تطبيق قرار حصر السلاح في لبنان: تحليل شامل للتحديات والآفاق

يمثل قرار الحكومة اللبنانية في أغسطس 2025 بحصر السلاح بيد الدولة منعطفاً تاريخياً في مسيرة لبنان الحديث. هذا القرار، الذي جاء كثمرة لتقاطع إرادات محلية ودولية، يضع الدولة اللبنانية أمام أكبر رهان سياسي وأمني منذ انتهاء الحرب الأهلية. ورغم أنه يستند إلى مرجعيات دستورية وقانونية راسخة، فإن تطبيقه يصطدم بواقع معقد من التحديات العسكرية والسياسية والطائفية، مما يجعل مستقبله محفوفاً بالفرص والمخاطر على حد سواء.

أسس القرار: شرعية منقوصة ودعم دولي حاسم

لم يأتِ القرار من فراغ، بل ارتكز على بنية قانونية متكاملة طالما بقيت حبراً على ورق. فمنذ اتفاق الطائف عام 1989 الذي نص صراحة على بسط سيادة الدولة وحل جميع الميليشيات، مروراً بقرار مجلس الأمن 1701 الذي دعا إلى “نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة”، وصولاً إلى الدستور والبيان الوزاري، كانت شرعية الدولة الحصرية للسلاح مبدأً نظرياً ثابتاً.

ما تغير في عام 2025 هو تبلور إرادة سياسية داخلية، مدعومة بزخم دولي وعربي غير مسبوق، لتحويل هذا المبدأ إلى واقع. شكّلت “الورقة الأمريكية” التي حملها المبعوث توماس باراك، إلى جانب الدعم الفرنسي والخليجي، الرافعة الخارجية التي منحت الحكومة اللبنانية الجرأة لاتخاذ هذه الخطوة. ومع ذلك، فإن هذه الشرعية تظل منقوصة على المستوى الوطني، وهو ما يمثل نقطة ضعفها الأساسية.

الشرخ السياسي: إجماع غائب ومواجهة معلنة

يكشف القرار عن شرخ عمودي في المشهد السياسي اللبناني. ففي مقابل الإجماع الحكومي (باستثناء وزراء الثنائي الشيعي) والدعم الدولي الواسع، برز رفض قاطع من حزب الله وحلفائه، الذين وصفوا القرار بـ”الخطيئة الكبرى” وأعلنوا نيتهم تجاهله بالكامل. هذا الموقف لم يكن مجرد رفض سياسي، بل هو إعلان صريح بالتمرد على سلطة الدولة، مما يحول مسألة التنفيذ من عملية إدارية إلى مواجهة سياسية وجودية.

زاد الموقف الإيراني من تعقيد المشهد، حيث اعتبرت طهران على لسان مستشار المرشد الأعلى أن نزع سلاح حزب الله “خط أحمر”، في تدخل مباشر ردت عليه الخارجية اللبنانية بحزم. هذا التصعيد يوضح أن المعركة ليست لبنانية بحتة، بل هي جزء من صراع إقليمي أوسع تدور رحاه على الأراضي اللبنانية.

خطة التنفيذ: طموح على محك الواقع

تبدو الخطة الزمنية المقترحة، والتي تمتد على 90 يوماً، طموحة للغاية بالنظر إلى حجم التحديات. فتكليف الجيش اللبناني بوضع خطة تنفيذية يضعه في قلب العاصفة. يمتلك الجيش القدرة التقنية والانتشار الجغرافي، لكنه يفتقر إلى الغطاء السياسي الشامل الذي يحميه من الانقسام الداخلي. وكما حذر الخبراء، فإن أي محاولة لفرض القرار بالقوة قد تدفع البلاد إلى “مواجهة أقرب إلى الانتحار”، ليس فقط بسبب القوة العسكرية الهائلة لحزب الله، بل لأنها قد تشق المؤسسة العسكرية نفسها على أسس طائفية.

إن نجاح الجيش في مهمته لا يعتمد على قدراته العسكرية، بل على مدى توفر التوافق السياسي الذي يسمح له بالتحرك دون إطلاق رصاصة واحدة.

حقل ألغام من التحديات

تواجه عملية التنفيذ عقبات متعددة الأبعاد:

  1. التحدي العسكري والأمني: يمتلك حزب الله ترسانة ضخمة تفوق قدرات الجيش، وانتشاره في مناطق سكنية مكتظة يجعل أي عملية عسكرية كارثية إنسانياً. إن فكرة المواجهة المباشرة مستبعدة عملياً، مما يعني أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً بحتاً.

  2. التحدي السياسي والطائفي: يكمن الخطر الأكبر في غياب الإجماع الوطني. لقد نجح حزب الله عبر سنوات في ربط سلاحه بأمن الطائفة الشيعية، وأي محاولة لنزعه بالقوة ستُصوَّر على أنها استهداف للطائفة بأكملها، مما يهدد السلم الأهلي الهش. ضعف “الثنائي الشيعي” وانعزال الحزب عن بعض حلفائه قد يضعفه سياسياً، لكنه قد يدفعه أيضاً إلى التشدد أكثر في بيئته الحاضنة.

  3. التحدي الإقليمي والدولي: يلعب المحيط الإقليمي دوراً محورياً. فسقوط نظام الأسد في سوريا (الذي تشير إليه المعطيات ضمناً) أضعف خطوط إمداد الحزب اللوجستية، لكن الموقف الإيراني الصلب لا يزال يشكل داعماً استراتيجياً أساسياً له. في المقابل، تشكل الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة للسيادة اللبنانية ورقة يستخدمها الحزب لتبرير وجود سلاحه كقوة ردع.

الآفاق والسيناريوهات المحتملة

يقف لبنان على مفترق طرق، ويمكن تلخيص المستقبل في ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

  • السيناريو الأول: النجاح التدريجي عبر التفاوض: وهو السيناريو الأمثل، حيث تؤدي الضغوط السياسية والاقتصادية، المقترنة بضمانات دولية وأمنية حقيقية، إلى إقناع حزب الله بالانخراط في حوار جدي يفضي إلى تسليم تدريجي لسلاحه الثقيل وتحوله إلى حزب سياسي بالكامل. هذا يتطلب حكمة سياسية وتطبيقاً مرناً للخطة.

  • السيناريو الثاني: المقاومة والتصعيد: وهو السيناريو الأخطر، حيث يرفض الحزب أي تسوية ويلجأ إلى الشارع أو حتى إلى مواجهات محدودة لكسر القرار، مما يدخل لبنان في دوامة من الفوضى وعدم الاستقرار قد ترقى إلى حرب أهلية جديدة.

  • السيناريو الثالث: التسوية الجزئية: وهو السيناريو الأكثر واقعية بالنظر إلى التاريخ اللبناني. قد يتم التوصل إلى تفاهم يقضي بجمع السلاح الظاهر، ونشر الجيش في مناطق جديدة، مع احتفاظ الحزب بجزء من قدراته “الدفاعية” بشكل سري، وتأجيل الحل الجذري إلى أجل غير مسمى.

  فرصة تاريخية أم مخاطرة وجودية؟

إن قرار حصر السلاح بيد الدولة هو بلا شك خطوة ضرورية لبناء دولة فعلية في لبنان. لقد نجح في إعادة طرح مسألة السيادة على الطاولة بقوة ونال دعماً دولياً غير مسبوق. لكن الطريق من القرار إلى التنفيذ محفوف بالمخاطر.

إن نجاح هذه المهمة التاريخية لا يتوقف على قوة الجيش، بل على توفر مجموعة من الشروط الحاسمة: بناء توافق وطني أوسع يعالج مخاوف جميع المكونات، وتقديم ضمانات دولية موثوقة تحمي لبنان من أي عدوان خارجي، واعتماد نهج تدريجي وتفاوضي يتجنب المواجهة المدمرة.

فشل تطبيق القرار سيعني تكريساً لواقع الدويلة على حساب الدولة، أما نجاحه، ولو كان جزئياً وتدريجياً، فسيفتح الباب أمام فرصة حقيقية لتعافي لبنان واستعادة سيادته وبناء مستقبل آمن ومزدهر لأجياله القادمة.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …