Biaf: الرسائل لهيئة الترفيه وصلت: أما الصدور العارية، دون حمالات: لا تنفع! 

تحت أضواء ساحة النجمة التي استعادت بريقها، وبشعار رومانسي هو “من قلبي سلام”، سعى مهرجان بيروت الدولي للتكريم “بياف” في دورته الثانية عشرة إلى تقديم أكثر من مجرد حفل فني؛ لقد حاول أن يكون إعلاناً صريحاً عن عودة الحياة إلى بيروت، ورمزاً لنهوض طائر الفينيق من رماده. دون ارقام تذكر للمردود الاقتصادي للمهرجان. الا انه مجرد تمدد شخصي لعلاقات شخصية. لكن التحليل العميق لما وراء الكواليس، ولقراءة شبكة العلاقات والمصالح التي تقاطعت على سجادته الحمراء، يكشف أن هذا السلام المزعوم لم يكن إلا غطاءً رقيقاً لمسرح معقد من الظلال، حيث دارت حروب ناعمة وتجلت تناقضات صارخة.  إنها رسالة سياسية للسعودية ! 

شبكة العلاقات: من المعركة الشخصية إلى صراع المحاور

لم يكن الجدل الذي أثارته مايا دياب بهجومها على أصالة نصري مجرد “زوبعة في فنجان” أو خلافاً عابراً بين فنانتين. بل كان الشرارة التي كشفت عن حريق أكبر، وعن شبكة من العلاقات الممتدة التي حولت المهرجان إلى ساحة لتصفية الحسابات. انطلاقاً من فرضية أن منظم المهرجان مدعوم من خط إعلامي وسياسي (صحيفة الأخبار) يعارض التوجه الثقافي السعودي، فإن هجوم دياب لم يعد شخصياً، بل أصبح عملاً يقع “في نطاق الاستهداف” الممنهج.

هنا، لم تعد أصالة مجرد فنانة، بل رمزاً للمشروع الفني المنافس الذي تقوده هيئة الترفيه السعودية. وبهذا، أصبح “بياف” منصة لمعركة بالوكالة، تُستخدم فيها دياب كسلاح إعلامي لإرسال رسالة تحدٍ ونفوذ. هذه الشبكة لا تتوقف عند هذا الحد، بل تتسع لتشمل كل فنان تم تكريمه، حيث يمكن قراءة وجوده كاصطفاف ضمني في هذا المشهد المستقطب.

وتكتسب هذه الشبكة بعداً دولياً لافتاً بمشاركة شخصيات من إندونيسيا، وهي دولة لا تجمعها بلبنان علاقات فنية تقليدية فحسب، بل هي أيضاً شريك أمني أساسي من خلال مشاركتها الفاعلة في قوات حفظ السلام “اليونيفيل” في جنوب لبنان. هذا الحضور الدبلوماسي-الثقافي يضع المهرجان في سياق “القوة الناعمة”. فبينما تعمل القوات الدولية على حفظ سلام هش على الحدود، كان المهرجان يشهد حرباً ثقافية لا تقل ضراوة. إنها مفارقة لبنانية بامتياز: حيث يتعايش حفظ السلام الرسمي مع إشعال الحروب الرمزية في قلب العاصمة. (اقرا :محاور القوى الخفية: كيف تستغل الجيوبوليتيك الدينية ثغرات حقوق الإنسان لإعادة تشكيل النفوذ الإقليمي)

لغة الجسد والكلمات: التحليل النفسي لـ”الشرف” المفقود

في خضم هذا الصخب، جاء تصريح ملكة جمال لبنان ندى كوسا، التي تدرس علم النفس، ليقدم مفتاحاً لفهم التوتر الكامن تحت السطح. بقولها: “دائماً أسعى لذكر اسمي بطريقة جيدة ومشرفة لبلدي في المحافل الدولية”، لم تكن كوسا تردد عبارة دبلوماسية عادية. كلمة “مشرفة” هنا تحمل ثقلاً نفسياً وأخلاقياً هائلاً. هي تلميذة “علم نفس” العلم الذي يستبعد كل الاحكام! 

من منظور علم النفس، يعكس هذا التصريح وعياً بالصورة الجمعية المتردية وبـ”وصمة العار” التي قد تلتصق بالهوية الوطنية بسبب الصراعات السياسية والأزمات الاقتصادية. إن دعوتها لتمثيل “مشرف” هي في جوهرها دعوة لإعادة بناء “تقدير الذات الوطني”. إنها محاولة واعية لتقديم نموذج مثالي ومُصلح للبنان، نموذج يتسم بالرصانة والكرامة والمسؤولية.

لكن، هل كان ما حدث في المهرجان “مشرفاً”؟ هل التهديد العلني الذي أطلقته مايا دياب “مشرف”؟ هل استعراض مجوهرات بنصف مليون دولار في بلد يعاني من انهيار اقتصادي هو فعل “مشرف”؟ تصريح كوسا، بقصده أو بغير قصده، تحول إلى حكم قيمي وإدانة صامتة للسلوكيات الأخرى التي شابت المهرجان. لقد وضعت معياراً أخلاقياً كشف عن عمق الهوة بين ما يجب أن يكون عليه لبنان وما هو عليه في الواقع.

خلاصة: المهرجان كمرآة للواقع المأزوم

في النهاية، نجح مهرجان “بياف 2025” في خلق ليلة من البريق والأناقة، لكنه فشل في إخفاء التناقضات العميقة التي يعيشها لبنان والمنطقة. لقد كان أشبه بمرآة عكست كل شيء: رسالة باميلا الكيك الإنسانية ضد العنف، بجوار رسالة مايا دياب التي تؤسس لعنف رمزي جديد. بساطة نادين الراسي وتضامنها مع الفقراء، في مقابل بذخ مريم الخالدي المستفز. وشعار “السلام” الذي تحول إلى مجرد ديكور في حفل تخللته نيران صديقة وغير صديقة.

لقد أثبت “بياف” أن تنظيم مهرجان ضخم ممكن، كم الف دولار، لا يصل الى “إجر اصالة” (!) ولا هيئة الترفيه.. ربما ادهم نابلسي قبل ان يكشف وجه حماس في اغانيه (نفس الطرف الذي رتب أمنيات المنظمين سابقا) لكن بناء سلام حقيقي، حتى لو كان على مستوى العلاقات الفنية، لا يزال مهمة مستحيلة في ظل شبكات المصالح والاستقطابات التي تحول الفن من رسالة سامية إلى مجرد أداة في صراع أكبر. أما الصدور العارية، دون حمالات: لا تنفع! 

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

من سحر خطوط الرصاص إلى حلاوة الكوكيز: حكاية ملاك فواز وعلامة (Elsewhere)

كل حكاية عظيمة تبدأ بشرارة بسيطة.. وقبل أن تصنع ملاك فواز تلك القوالب الحلوة التي …