دور التعليم في بناء المواطنة: بين حرية التفكير وتجاوز الانقسامات الطائفية

إن أجمل الذكريات العفوية هي تلك التي يكون مسرحها المدرسة، بكل أخطائها وتناقضاتها، فلا شيء يبقى في الذاكرة إلا تلك المشاغبات التي شكّلت وعينا وصقلت شخصياتنا. فعند أشد لحظات الضيق، يتذكر الإنسان كيف شاغب بسبب رأي، وكيف أنشأ مجموعة بسبب فكرة، وكيف حمس الجميع من أجل الحرية، كما شاهدنا في أفلام مثل ‘Dead Poets Society’ حيث ألهم الأستاذ تلاميذه لتحدي القيود الاجتماعية عبر الفكر الحر، أو فيلم ‘Braveheart’ الذي أبرز كيف يمكن للكفاح من أجل الحرية أن يكون ملهمًا للمجتمعات. هذه الأفلام وغيرها حققت نسبة مبيعات عالية، مما يعكس تعطش الناس لرؤية قصص تعزز قيم الحرية والمواطنة الفاعلة.. لكن في الوقت ذاته، لا يمكن إغفال كيف يمكن أن يتحول الدين من عنصر روحي يعزز القيم الأخلاقية إلى أداة قمعية داخل المؤسسات التعليمية، خاصة عندما يُفرض كمنهج تربوي صارم يربط الخطأ بالعقاب، ويصيغ بيئة تعليمية تخنق حرية التفكير. كما أشار التربوي البرازيلي باولو فريري في كتابه ‘تعليم المقهورين’ إلى أن ‘التعليم القمعي يخلق طلابًا سلبيين، يخافون من التفكير النقدي، ويستوعبون المعرفة كحقائق ثابتة بدلاً من التساؤل عنها’، مما يؤدي إلى بيئة تعليمية تفتقر إلى الإبداع والحرية الفكرية.

علاوة على ذلك، عندما تمتزج مفاهيم الثواب والعقاب بمبررات دينية، فإن ذلك يؤدي إلى تراجع المشاعر الوطنية، خاصة في بلد مثل لبنان، الذي يعاني من انقسامات طائفية تجعل الاختلاط الثقافي نادرًا في بعض المناطق. إن هذه البيئة المغلقة تُعزز الانتماءات الطائفية على حساب الانتماء الوطني، مما يقلل من فرص بناء مجتمع قائم على المواطنة المتساوية. وبالتالي، يصبح التعليم أداة إما لتعزيز المواطنة وإما لتكريس التقسيم المجتمعي.

تعزيز ثقافة المواطنة في المدارس: نحو تعليم قائم على الحرية الشخصية واحترام التنوع

تعد المدارس، بما في ذلك الدينية منها، بيئة أساسية لترسيخ ثقافة المواطنة وتعزيز القيم الديمقراطية التي نص عليها الدستور اللبناني. غير أن طبيعة اللغة المستخدمة في التعليم تلعب دورًا حاسمًا في تحقيق هذه الأهداف أو إعاقة تحقيقها. فإذا كانت لغة التعليم تعتمد على الإهانة، التحطيم، والتقليل من قدرات الطلاب، فإنها تخلق بيئة قمعية تعزز الخضوع بدلاً من التفكير النقدي. وكما يقول عالم التربية الأمريكي جون ديوي: “التعليم ليس تحضيرًا للحياة، بل هو الحياة ذاتها”، مما يعني أن الطريقة التي يتم بها تعليم الطلاب تنعكس مباشرة على تكوينهم الفكري والاجتماعي. فوفقًا للمادة 9 من الدستور، تُعد حرية الاعتقاد مطلقة، مما يعني أن التعليم، حتى في المؤسسات الدينية، يجب أن يكون منطلقًا من مبادئ الحرية الشخصية وليس أداة لتشكيل هوية دينية أو فكرية واحدة تُفرض على التلاميذ.

المواطنة والتعليم الديني: توافق لا تناقض

إن تعليم الدين في المدارس يجب أن يكون وسيلة لتعريف التلاميذ بالثقافات والمعتقدات المختلفة، وليس آلية لفرض فكر معين أو لممارسة التمييز على أساس المعتقد. فمن الضروري أن يُقدَّم الدين كجزء من التعليم العام بأسلوب يحترم الحريات الفردية، بحيث يكون خيارًا وليس إجبارًا. إن احترام التنوع الديني في المدارس يضمن تعزيز قيم التسامح والانفتاح، وهو ما يدعمه الدستور اللبناني من خلال حمايته للحريات الدينية وعدم الإخلال بالنظام العام. وهذا التنوع الديني داخل المؤسسات التعليمية يمكن أن يكون وسيلة للتعرف على الآخر وتجاوز الانقسامات الطائفية، مما يساهم في خلق مجتمع متماسك ومتعدد الثقافات.

التفكير النقدي وأهميته في المواطنة والدستور

التفكير النقدي هو القدرة على تحليل المعلومات وتقييمها بشكل مستقل لاتخاذ قرارات مستنيرة. إنه حجر الأساس في بناء مجتمع ديمقراطي يقوم على النقاش الحر والمساءلة. في سياق التعليم والمواطنة، يساهم التفكير النقدي في تنشئة جيل قادر على التمييز بين المعلومات الصحيحة والمغلوطة، واتخاذ مواقف قائمة على الأدلة بدلًا من الاستجابة العاطفية أو الإملاءات العقائدية. وكما يقول الفيلسوف جون ستيوارت ميل: “إذا لم تناقَش الأفكار بحرية، فإن الحقيقة نفسها ستضيع في الظلام”.

يرتبط التفكير النقدي بالدستور اللبناني من خلال التأكيد على حرية الفكر والاعتقاد كما ورد في المادة 9، مما يعني أنه لا ينبغي فرض منهج تربوي يحدّ من استقلالية التفكير لدى التلاميذ. المواطنة الفاعلة تستوجب أن يكون الفرد قادرًا على تحليل الأحداث والقرارات السياسية والاجتماعية بموضوعية، وهو ما يعزز الروح الديمقراطية التي يسعى الدستور لترسيخها. على الجانب الآخر، فإن فرض منهج تربوي يجعل الإنسان يعتقد أنه إن لم يتبنَّ أفكار الآخر فهو ضائع، يؤدي إلى القضاء على حرية الخيار والاكتشاف، مما يحرم الأفراد من فرصة الاستمتاع بالتنوع الفكري وكسر القوالب النمطية. وكما يقول نعوم تشومسكي: “إذا لم نؤمن بحرية التعبير للأشخاص الذين نحتقرهم، فنحن لا نؤمن بها على الإطلاق”، مما يعكس أهمية البيئة التربوية التي تشجع على التفكير المستقل دون فرض قيود فكرية تعوق التطور الفردي والمجتمعي.

على مستوى المناهج التعليمية، فإن غياب التفكير النقدي يحوّل العملية التعليمية إلى تلقين، مما يؤدي إلى إضعاف قدرة الطلاب على المشاركة الفاعلة في المجتمع. لذا، فإن تعزيز التفكير النقدي داخل النظام التعليمي ينعكس على سلوكيات الأفراد لاحقًا، ويحول دون نشوء أجيال تعتمد على الامتثال الأعمى دون مساءلة.

الزواج المختلط وتأثيره على التربية والتقدم الفكري

مقابل كل زواج مختلط، هناك زواجات أخرى تعكس الانقسامات الطائفية الراسخة في المجتمع اللبناني. إن هذا الانقسام لا يتعلق فقط بالاختلاف الديني، بل يمتد ليشمل أنماط التفكير والتربية داخل الأسر. فالزواج المختلط يمثل نموذجًا لكسر الحواجز الاجتماعية وتقديم تجربة أسرية تقوم على التنوع والانفتاح الفكري، وهو ما ينعكس إيجابيًا على التربية داخل الأسرة ويسهم في تقوية مفهوم المواطنة لدى الأجيال الجديدة.

يرتبط الزواج المختلط أيضًا بالتربية الحديثة التي تحفز الأطفال على تبني هوية وطنية شاملة بدلًا من الارتباط الحصري بالهوية الطائفية. وكما يشير عالم الاجتماع بيير بورديو، فإن “التنشئة الاجتماعية هي التي تحدد إلى حد كبير سلوك الأفراد وتوجهاتهم الفكرية”، مما يعني أن الأسر التي تعتمد على الانفتاح والاندماج قادرة على إنتاج أفراد أكثر مرونة وتقبلاً للتعددية الثقافية.

أما من الناحية التعليمية، فإن تكريس الانقسامات الطائفية داخل المدارس يعيق تقدم التفكير النقدي والوعي المجتمعي، إذ يحد من فرص التواصل والتفاعل مع الآخر المختلف دينيًا واجتماعيًا. على النقيض، فإن تجربة الزواج المختلط يمكن أن تقدم نموذجًا حيويًا للطلاب يوضح أهمية التعاون والتكامل بين مختلف الفئات داخل المجتمع، مما يعزز التربية على أساس القيم الديمقراطية والمواطنة الشاملة.

القيم المشتركة في ظل العولمة والإنسانية

إن العولمة اليوم تفرض واقعًا جديدًا يتطلب تجاوز المفاهيم التقليدية للهوية الدينية والطائفية نحو تعزيز القيم المشتركة التي تربط جميع البشر. فالتعليم يجب أن يكون وسيلة لنقل القيم الإنسانية العالمية مثل التسامح، المساواة، وحقوق الإنسان، بدلًا من التركيز على الانقسامات الثقافية أو الدينية. بعيدًا عن تفاصيل الحروب اللبنانية التي يجب استخلاص العبر منها، فإن بناء مجتمع أكثر عدلًا وتسامحًا يتطلب دمج هذه القيم في المناهج الدراسية، وتعزيز بيئة مدرسية تشجع الحوار والتفاعل بين الطلاب من خلفيات مختلفة.

الوعي الطبقي ودوره في ترسيخ المواطنة

إن الوعي الطبقي يشكل عنصرًا حاسمًا في تحقيق مجتمع ديمقراطي قائم على العدالة والمساواة. في كثير من الأحيان، يستغل بعض من يفتقرون إلى حس المواطنة بساطة الإيمان للتحكم بالوعي الطبقي، مما يسهم في تعميق الفوارق الاجتماعية والاقتصادية. إن الوعي الطبقي ليس مجرد مفهوم نظري، بل هو قدرة الفرد على إدراك موقعه داخل المجتمع والتفاعل معه بوعي نقدي.

في هذا السياق، من الضروري تفنيد الفكرة السائدة بأن أبناء “الطبقة” العليا لديهم معايير غير دينية أو لا دينية، بينما أبناء الطبقة الدنيا هم أكثر تدينًا. فالواقع يثبت أن الجريمة الفعلية لا تتبع هذا التصنيف، بل إنها تنتشر في البيئات التي تفتقر إلى العدالة الاقتصادية والاجتماعية، حيث يؤدي غياب الفرص والمساواة إلى تزايد السلوكيات الإجرامية. وفقًا لعالم الجريمة إميل دوركايم، فإن الجريمة ليست مجرد سلوك منحرف، بل هي نتاج لظروف اجتماعية واقتصادية تفتقر إلى العدالة والمساواة. بينما يشير روبرت ميرتون في نظريته عن “الأنومي” إلى أن غياب الفرص الاقتصادية يدفع الأفراد إلى تبني سلوكيات إجرامية كوسيلة للبقاء والتقدم في مجتمع غير متكافئ.

دور الشرطة المجتمعية في تعزيز المواطنة والحد من الجريمة المنظمة

من الملاحظ أن بعض العائلات التي تنشر الجريمة المنظمة تتستر تحت غطاء الدين، مما يزيد من تعقيد مشكلة الطائفية والانقسامات الاجتماعية. إن معالجة هذه الظاهرة تتطلب التركيز على تعزيز المواطنة الفاعلة عبر دمج الشرطة المجتمعية في النظام التعليمي والثقافة الدينية بطريقة ترفع من قيم الإنسانية والتضامن الاجتماعي.

بدلًا من التركيز على كيفية دمج عائلات ومحيط الجريمة المنظمة في النظام الاجتماعي، يمكن توجيه التفكير نحو كيفية بناء مجتمع اقتصادي منتج، يعتمد على تعزيز فرص العمل، والتعليم الحديث، والمشاركة الفعالة في الحياة العامة. إن دمج القيم الدينية بشكل إيجابي في الشرطة المجتمعية يمكن أن يساهم في نشر ثقافة الاحترام المتبادل والتعايش، مما يسهم في خلق بيئة أكثر استقرارًا وعدالة للجميع.

إن تعزيز ثقافة المواطنة في المدارس، سواء كانت دينية أم غير دينية، يتطلب الالتزام بمبادئ الدستور اللبناني وروحيته التي تضمن الحرية الشخصية للجميع. فلا يجوز أن يتحول الدين إلى منهج تربوي عقابي، بل يجب أن يبقى منطلقًا للحرية الفكرية والاحترام المتبادل. بهذا النهج، يمكن للمؤسسات التعليمية أن تؤدي دورها في بناء جيل يحترم التنوع ويؤمن بالمواطنة الحقيقية القائمة على الحقوق والواجبات المتساوية. إن بناء مجتمع قائم على المواطنة لا يمكن أن يتحقق إلا عبر تعليم يحترم الحريات الفردية، ويشجع على قبول الآخر، بعيدًا عن التقسيمات الطائفية والانتماءات الدينية الضيقة.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …