سعد الحريري يعود بثبات: بداية جديدة أم استعادة للدور المفقود؟

نانسي اللقيس

في الذكرى العشرين لاغتيال الرئيس رفيق الحريري، أعلن سعد الحريري عودته إلى الساحة السياسية بعد ثلاث سنوات من التغييب الطوعي، مؤكدًا أن “تيار المستقبل” سيستعيد دوره في المشهد اللبناني. بدا خطابه متوازنًا، جامعًا بين الواقعية السياسية والتأكيد على الثوابت الوطنية، مما يعكس رغبة جدية في الانخراط مجددًا في الحياة السياسية، ولكن وفق أسس جديدة تتماشى مع المتغيرات الداخلية والإقليمية. بعد قرار تعليق نشاطه السياسي عام 2022، جاءت عودة الحريري في توقيت حساس، حيث يشهد لبنان مرحلة انتقالية مع وصول قائد الجيش السابق جوزاف عون إلى سدة الرئاسة، وهو ما يشير إلى رغبة الحريري في مواكبة هذه المرحلة والانخراط في ترتيباتها السياسية. كما حمل خطابه إشارات واضحة إلى التزامه باستعادة الدور السني في المعادلة السياسية، وإعادة تنظيم التيار بما يضمن حضورًا فاعلًا في الاستحقاقات المقبلة. في موقف لافت، تحدث الحريري عن استقرار سوريا وضرورة التعامل مع “القيادة السورية الجديدة”، في إشارة إلى تغيّر في مقاربة “المستقبل” للملف السوري، وربما استعدادًا للتكيف مع الوقائع الإقليمية المستجدة. كما عبّر عن دعمه للعهد الجديد في لبنان، مشيدًا بخطاب القسم للرئيس جوزاف عون، ما يعكس رغبة في التعاون بعيدًا عن الصدامات السابقة، خاصة في ظل الدعم العربي والدولي للحالة السياسية الجديدة في لبنان. ورغم أنه لم يذكر “حزب الله” بالاسم، إلا أن حديثه عن احترام القرارات الدولية والتوازنات الداخلية كان إشارة ضمنية إلى ضرورة التزام كل الأطراف بحدود الدولة، وهو موقف ينسجم مع نهج الحريري في التعامل مع الحزب خلال السنوات الماضية. كما وجّه رسالة مباشرة إلى جمهوره بأن “المستقبل” مستمر، لكن بروح متجددة تحاكي التحديات الراهنة بدلًا من الاستقطابات الحادة التي سادت في المرحلة السابقة. عودة الحريري لا تبدو مجرد خطوة تكتيكية أو ظرفية، بل تشير إلى قرار ثابت بإعادة التموضع السياسي على أسس أكثر براغماتية، تتيح له الانخراط بفعالية في المشهد اللبناني. مع غياب بديل قوي لتيار “المستقبل”، فإن هذه العودة ستعيد خلط الأوراق داخل الساحة السنية، وربما تؤسس لمرحلة جديدة من إعادة ترتيب البيت الداخلي للتيار، استعدادًا للاستحقاقات المقبلة. كما أن الحريري، في خطابه، بدا حريصًا على ترميم العلاقة مع المملكة العربية السعودية، من خلال تبني خطاب داعم لدورها في لبنان والمنطقة. خطاب سعد الحريري في 14 شباط 2025 هو إعلان واضح عن عودة دائمة، تحمل في طياتها تغييرات في النهج والأدوات، دون أن تمس جوهر الثوابت التي انطلق منها “تيار المستقبل”. فهل سيتمكن الحريري من استعادة زخمه السياسي وسط المشهد المتغير؟ الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …