القصيدة التي تكتبنا.. في منفى الروح والورق

تجلس في تلك الزاوية القصية من العالم، ليس بينها وبين الوجود سوى ورقة بيضاء، تظنها ساحةً للبوح، لكنها تكتشف أنها فخٌّ من نوعٍ آخر. تبدأ بكتابة “أنا”، فتبحث الحروف عن مخرج للوجع والحنين، لترسم ملامح كائنٍ يحاول النجاة من صمت المحيط. لكنها، وفي ذروة الاندماج، تدرك الحقيقة المرة: هي لا تكتب الكلمة، بل الكلمة هي التي تسبقها لتكتبها.

إنها رحلة اغترابٍ مضاعفة؛ حيث يتحول القلم من أداة للتحرر إلى “إزميل” ينحته الآخرون. فالوجوه التي تقابلها، والأطراف التي تلون حياتها، والنظريات الجاهزة التي تدّعي “التوازن النفسي”، كلها تتربص بمدادها. يتحول حزنها العفوي إلى مصطلح “اكتئاب”، وقلقها الوجودي إلى “اضطراب”، لتصبح الكلمات العلمية “مشنقة” أنيقة مصاغة ببرود القوانين، تُسقط على روحها كصكوك إدانة، لا كأوصافٍ لحالة إنسانية حيّة.

هنا، يستيقظ في النص صدى محمود درويش؛ ذاك الذي حاصروه في “الرمز” قبل أن يروه إنساناً، واستعملوه في “السياسة” قبل أن يقرؤوه في “القصيدة”. هذه المرأة تعيش ذات الحصار؛ لقد حوّلها المحيط من كائنٍ مركب يحمل قصصاً ومسافات وعرة، إلى مجرد “حالة” في ملف، أو “مشروع تدخل” تربوي وعلاجي. لقد سلبوها حقها في أن تكون “إنساناً يخطئ ويتألم”، وحولوها إلى “نص محاصر” يُقرأ من خلال الأطر والنظريات فقط.

الكتابة في عالمها ليست فعلاً فردياً، بل هي اشتباك دائم مع “عين المراقب”. كل نظرة تُوجّه إليها، وكل نصيحة تُلقى في مسمعها باسم “الإنقاذ”، تتسلل إلى قاموسها الداخلي لتفسد لغتها الخاصة. وحين تظن أنها تكتب لتخرج من دائرة الصراع، تكتشف أن القصيدة نفسها هي “ميدان المعركة”؛ فهي تُعيد قراءة ذاتها بعيونهم، وتُترجم صرخاتها بلغة “الأهداف والنتائج” التي يضعها المشرفون على “برامج التدخل”.

تتعمق الغربة حين تُطرد المرأة من سكنها داخل ذاتها. لم تعد الكلمات مِلكها؛ فحروفها تهرب من يدها لتعود إليها مشوهة بتشخيصات علمية. المحيط لا يقرأ كلماتها ليفهمها، بل ليفسرها ويُعيد تشكيلها في قوالب مريحة للنظريات. هي تبحث عن “يدٍ” تمسك يدها وهي تغرق، لكنها لا تجد إلا “أقلاماً” تسجل ملاحظاتها حول طريقة غرقها.

إنها تعيش في “منفى” غير معلن، تماماً كمنفى درويش الذي لا يفارق اللحظة. هي لا تعيش في محيط يحتضن نبضها، بل في “مختبر” يراقب تحركاتها. كل حوار نفسي معها مُعدّ مسبقاً، وكأن كل اغترابها مجرد “عطل” يمكن إصلاحه ضمن مسار نظري ممجّد، وليس جرحاً وجودياً يحتاج إلى اعتراف بآدميته.

وفي الختام، تبقى الهوية معلقة بين الورق والواقع. هل هي التي تكتب الحروف أم أن الحروف (المحملة بأحكام الآخرين) هي التي تكتبها؟ رغم هذا الحصار، ورغم تحويلها إلى “ملف” في عيادة بدلاً من “قلب” في صدر، تظل هناك “بوحة حياة” أخيرة: إنها تكتب رداً على هذه الأطر. تكتب لتعيد انتزاع نفسها من مخالب “النظرية”، وتعود لتكتب ذاتها في قلبها أولاً، قبل أن يقرأها العالم كنصٍ مشخّص.

هي شاعرة محاصرة، لا تُحتضن بل تُرصد، لا تُفهم بل تُفسّر.. لكنها تستمر في الكتابة، لأن الحرف -رغم غربته- هو الجسر الوحيد المتبقي بينها وبين ما تبقى من روحها

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

سيكولوجية المقامر وتوارث التدمير

في كتابه “سيكولوجية المقامر”، يقدم الدكتور أكرم زيدان قراءة فاحصة لظاهرة المقامرة، متجاوزاً التفسيرات السطحية …