“منظمة الشفافية الدولية”: الفساد الدفاعي يقوض شرعية المؤسسات بشكل خطير

تُعدّ فكرة “نشر الفساد” كأداة للسيطرة المؤقتة جزءاً مما يُعرف في الأدبيات الجيوسياسية الحديثة بـ “الفساد الاستراتيجي كسلاح” (Weaponized/Strategic Corruption). في هذه المقاربة، لا يُنظر إلى الفساد كخلل إداري، بل كـ “أداة هندسة سياسية” تُستخدم لترويض الكيانات العقائدية والميليشيات، وتحويلها إلى مجرد وكلاء نفعيين يمكن التخلص منهم بمجرد انتهاء الغرض منهم.

1. استراتيجية الاستيعاب وتخليق “رأسمالية المحاسيب”

تعتمد القوى الكبرى (أو الأنظمة) على استراتيجية “الاستيعاب” (Co-optation) للتعامل مع الخصوم العقائديين الصعبين. بدلاً من المواجهة العسكرية المكلفة، يتم فتح قنوات خلفية تتيح لقادة هذه الفصائل احتكار قطاعات اقتصادية حيوية، أو إدماجهم في صفقات الإعمار ومشتريات السلاح.

يؤدي هذا إلى تحويل “أمراء الحرب” إلى “أوليغارشية مالية” أو رأسمالية محاسيب (Crony Capitalists). الهدف هنا هو تغيير “الحافز الأساسي” للكيان؛ فعندما تصبح ثروة القائد العقائدي مرتبطة باستقرار السوق أو برضا القوى المانحة، يتوقف عن كونه تهديداً وجودياً، ويصبح مجرد شريك تجاري فاسد يسهل ابتزازه.

2. تدمير “الشرعية الشعبية” ذاتياً (الانتحار الناعم)

تُعد المؤسسات الدفاعية والعسكرية في الشرق الأوسط من أكثر القطاعات عُرضة للفساد وانعدام الرقابة، حيث تُستخدم الميزانيات الضخمة لشراء الولاءات بدلاً من تعزيز القدرات الحقيقية. عندما يتم استدراج الكيانات العقائدية للدخول في هذا المستنقع (مثل التورط في تهريب الموارد، أو تلقي عمولات صفقات دفاعية)، فإنها تفقد تدريجياً الحاضنة الشعبية التي كانت تؤمن بنقائها الثوري.

يُشير خبراء مكافحة الفساد في “منظمة الشفافية الدولية” إلى أن الفساد الدفاعي يقوض شرعية المؤسسات بشكل خطير. هذا التآكل للشرعية هو هدف استراتيجي بحد ذاته؛ فالفصيل الفاسد الذي يفقد دعم حاضنته الشعبية يصبح “معلقاً في الهواء”، ما يجعله فريسة سهلة عند اتخاذ قرار التخلص منه.

3. مرحلة “انقطاع الحاجة”: آليات التخلص من الوكيل الفاسد

عندما تتحقق الأهداف الاستراتيجية (مثل تفكيك قدرة الخصم أو تأمين مصالح معينة)، تنتهي الحاجة لهؤلاء الوكلاء الفاسدين. وهنا يبدأ مسار “التخلص منهم” عبر أدوات قانونية وسياسية كانت مُعطلة عمداً:

  • المقصلة القانونية الدولية: بمجرد انتهاء صلاحية هؤلاء الفاعلين، يتم تفعيل القوانين التي تم التغاضي عنها سابقاً، مثل قانون ممارسات الفساد الأجنبية (FCPA) وقوانين مكافحة غسيل الأموال، ليتم تجميد أصولهم وملاحقتهم دولياً بوصفهم مجرمين ماليين، وليسوا قادة سياسيين.

  • التعرض لمقص “الانحراف والوكالة” (Agency Slack): في علم السياسة، يُمثل الوكلاء كيانات تبحث عن مصالحها الذاتية، وقد ينحرفون عن توجيهات الممول (Agency Slack). عندما يمارس هؤلاء الوكلاء “العمالة المزدوجة” أو يحاولون التمرد، تستخدم القوى الكبرى ملفات الفساد التي وثقتها ضدهم كأداة لابتزازهم أو تبرير تدميرهم أمام المجتمع الدولي.

مقارنة بين “الكيان العقائدي” و”الكيان الفاسد المدجّن”

وجه المقارنة الكيان العقائدي (قبل الفساد) الكيان الفاسد (بعد الاستيعاب) النتيجة عند “انقطاع الحاجة”
محور الولاء الأيديولوجيا، القيادة المركزية، الحاضنة الشعبية الحفاظ على الثروة، الامتيازات التجارية، الممول الخارجي ينهار الولاء فور توقف التمويل أو التهديد بالعقوبات
الشرعية شرعية ثورية/دينية تجعل من الصعب استهدافه شعبياً شرعية مشوهة بالفساد والزبائنية و”رأسمالية المحاسيب” يسقط شعبياً ولا يجد من يدافع عنه محلياً
آلية التفكيك المطلوبة حروب طويلة الأمد، اغتيالات معقدة، تكلفة عسكرية عالية تفعيل قوانين الشفافية، تجميد الأصول، تسريب الوثائق انهيار سريع (السقوط بضربة قانونية/مالية بدلاً من العسكرية)

خلاصة الفكرة

إن الاستراتيجية القائمة على “الفساد المؤقت” تعتمد على استخدام الإغراءات المالية لتحييد التهديد العقائدي عبر خلق شبكات من الزبائنية (Clientelism) التي تشتري السلم الاستراتيجي قصير المدى. لكن هذا الفساد يُترك عمداً كـ “قنبلة موقوتة”؛ ففي اللحظة التي يُصبح فيها هؤلاء الوكلاء عبئاً، أو عندما تقتضي المصلحة ترتيباً إقليمياً جديداً، تُرفع عنهم الحصانة غير المعلنة، ليتم سحقهم بأدوات النظام المالي العالمي والقضاء الدولي، تاركين خلفهم مجتمعات مدمرة لا تملك القدرة على إعادة إنتاج المقاومة الأيديولوجية من جديد.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

كواليس الحرب الخفية ضد شبكات المخدرات.. شرطة دبي تفتح صندوق أسرار المواجهة من الميدان إلى الفضاء الرقمي

تخوض الأجهزة الأمنية في إمارة دبي حربًا ضارية وغير تقليدية ضد واحدة من أشد الجرائم …