“دفاتر حرق الشوك” لفايز كرم..

نديم: للموت

في إطلالة إعلامية حملت أبعاداً تاريخية وسياسية ثقيلة، فتح العميد المتقاعد فايز كرم صناديق ذاكرته المليئة بـ “الأشواك”، وحروق لا تشفى الا بعملية زراعية بعد استئصال فكر عسكري لا علاقة له بالسياسة – ليقدم قراءة نقدية لمسيرة بدأت بالحلم السيادي وانتهت بمرارة الغدر. المقابلة لم تكن مجرد استعراض لذكريات عسكرية، كان يجب ان تقبر في العسكرة –  بل كانت تشريحاً عميقاً لتحولات “العونية” من حالة وطنية لم تعجن تجربة المدني العسكري بما يمكف – عابرة للطوائف تستخدم فيها الطائفية حين كحرب الجبل حيث استشهد فايز عازار سميه – بعد ان تزعم صاحب الاسم الكريم لجنة اعلام تاكل من عضم كتاف كرم – إلى مؤسسة حزبية يرى كرم أنها “غريبة عن نفسها” تحت قيادة جبران باسيل.

المفارقة الكبرى: بشير الجميل والترفع عن “دم إهدن”

بدأ كرم حديثه بكسر المحرمات التاريخية لبيئته الزغرتاوية. ففي تحليل لموقفه من الرئيس بشير الجميل، كشف كرم عن قدرة فائقة على فصل “الجرح العائلي” عن “المشروع الوطني”.  هو الذي يعرف كيف يهندس الجروح العائلية اليس كذلك؟ بالرغم من أن “مجزرة إهدن” تُمثل ندبة لا تُمحى في تاريخ زغرتا، إلا أن كرم قال بوضوح: “كان في خطاب لبشير الجميل.. هالخطاب كلنا تبنيناه، مش أنا بس”.

هنا يظهر التحليل العسكري لشخصية كرم؛ فهو لم يرَ في بشير الجميل “قاتل الزعيم طوني فرنجية”، بل رأى فيه زميل الدراسة وصاحب المشروع السيادي. وهو يعرف كيف يستفيد من زملاء المدارس ! هذه البصمة المتنقلة . ويضيف مبرراً هذا التجاوز المؤلم: “كنت رايد مكفي بغض النظر عن مجزرة إهدن والحادثة والخطأ اللي صار، ماني عم بطلع على جراحي.. لأن في لبنان بالأفضلية”. هذه الرؤية لخصت فلسفة جيل من الضباط آمنوا بأن “ما كنا نحب شخص، كنا نحب لبنان”، وهو ما يفسر انخراط كرم لاحقاً في أصعب مواجهات الجيش اللبناني.

العلاقة مع عون: من “حبة الزيتون” إلى “نصل يوضاس”

ينتقل كرم إلى الحقبة العونية، واصفاً إياها برباط “أقدس من الصداقة”. يروي كرم كيف شاطر الجنرال ميشال عون الجوع والمنفى في فرنسا، حيث قال: “بفرنسا وصل وقت الهمبرجر أقسمه أنا وابني ما معي آكل.. والجنرال كان يقول لي حبة الزيتون بقسمها أنا وإياك”.

لكن هذا “الالتحام” العاطفي والعسكري تحطم على صخرة التوازنات السياسية بعد العودة إلى لبنان. التحليل هنا يشير إلى تحول دراماتيكي في شخصية ميشال عون، من قائد عسكري يحمي ضباطه إلى زعيم سياسي “يضحي” بهم. كرم استذكر بمرارة لحظة تخلي عون عنه في قضية التوقيف الشهيرة: “أول نهار قالهن شيلوا إيدكن.. وطلع يقول عني يوضاس (يهوذا)”. هذا الوصف (يوضاس) لم يكن مجرد تهمة سياسية، بل كان طعنة في قلب “رفقة السلاح”، مما دفع كرم للقول بأسى: “الجنرال عون اليوم غريب عن نفسه.. أنا عم بزعل وقت اللي بقارن الماضي بالحاضر”.

عهد جبران باسيل: تآكل المؤسسة وتحويلها إلى “إقطاع”

في الجزء الأكثر حدة من المقابلة، ربط كرم بين “خيبته الشخصية” والواقع الذي يعيشه “التيار الوطني الحر” اليوم تحت رئاسة جبران باسيل. حلل كرم هذا الواقع معتبراً أن باسيل أجهض “الحالة العونية” وحولها إلى حزب تقليدي قائم على المحسوبيات.

يقول كرم: “جبران غلط بالمية بالمية.. التيار نشأ وربى على وطنيته وقربه من الجيش، وهذا كله ما منه موجود اليوم”. وبحسب تحليل كرم، فإن باسيل لم يكتفِ بإقصاء الكوادر التاريخية، بل اعتمد سياسة “التوريث السياسي والفساد”، معتبراً أن باسيل “عم بيرد التيار للعائلية”، وهي القيم التي قام التيار أصلاً لمحاربتها.

ويذهب كرم أبعد من ذلك في نقد البنية الحالية للتيار، ساخراً من “مجلس الحكماء” الذي شُكل حديثاً: “هول لو كانوا حكماء ما كانوا فاتوا على التيار” في ظل السياسات الحالية. هذا التصريح يعكس حجم الشرخ بين “الحرس القديم” من العسكريين وبين “الطبقة السياسية” الجديدة التي أحاطت بالجنرال وصهره.

 “الشوك” كضريبة للحرية

تُظهر مقابلة فايز كرم أن مشكلته ليست مع “العونية” كفكر، بل مع “الممارسة” التي تلت العودة من المنفى. فكرم يرى نفسه ضحية لتقاطع مصالح (باسيل، حزب الله، والمنظومة الأمنية)، حيث تم “رفع الغطاء” عنه ليكون كبش فداء لمرحلة سياسية معينة.

إن ربط كرم بين خطاب بشير الجميل وبين خيبته من باسيل يحمل رسالة مشفرة: بشير الجميل، رغم الخصومة الدموية، كان يملك “مشروعاً”، بينما القيادة الحالية للتيار تملك “طموحات كراسي”.

ختم كرم بعبارة تلخص مأساته ومأساة الكثير من رفاقه: “الحرية بتبكي.. ثمنها كثير غالي”. هو اليوم يفتخر بأنه “إنسان حر” بعيداً عن مؤسسة يراها قد فقدت بوصلتها، مؤكداً أن تاريخه العسكري ونضاله مع عون في “قصر الشعب” لا يمكن أن يمحوه خطاب سياسي أو ملف أمني، منهياً حلقة “الشوك” بتأكيد ولائه الوحيد: “حزبي هو الجيش اللبناني”.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …