كيف يؤخر استيراد السلاح من قِبل الفاعلين غير النظاميين التنمية الاقتصادية في لبنان

يواجه لبنان أزمة عميقة متعلقة بحيازة السلاح خارج إطار منظومة الدولة، حيث تسيطر جماعات مسلحة غير نظامية على ترسانات ضخمة من الأسلحة المستوردة من الخارج. هذه الظاهرة لا تشكل تحدياً أمنياً فحسب، بل تعيق بشدة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد بطرق متعددة ومعقدة.

احتكار الدولة للسلاح كأساس للتنمية

ضرورة الاحتكار الدولتي للقوة

يُعتبر احتكار الدولة لوسائل العنف المشروع من الأسس الجوهرية للدولة الحديثة، كما أكده عالم الاجتماع ماكس ويبر. في السياق اللبناني، صرح رئيس الوزراء نواف سلام أن “إعادة تأسيس احتكار الدولة اللبنانية للسلاح يمثل أكثر من ‘حاجة’ لسيادة لبنان قبل أن يكون حتى مطلباً من الخارج”. هذا الاحتكار ليس مجرد مسألة سيادة، بل شرط أساسي لخلق بيئة اقتصادية مستقرة ومناسبة للاستثمار والنمو.

التحديات الراهنة في لبنان

تواجه الحكومة اللبنانية تحدياً كبيراً في فرض سيطرتها على السلاح، حيث كلفت مجلس الوزراء الجيش اللبناني في أغسطس 2025 بوضع خطة لحصر السلاح بست قوى أمنية رسمية بحلول نهاية العام. غير أن هذا القرار واجه رفضاً قاطعاً من حزب الله، الذي اعتبر القرار “خطيئة كبرى” ووصفه بأنه “يخدم مصالح إسرائيل بالكامل”.

التأثير الاقتصادي المباشر لاستيراد السلاح غير المشروع

فقدان العوائد المالية للدولة

عندما تستورد الجماعات غير النظامية السلاح خارج إطار الدولة، تحرم الخزينة العامة من عوائد جمركية وضريبية ضخمة. بلغت قيمة واردات لبنان من الأسلحة والذخائر رسمياً 16.39 مليون دولار في عام 2023، لكن هذا الرقم لا يعكس الحجم الحقيقي للتهريب غير المشروع الذي يقدر بمئات الملايين من الدولارات سنوياً.

عبء الإنفاق الدفاعي على الموازنة العامة

يشكل الإنفاق العسكري في لبنان عبئاً ثقيلاً على الموازنة العامة، حيث بلغ 8.91% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2023، وهو معدل يفوق المتوسط العالمي البالغ 2.3%. هذا المعدل المرتفع يأتي جزئياً كاستجابة لوجود ميليشيات مسلحة خارج سيطرة الدولة، مما يجبر الحكومة على زيادة إنفاقها الدفاعي دون تحقيق الهدف المنشود من الأمن والاستقرار.

تأثير “الاقتصاد الحربي” على التنمية

تشويه الأولويات الاقتصادية

تؤدي هيمنة الجماعات المسلحة إلى تشويه الأولويات الاقتصادية للدولة. ففي حين تُخصص موارد ضخمة للإنفاق الدفاعي، تعاني القطاعات الحيوية مثل التعليم والصحة والبنية التحتية من نقص في التمويل. أظهرت دراسة اقتصادية لبنانية أن كل 1% من الناتج المحلي الإجمالي يُخصص للإنفاق الدفاعي يؤدي إلى خسارة 0.62% من النمو الاقتصادي.

فقدان رؤوس الأموال البشرية

تسحب الجماعات المسلحة آلاف الأشخاص من سوق العمل المنتج، حيث تشير التقديرات إلى أن حزب الله وحده يضم حوالي 100,000 مقاتل. هؤلاء الأفراد، الذين كان بإمكانهم المساهمة في القطاعات الإنتاجية، يتم توجيههم نحو أنشطة غير منتجة اقتصادياً. كما أن كل 1% من القوى العاملة يتم تحويلها إلى القوات المسلحة يكلف لبنان حوالي 0.46% من النمو الاقتصادي، أي ما يعادل 86 مليون دولار سنوياً بأسعار عام 1999.

تعطيل الاستثمار والنمو الاقتصادي

فقدان الثقة الاستثمارية

يؤدي وجود جماعات مسلحة خارج سيطرة الدولة إلى تآكل ثقة المستثمرين المحليين والأجانب. فالاستثمارات تحتاج إلى بيئة آمنة ومستقرة، وهو ما لا يمكن تحقيقه في ظل وجود “دولة داخل الدولة” تتحكم في قرارات الحرب والسلم. هذا الوضع يؤدي إلى هروب رؤوس الأموال وتراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

تعطيل التجارة والصادرات

تتأثر التجارة الخارجية سلباً بسبب الأوضاع الأمنية غير المستقرة. حيث تراجعت الصادرات اللبنانية بشكل كبير خلال فترات التوتر، مما يحرم البلاد من مصادر العملة الصعبة الضرورية لتمويل وارداتها الأساسية. كما أن المصانع الواقعة في المناطق المتنازع عليها تضطر للإغلاق أو نقل عملياتها، مما يؤدي إلى خسائر فادحة في الإنتاج والعمالة.

إهدار الموارد في السوق السوداء للسلاح

نمو التجارة غير المشروعة

شهدت تجارة السلاح غير المشروعة في لبنان نمواً كبيراً منذ بداية الأزمة الاقتصادية في عام 2019. حيث تراوحت أسعار المسدسات والبنادق المعروفة بين 1,000 و4,000 دولار، بينما تُباع الأسلحة المصنوعة في أوكرانيا أو تركيا بأسعار تتراوح بين 200 و500 دولار. هذا يعني أن مليارات الدولارات تُنفق سنوياً في أسواق السلاح السوداء بدلاً من توجيهها نحو الاستثمارات المنتجة.

تقديرات حجم السلاح غير المشروع

تشير تقديرات موقع Small Army Survey إلى وجود حوالي مليوني قطعة سلاح في أيدي الأفراد في لبنان، أي ما يعادل تقريباً ثلث السكان. هذا العدد الضخم من الأسلحة يمثل استثماراً هائلاً في وسائل العنف بدلاً من الأدوات المنتجة، مما يشكل استنزافاً حقيقياً للموارد الاقتصادية المحدودة في البلاد.

فقدان الفرصة للصناعة الدفاعية المحلية

غياب التنمية التكنولوجية

في البلدان التي تحتكر الدولة إنتاج أو استيراد السلاح، عادةً ما تنشأ صناعات دفاعية محلية تساهم في التطوير التكنولوجي والابتكار. هذه الصناعات تخلق فرص عمل عالية المهارة وتنتج تقنيات يمكن نقلها إلى القطاعات المدنية. لكن في لبنان، حيث تستورد الجماعات غير النظامية سلاحها مباشرة من إيران وسوريا، لا تتطور مثل هذه الصناعات المحلية.

فقدان عوائد التصدير المحتملة

تُظهر البيانات أن لبنان صدّر أسلحة وذخائر بقيمة 7.68 مليون دولار في عام 2023، بزيادة 187% عن العام السابق. رغم هذا النمو، فإن الحجم لا يزال ضئيلاً مقارنةً بإمكانيات البلاد. لو كانت الدولة تسيطر على استيراد وإنتاج السلاح، لكان بإمكانها تطوير صناعة دفاعية متقدمة تصدر منتجاتها إلى الأسواق الإقليمية والدولية، مما يساهم في تحسين ميزان المدفوعات وخلق فرص عمل متخصصة.

التكلفة الاجتماعية والاقتصادية للعنف

خسائر الحروب والصراعات

تؤدي الحروب الناتجة عن وجود جماعات مسلحة خارج سيطرة الدولة إلى خسائر اقتصادية فادحة. ففي حرب 2006 بين حزب الله وإسرائيل، قدّرت الحكومة اللبنانية الأضرار بـ2.8 مليار دولار والخسائر في الإنتاج والدخل بـ2.2 مليار دولار. كما تُقدر الخسائر الاقتصادية من التصعيد الحالي بانكماش الاقتصاد بنسبة 9.2% في حال استمرار الأعمال العدائية حتى نهاية العام.

تدمير البنية التحتية

تستهدف الصراعات المسلحة البنية التحتية الحيوية مثل المطارات والموانئ والطرق والمصانع. هذا التدمير لا يتطلب فقط استثمارات ضخمة لإعادة الإعمار، بل يعطل أيضاً النشاط الاقتصادي لسنوات طويلة. في حرب 2006، استغرق الاقتصاد اللبناني حوالي أربع سنوات للتعافي من حرب استمرت شهراً واحداً فقط.

تأثير عمليات التهريب على الاقتصاد

شبكات التهريب المعقدة

تكشف عمليات الضبط المتكررة عن وجود شبكات تهريب معقدة تنقل الأسلحة عبر الحدود اللبنانية. في مايو 2024، ضبطت السلطات شاحنتين تحملان أكثر من 700 قطعة سلاح غير مشروعة وصلت إلى لبنان عبر مرفأ طرابلس. هذه الشبكات لا تهرب السلاح فقط، بل تشارك أيضاً في تهريب المخدرات والبضائع، مما يخلق اقتصاداً موازياً يتهرب من الضرائب والرسوم الجمركية.

فقدان السيطرة على المنافذ الحدودية

يؤدي تسلل الأسلحة عبر المنافذ الحدودية غير الرسمية إلى إضعاف قدرة الدولة على السيطرة على تجارتها الخارجية. هذا لا يشمل الأسلحة فقط، بل يمتد إلى سلع أخرى، مما يحرم الخزينة العامة من عوائد جمركية مهمة في وقت تعاني فيه الدولة من أزمة مالية حادة.

البديل: نموذج الصناعة الدفاعية المحلية

التجارب الناجحة إقليمياً

تُظهر تجارب بلدان أخرى في المنطقة كيف يمكن للصناعة الدفاعية المحلية أن تساهم في التنمية الاقتصادية. فعلى سبيل المثال، تركيا طورت صناعة دفاعية متقدمة تصدر منتجاتها إلى العالم، مما يوفر آلاف فرص العمل ويساهم في النمو الاقتصادي. كما أن إسرائيل حولت صناعتها الدفاعية إلى قطاع تصديري رئيسي يساهم بمليارات الدولارات في اقتصادها سنوياً.

الإمكانيات اللبنانية المهدرة

يتمتع لبنان بموارد بشرية متعلمة ومهرة يمكنها تطوير صناعة دفاعية محلية متقدمة. لو تم توجيه الاستثمارات التي تُنفق حالياً في السوق السوداء للسلاح نحو إنشاء مصانع ومراكز بحث وتطوير دفاعية، لكان بإمكان لبنان تطوير قطاع دفاعي ينافس إقليمياً ويساهم في تحسين الوضع الاقتصادي.

الحلول والتوصيات

تعزيز سيطرة الدولة

يتطلب الحل الجذري للمشكلة تعزيز قدرة الدولة اللبنانية على فرض احتكارها للسلاح. هذا يتطلب دعماً دولياً لتقوية الجيش اللبناني وأجهزة الأمن، بالإضافة إلى إصلاحات سياسية واقتصادية شاملة تعيد الثقة في مؤسسات الدولة.

تطوير صناعة دفاعية مسؤولة

بدلاً من الاعتماد على الاستيراد غير المشروع، يمكن للبنان تطوير صناعة دفاعية محلية تخضع لرقابة الدولة وتلتزم بالمعايير الدولية. هذا سيخلق فرص عمل، ويحسن الميزان التجاري، ويساهم في التطوير التكنولوجي.

مكافحة التهريب والفساد

تحتاج الدولة إلى تشديد الرقابة على الحدود والمنافذ لمنع تهريب الأسلحة. كما يجب محاربة الفساد في الأجهزة الأمنية والجمركية التي تسهل عمليات التهريب مقابل الرشاوى.

يُظهر الوضع اللبناني كيف أن وجود فاعلين مسلحين غير نظاميين يستوردون السلاح خارج إطار الدولة يشكل عائقاً جوهرياً أمام التنمية الاقتصادية. فهذه الظاهرة تحرم الدولة من عوائد مالية مهمة، وتشوه الأولويات الاقتصادية، وتخلق بيئة غير مستقرة تطرد الاستثمارات، وتؤدي إلى إهدار الموارد في أنشطة غير منتجة. الحل الوحيد لكسر هذه الحلقة المفرغة يكمن في إعادة تأسيس احتكار الدولة للسلاح وتطوير صناعة دفاعية محلية مسؤولة تساهم في التنمية الاقتصادية بدلاً من إعاقتها.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …