لم تكن حادثة اغتيال رفيق الحريري في 14 شباط 2005 مجرد زلزال سياسي ضرب أركان الشرق الأوسط، بل كانت، في جوهرها العميق، عملية “تصفية حسابات” داخل بنية مافياوية معقدة تدير اقتصاد الظل في لبنان. لكي نفهم لماذا انفجرت تلك الشاحنة، يجب أن نعود إلى ما وراء الستار، حيث تتقاطع المصارف، الديون السيادية، صفقات الإعمار، وشبكات الاستخبارات العابرة للحدود.
أولاً: هندسة التبعية.. الاقتصاد الريعي كفخٍّ سياسي
منذ اتفاق الطائف عام 1990، لم يُبنَ لبنان كدولة إنتاجية، بل كـ “منصة ريعية”. قام النظام على معادلة خطرة: تثبيت سعر صرف الليرة بفوائد مرتفعة جداً لجذب الودائع، ثم استخدام هذه الودائع لتمويل عجز الدولة عبر سندات الخزينة. هذا النموذج لم يخلق اقتصاداً، بل خلق “تحالفاً مقدساً” بين الطبقة السياسية والطبقة المالية.
في هذه البيئة، تحولت البنوك من مؤسسات ائتمان إلى أدوات لتمويل “الزبائنية الطائفية”. السياسيون يشرعون القوانين التي تخدم المصارف، والمصارف تمول عجز الحكومة الذي يذهب جزء كبير منه كـ “رشى” وشبكات خدمات لضمان الولاء الشعبي. السعودية من جهتها، كانت الراعي الأكبر لهذا الاستقرار الهش عبر ضخ الأموال ودعم الحريري، بينما كان الشيعة في لبنان يُدمجون في النظام عبر “مقايضة صامتة”: نفوذ سياسي وعسكري مقابل حصة في ريع الدولة، دون المساس بالبنية المالية الاحتكارية.
ثانياً: بنك المدينة.. الصندوق الأسود لـ “المافيا المشتركة”
إذا أردنا البحث عن “الخيط الجنائي” المالي لاغتيال الحريري، فإن “بنك المدينة” يبرز كعنوان رئيسي. لم يكن البنك مجرد مؤسسة متعثرة، بل كان “مغسلة أموال” عالمية تخدم المافيا السورية-اللبنانية المشتركة. كشفت فضيحة البنك عام 2003 عن ثقب أسود من القروض المشبوهة وتمويل العمليات السرية لأجهزة المخابرات.
تقارير دولية، منها تقرير “ديتلف ميليس”، لمحت إلى أن التلاعب المالي في بنك المدينة والفساد الذي نخر أركانه كان دافعاً أساسياً للتخلص من الحريري. لماذا؟ لأن الحريري، رغم كونه ركيزة للنظام المالي، بدأ يمثل تهديداً لهذه الشبكات الأمنية-المالية في لحظة دولية ضاغطة طالبت بالشفافية والانسحاب السوري. اغتيال الحريري كان “ضربة وقائية” لمنع كشف أسرار هذا الصندوق الأسود الذي كان يمول “العمليات القذرة” للمافيا الحاكمة.
ثالثاً: سيكولوجية المافيا.. القديس والقاتل في وجه واحد
تتشابه المافيا اللبنانية-السورية قبل 2005 مع “كوزا نوسترا” الإيطالية أو “الياكوزا” اليابانية في فلسفة البقاء. هذه المنظمات لا تكتفي بالعنف، بل تسعى دوماً لارتداء ثوب “القداسة”.
-
الوجه القديس: تماماً كما تبني عصابات المخدرات في كولومبيا المدارس والملاعب، كانت الطبقة السياسية والاقتصادية في لبنان تقدم نفسها كـ “منقذ وإعماري”. رفيق الحريري نفسه جسّد هذا الدور عبر مشاريعه التعليمية والإعمارية، مما منحه شرعية شعبية غطت على “الثقوب المالية” للنظام الريعي.
-
الوجه القاتل: خلف الواجهة القانونية للمصارف وشركات العقارات، كانت تعمل شبكة إجرامية تدير التهريب عبر المرافئ، وتنهب المال العام (ما يقدر بـ 38 مليار دولار تم نهبها بين 1993-2004). عندما يقف أي شخص – حتى لو كان من داخل النظام مثل الحريري – عائقاً أمام استمرارية تدفق “الريع الملوث” أو يحاول تغيير قواعد اللعبة المالية، تتحرك “الآلة الأمنية” للتصفيّة الجسدية.