ليحولها إلى مناسبات غريبة لا تُحتفل فيها فقط بالحب والفرح، بل أيضًا بالولاءات السياسية المشبوهة. كانت خطته أن يتم “توزيع” هؤلاء العرائس على شخصيات بعينها يعتبرها أهدافًا استراتيجية، بحيث يتمكن من السيطرة على “نشواتهم” العاطفية وتحويلها إلى جزء من آلية التلاعب السياسي. في ظنه، فإن هذه الأعراس ستتحول إلى منصات تجذب الانتباه، لكن الهدف الأساسي سيكون توريط العرائس في معارك سياسية لا علاقة لهن بها، بقدر ما هي مجرد أداة في يد من يديرون اللعبة من وراء الكواليس.

شارل أيوب، بتعاونه مع إبراهيم الأمين، كان قد بدأ بالفعل بوضع الخطط الأمنية لحماية هذه الفتيات “الجديدات” في الدوائر السياسية والاجتماعية. كانت التغطية الإعلامية لهذه الأعراس تتضمن تصوير كل لحظة في حفل الزفاف، لتنتشر في العشرين ألف نسخة من الصحيفة. كان ذلك جزءًا من خطة أكبر لتسويق صور النساء، بل وتحويلهن إلى “رموز” يتم استغلالها لتعزيز سلطتهم في المعركة السياسية، بعيدا عن أنظار من يمكن أن يعترض.

لكن الأمور لم تكن بسيطة كما تصور مستشار خامنئي، خاصة عندما بدأت تظهر بعض الفتيات اللواتي قررن أن يكون زواجهن “مستورا” و”غير معلن” إلى حد ما. هؤلاء اللواتي لم يكن لديهن الرغبة في الظهور كأدوات في اللعبة السياسية، بل فضلّن أن تظل حياتهن الشخصية بعيدة عن الأضواء. وكأنهن يحملن في طياتهن رسالة غير مباشرة، مفادها أنهن لا يرغبن في أن يُستخدم زواجهن وطلاقهن كمبرر لسياسات لا تمثلهن.

لكن، كما هي العادة في أوقات الصراعات السياسية، لم يكن من السهل على هؤلاء الفتيات أن يختاروا مصيرهن بعيدًا عن دائرة الاستغلال. فحتى الفتيات اللاتي تزوجن “مستورات” اضطررن في النهاية إلى إخفاء حقيقة الطلاق، كي لا يظهرن وكأنهن جزءًا من مسلسل طويل من التلاعب السياسي. فكل حركة كانت تُنظر بعين الشك، وكل علاقة كانت ممكن أن تُساء استخدامها لصالح نهج سياسي غريب.

وهكذا، تحول كل شيء، من الصحف إلى الأعراس، ومن العلاقات إلى الصور في “نداء الوطن”، إلى جزء من مسلسل غير عادي يتلاعب بالمشاعر والأحداث لمصلحة القوى السياسية التي لا تترك مجالًا لأي طموحات شخصية أو إنسانية غير موجهة نحو أهدافها.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

»أرماندو كورتشيو« الإيطالي يمنح جمال سند السويدي الدكتوراه الفخرية تقديراً لمسيرته الفكرية والعلمية

منح معهد »أرماندو كورتشيو« الأكاديمي الإيطالي (Istituto Armando Curcio)، يوم الاثنين 12 أكتوبر 2026، برئاسة …