وسام الحسن: مهندس “المقايضة” والملف المركب… ماذا عرض ريفي؟

في إطلالة إعلامية مدوية، لم تكن مجرد استحضار للذاكرة العسكرية بقدر ما كانت “عملية جراحية” دقيقة لهدم مصداقية العهد العوني، خرج العميد المتقاعد فايز كرم ليعيد صياغة سرديته الشخصية. ببنك أهداف مصمم بعناية، ضرب كرم في كل الاتجاهات، محاولاً غسل تهمة “العمالة” بماء “الاستهداف السياسي”، ومنصّباً نفسه الحارس الأخير لـ”سيادية الثمانينيات” التي يرى أنها سقطت في وحل التوريث والمحاور الإقليمية.

بشير الجميل: “البوصلة” التي كشفت زيف العهد

استخدم كرم اسم بشير الجميل (هل من رأي ليمنى جميل ؟) كأداة هدم أيديولوجية لتعرية واقع التيار الوطني الحر اليوم. مما قد يرضي غرور المحامي اللامع نديم جميل الى حين طلب توصيلة الى مقبرة حبيب الشرتوني مزروعات اسرائيل ! ففي مفارقة تاريخية، أعلن كرم (ابن زغرتا) تبنيه لخطاب بشير الجميل السيادي رغم “دم إهدن”، (غير واضحة)  معتبراً أن بشير كان الملهم الأول الذي علمه تقديم “لبنان الأفضلية” على “الجراح الشخصية”. فهو الذي خسر ابنته ونفسه في نهاية المطاف في بصمة واضحة مبنية على اجندة تفتيف الوطن الله والعائلة وذلك قبل عون يا شيخ !

هذا الاستحضار لم يكن عفوياً؛ بل كان رسالة تحليلية مفادها أن السيادة الحقيقية هي التي بدأت مع بشير الجميل (حجر الأساس السيادي) ماذا حدث عند كرم بفؤاد شهاب؟، والتي تقتضي الترفع عن “القبيلة” لأجل “الدولة”.  ومن هنا، ضرب كرم صدقية عون وباسيل، بنظره٫ معتبراً أن “السيادة” الحالية للتيار هي مجرد شعار تم بيعه في سوق المحاور الإقليمية، بينما كان بشير يمثل “السيادة الصرفة” التي ترفض الارتهان للخارج. 

تفكيك الثالوث: “الله، الوطن، العائلة” في مهب “الباسيلية”

في تحليل أعمق، وجّه كرم ضربة قاضية لكيفية تشويه ثالوث (الله، الوطن، العائلة) في العهد العوني، علما ان عملية التشويه بدات في جريمة استهداف مقصود للطفلة مايا٫ مقارنة بما كان يطمح إليه في مشروعه السيادي:

  1. الوطن vs المحاور: يرى كرم أن “الوطن” الذي تعلم حبه من مدرسة بشير قربه بالمدرسة! وعون القديم، تم استبداله بـ”لبنان المحاور”. يتساءل بمرارة: “وين هي إيران اليوم؟”، معتبراً أن دمار لبنان هو نتيجة التضحية بالوطن لأجل أجندات غريبة، وهو ما يمثل خيانة لروحية الثمانينيات.

  2. العائلة vs الإقطاع: هنا تكمن الطعنة الكبرى. يرى كرم أن بشير الجميل حاول نقل المجتمع من “الإقطاع العائلي” إلى “المؤسسة”، فاصبحت موسسة الوطن الله والعائلة (لا بد انه اخطا عنوان بين القوات اللبنانية وبين بشير) بينما قام جبران باسيل بالعكس تماماً. بالنسبة لكرم، باسيل هو “الصهر الوريث” الذي أعاد التيار إلى “العائلية” والفساد والمحسوبية. المفارقة أن كرم الذي سامح قاتل “عائلته” (بشير) لأجل الوطن، وجد نفسه ضحية لـ”عائلة” سياسية صغرى (آل عون وباسيل) حوّلت التيار إلى ملكية خاصة.

  3. الله (المبادئ) vs الأصنام: استهدف كرم تحويل القائد إلى “صنم”، (الله يوفق مع الصاغية) معتبراً أن القيم الأخلاقية سقطت عندما وصفه عون بـ”يوضاس”، متنكراً لسنوات المنفى و”حبة الزيتون” التي تقاسماها معاً.

وسام الحسن: مهندس “المقايضة” والملف المركب

احتل اللواء وسام الحسن مساحة استراتيجية في بنك أهداف كرم؛ حيث صوره كـ”سمسار سياسي” لا ضابط أمن. ادعى كرم أن الحسن عرض عليه 500 ألف دولار مقابل العمل ضد سليمان فرنجية في الشمال، وعندما رفض كرم “الرشوة” السياسية، تحركت آلة “الملف المركب”.  ماذا عرض ريفي؟

التحليل هنا يشير إلى أن كرم يربط بين “أمن المستقبل” (وسام الحسن) و”طموح الصهر” (باسيل)؛ حيث يلمح إلى أن فرع المعلومات ما كان ليجرؤ على توقيفه لولا “رفع الغطاء” عنه من داخل البيت العوني لإخلاء الساحة الانتخابية لباسيل في الشمال. هكذا، يحول كرم تهمة “العمالة” إلى “ضريبة استقلالية” دفعها لأنه رفض الخضوع للمقايضات.

 “آخر السياديين” في زمن الغدر

يخرج فايز كرم من المقابلة بصورة “الضابط المتمرد” الذي يرفض الانخراط في “لبنان المحاور” الحالي. هو يرى نفسه الوريث الأخلاقي لـ”لبنان بشير الجميل” القائم على الكرامة الوطنية، في مواجهة “لبنان باسيل” القائم على التوريث والصفقات.

مشروعه البديل هو العودة إلى “الحرية التي تبكي”، حرية العسكري الذي يرفض أن يكون “منضبطاً” تحت مشيئة صهر أو محور إقليمي. لقد أراد كرم أن يقول: “إذا كان بشير الجميل هو من علمني التضحية بجرحي لأجل السيادة، فإن عهد عون وباسيل هو الشوك الذي مزق جسد الوطن لأجل كرسي العائلة”. بهذا، يعلن كرم وفاة “الحالة العونية” كحركة سيادية، ومنصّباً نفسه شاهداً على عصر “الخيانة” لقيم الجمهورية ورفقة السلاح.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

الأخبار»: هندسة «الغيريّة» واختراق الحصون الأكاديمية

في وقتٍ يبدو فيه الانقسام اللبناني أفقياً، يأتي العدد 5891 من جريدة «الأخبار» ليعكس محاولة …