وضع الشيعة الحساس في مرحلة إعادة الإعمار: وزارة المالية كغطاء محلي لتخفيف الرقابة الدولية

وضع الشيعة الحساس في مرحلة إعادة الإعمار.  وزارة المالية كغطاء محلي لتخفيف الرقابة الدولية. في ظل الأزمات الاقتصادية والسياسية التي يعيشها لبنان، وفي مرحلة تتجه فيها البلاد نحو إعادة الإعمار، يجد الثنائي الشيعي، المتمثل بحركة أمل وحزب الله، نفسه في وضع حساس يتطلب استراتيجيات دقيقة لتأمين نفوذه وتخفيف النقمة الدولية. تمسكهم بوزارة المالية يعكس هذا التوجه، حيث تُعتبر الوزارة مفتاحًا لإدارة الأموال والمشاريع بما يضمن السيطرة المحلية ويخفف من الرقابة الدولية على مصادر وتوجهات الأموال.

وزارة المالية كغطاء محلي في ظل الضغوط الدولية

تأتي أهمية وزارة المالية من كونها تلعب دورًا مركزيًا في إدارة الموازنات العامة وتوجيه النفقات الحكومية. بالنسبة للثنائي الشيعي، فإن السيطرة على الوزارة تتيح لهم تمرير الأموال المخصصة لإعادة الإعمار تحت غطاء محلي مقبول، ما يساعد في مواجهة الضغوط الدولية التي قد تثير الشكوك حول مصادر هذه الأموال أو طرق استخدامها. في ظل العقوبات المفروضة على أطراف محلية ودولية مرتبطة بالثنائي، يصبح كل منصب يُخفف من الرقابة الدولية ويُسهل تدفق الأموال أمرًا مستحبًا لضمان تنفيذ مشاريع إعادة الإعمار دون عراقيل.

دوافع التمسك بوزارة المالية

  1. التوقيع الثالث كأداة نفوذ سياسي

    تُعتبر وزارة المالية أحد المكونات الرئيسية في السلطة التنفيذية اللبنانية، حيث يُمنح وزيرها الحق في “التوقيع الثالث” إلى جانب رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. هذا الدور يسمح للثنائي الشيعي بالتأثير المباشر على القرارات الحكومية ذات الطابع الاقتصادي، ما يعزز نفوذهم في الدولة.

  2. إدارة أموال إعادة الإعمار

    مع التركيز على إعادة بناء المناطق المتضررة، التي تتمركز بشكل كبير في المناطق ذات الأغلبية الشيعية، يُمكن للسيطرة على وزارة المالية ضمان توجيه الأموال بشكل يخدم هذه المناطق، مما يساعد في تهدئة النقمة الاجتماعية وتعزيز القاعدة الشعبية للثنائي الشيعي.

  3. التحكم في توزيع الموارد

    إن السيطرة على وزارة المالية تُتيح للثنائي الشيعي توجيه الموارد بشكل استراتيجي، مع إمكانية إنشاء آليات تُقلل من التدقيق الخارجي على المشاريع. هذا الأمر يفتح المجال لتسهيل إنشاء الشركات والمؤسسات دون رقابة صارمة، وهو ما قد يُثير تساؤلات حول الشفافية.

  4. التعامل مع العقوبات الدولية

    في ظل العقوبات المفروضة على أطراف مرتبطة بالثنائي الشيعي، يُمكن استخدام وزارة المالية كأداة لتجاوز هذه العقوبات بشكل غير مباشر. من خلال تقديم غطاء قانوني ومالي للأموال المتدفقة، تُصبح الوزارة وسيلة لتخفيف الضغوط الدولية وتمرير المشاريع داخليًا.

الفساد وانعدام الشفافية في وزارة المالية

تشير تقارير دولية ومحلية إلى أن وزارة المالية، كباقي مؤسسات الدولة اللبنانية، عانت من غياب الشفافية والرقابة، ما أدى إلى تفشي الفساد. أظهرت تقارير مثل تلك الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) أن استغلال السلطة لتحقيق مكاسب شخصية أو طائفية كان من أبرز التحديات التي واجهتها الوزارة. إضافة إلى ذلك، يُظهر الواقع أن ضعف الأجهزة الرقابية في لبنان أسهم بشكل مباشر في السماح لبعض الأطراف باستخدام النفوذ الوزاري لتمرير مشاريع ذات طابع خاص.الإضافة إلى ذلك، أظهرت دراسة حول دور الشفافية والمساءلة Transparency في الحد من الفساد الإداري في القطاعات الحكومية أن عدم كفاءة الأجهزة الرقابية وعدم منحها الصلاحيات الكافية يؤدي إلى انتشار الفساد

تعقيدات إعادة الإعمار وانتعاش الاقتصاد

رغم أهمية إعادة الإعمار، فإن الاعتماد على قطاع واحد، مثل البناء، لتوليد انتعاش اقتصادي شامل يُعد تصورًا قاصرًا. الاقتصاد اللبناني يعاني من أزمات هيكلية تشمل انهيار النظام المصرفي، ارتفاع معدلات البطالة، وانخفاض الثقة في المؤسسات. لذا، فإن تحفيز قطاع البناء وحده دون إصلاح شامل في القطاعات الاقتصادية الأخرى لن يُحقق النمو المستدام.

في مرحلة إعادة الإعمار، يبرز تمسك الثنائي الشيعي بوزارة المالية كوسيلة لتعزيز نفوذهم السياسي والاقتصادي، وتأمين غطاء محلي يواجه الرقابة الدولية. ومع استمرار الجدل حول مبدأ المداورة في الحقائب الوزارية، تبقى وزارة المالية محورًا أساسيًا في تشكيل الحكومة اللبنانية، وسط تساؤلات حول مدى قدرة البلاد على تجاوز الحسابات الطائفية نحو إصلاحات حقيقية تُعيد بناء الاقتصاد اللبناني على أسس شفافة ومستدامة.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …