حين يتحول الإعلام إلى مسرح: كيف تصنع سياسات النجومية والشكل بيئة حاضنة للانتهاكات؟

ربيكا انت جميلة. نقية. طفلة. قريبة من القلب. ولو “مافلسة” راسمالك طيبتك! نشكر الله انه لم تتم “تشخيص” هذا المشكل مرة اخرى اعلاميا (حدث مرة مع مديرة التحرير (ليست السيد المسيح وهي علمانية وتحتفظ بايمانها لنفسها الا ببعض النصوص الفكرية ولكن لا اخلط مهنتي بهويتي الدينية ولا اسس علمية ) واخراجه بافخاخ تنتهك حقوق الانسان خارج الموسسة . ميشال بذلك اخلاقي ابقى اي مشكل داخل المؤسسة وينتهي بتعويض مادي نسبة لقانون العمل. ويمكن استخدام هذه الواقعة لوضع استراتيجية لمنع التعدي على الاعلاميين داخل المؤسسات او المؤسسات تنقل المشاكل معهم الى المنازل . منازل الاعلاميين واستعمال العنف الاسري ! 

في لبنان، لا يمكن فهم ما يجري داخل عدد من المؤسسات الإعلامية بوصفه مجرد انحرافات فردية أو سوء إدارة عابر، لأن الأزمة أعمق من حادثة وأوسع من اسم واحد. فالصحافيون يعملون في قطاع يرزح تحت ضغط اقتصادي حاد، مع رواتب متآكلة وفرص محدودة، فيما تبقى الحماية القانونية والمؤسسية منقوصة، وهو ما يجعل موقع العامل أو العاملة داخل المؤسسة أضعف بكثير من موقع الإدارة.
في مثل هذه البيئة، لا تعود الانتهاكات مجرد أفعال معزولة، بل تصبح نتيجة شبه طبيعية لسياسات إعلامية تخلط بين السلطة والنجومية، وبين الحضور البصري والقيمة المهنية، وبين الولاء للإدارة والنجاح في العمل.

حصانة النجم

تعتمد هذه السياسة على فكرة بسيطة وخطيرة في آن: من يجلب التمويل، أو الإعلانات، أو النفوذ السياسي، أو نسب المشاهدة، يُمنح حصانة فعلية غير مكتوبة. وبذلك تتحول المؤسسة من مكان يفترض أن تحكمه قواعد مهنية وإدارية إلى بنية تمييزية تُقاس فيها العدالة بوزن الشخص داخل السوق أو داخل شبكة العلاقات، لا بمدى التزامه بالقواعد.
هذا ما يجعل “النجم” أكبر من النظام الداخلي، وأحياناً أكبر من الشكوى نفسها. فبدلاً من مساءلة صاحب النفوذ، يُعاد ترتيب السردية كلها لحمايته: يُستدعى تاريخه المهني، وتُستثمر شهرته، ويُقال إن المساس به يهدد المؤسسة أو يسيء إلى سمعتها، مع أن الخطر الحقيقي على سمعة الإعلام يبدأ يوم تُربط كرامة العاملين بمزاج الشخص الأقوى.

النسخة اللبنانية

في النسخة اللبنانية من هذه الاستراتيجية، لا تقف “النجومية” عند حدود نسب المشاهدة أو النفوذ السياسي، بل تتمدد إلى تقديس الشكل بوصفه رأسمالاً مهنياً بديلاً من الكفاءة. وهكذا يصبح الوجه التلفزيوني، والقدرة على التسويق البصري، والأداء أمام الكاميرا، وأناقة الصورة، عناصر تتقدم أحياناً على المعرفة، والتحرير، والخبرة الميدانية، والقدرة على إنتاج محتوى رصين.
هنا يبدأ الخلل البنيوي: حين يصبح الجسد نفسه جزءاً من شروط الترقّي غير المعلنة، يتحول العامل الإعلامي من صاحب مهنة إلى حامل صورة. ولا يعود السؤال: ماذا يعرف؟ وكيف يحقق؟ وما جودة عمله؟ بل: كيف يبدو؟ وكيف يظهر؟ وهل ينسجم شكله مع “هوية الشاشة” التي تريدها الإدارة؟

عبادة الصورة

هذه الثقافة لم تكتفِ بإعطاء الشكل قيمة إضافية، بل ساهمت في جعل المظهر أولوية إدارية ومهنية ونفسية. وفي هذا السياق، صار من المألوف أن يشعر بعض العاملين، وخصوصاً من يظهرون على الشاشة، بأن عليهم الخضوع الدائم لقواعد غير مكتوبة تخص اللباس والوزن والمكياج والحضور الجسدي، وأحياناً حتى ضغوط التعديل التجميلي، لكي يظلوا صالحين للبقاء في المشهد.
هذه ليست حداثة إعلامية، بل تسليع صريح للمهنة. فعندما تصبح “القابلية البصرية” أهم من الاستقلال التحريري، تقترب المؤسسة من منطق عروض الواجهة أكثر مما تقترب من منطق الصحافة، ويصبح التقييم المهني امتداداً لمعيار استهلاكي لا لمعيار معرفي أو أخلاقي.

والأخطر أن هذه السياسة لا تضر فقط بصورة الإعلام، بل تعيد توزيع السلطة داخله. فهي تمنح الإدارات قدرة مضاعفة على الضبط: من جهة تصنع نجوماً وفق مقاسها، ومن جهة أخرى تدفع العاملين إلى مراقبة أجسادهم وصورتهم كما لو أن بقاءهم الوظيفي معلق على رضا بصري دائم. في هذه اللحظة، لا يعود التحرش أو الإهانة أو الابتزاز أحداثاً منفصلة، بل يصبح كل ذلك جزءاً من مناخ يرى الجسد مادة إدارية قابلة للتقييم والتوجيه والضغط.

كيف تُنتج الانتهاك؟

حين تقترن ثقافة النجومية بعبادة الشكل، تنشأ بيئة مثالية لإخفاء العنف وتبريره. لأن المؤسسة التي تعطي الأولوية للصورة ستخشى دائماً أي شكوى قد تفسد هذه الصورة، ولأن المدير أو المذيع أو الوجه المعروف سيُنظر إليه بوصفه “أصلاً” يجب حمايته، لا موظفاً يجب أن يخضع للمحاسبة.
بهذا المعنى، لا تكون الشكوى مجرد اتهام ضد شخص، بل تهديداً لاستثمار رمزي ومالي، ولذلك تُقابل غالباً بالإنكار أو الاحتواء أو التشهير أو تحويلها إلى خلاف شخصي. وهذه الآلية تصبح أسهل في قطاع يعاني أصلاً من ضعف الحماية ومن نقص التدابير القانونية الكافية في مواجهة التحرش والانتهاكات داخل أماكن العمل.

ومن هنا نفهم لماذا تلجأ بعض الإدارات إلى “تشخيص” المشكلة وفصلها عن الفضاء المؤسسي. فعندما يُقال إن ما جرى ليس إلا سوء تفاهم أو مشكلة شخصية، تُسحب الواقعة من إطارها المهني والحقوقي، وتُعفى المؤسسة من السؤال الأهم: ما الذي فعلته لحماية العاملين؟ وما الآلية التي وفرتها للتبليغ والتحقيق؟ وفي بيئة إعلامية لبنانية تعاني أصلاً من انتهاكات متكررة ومن هشاشة واضحة في شروط العمل، يصبح هذا الفصل بين الشخصي والمؤسسي أداة للهروب من المسؤولية لا لغة للتهدئة.

ما الذي يجب تغييره؟

إذا كان الخلل ناتجاً من السياسة الداخلية للمؤسسة، فلا يكفي الرد عليه بالغضب الأخلاقي أو التضامن الموسمي. المطلوب أولاً كسر معيار النجومية نفسه، وإعادة تعريف القيمة المهنية على أساس الكفاءة التحريرية، والخبرة، والأمانة، والقدرة على العمل الجماعي، لا على أساس الوجه القابل للتسويق أو القرب من دوائر النفوذ.
ويفترض ذلك إقرار قواعد مكتوبة تمنع التمييز على أساس الشكل، وتمنع أي ضغط مباشر أو غير مباشر يتعلق بالمظهر أو التعديل الجسدي، وتفصل بوضوح بين تقييم الأداء المهني وبين التوقعات البصرية التي تفرضها الإدارة. كما يفترض إنشاء آليات شكوى مستقلة وسرية، وحماية المبلغين من العقوبات الوظيفية، وربط مسؤولية المؤسسة ببيئة العمل كلها لا بالفعل الفردي فقط.

كذلك، لا بد من تطوير الإطار القانوني الناظم للقطاع، لأن النقاش حول إصلاح قانون الإعلام في لبنان يعكس حاجة فعلية إلى منظومة تحمي حرية التعبير وحقوق العاملين معاً، لا أن تكتفي بتنظيم النشر وتترك غرف الأخبار بلا مساءلة فعلية. فالصحافة لا تكون حرة حقاً إذا كانت غرف أخبارها محكومة بالخوف، ولا تكون مهنية إذا كانت تُكافئ الصورة وتعاقب الاعتراض، ولا تكون عادلة إذا كانت تجعل الكفاءة في خدمة الشكل بدلاً من أن تجعل الشكل في خدمة المهنة.

لهذا، فإن أخطر ما في سياسة النجومية في لبنان ليس فقط أنها تحمي بعض النافذين، بل أنها تعيد تشكيل معنى النجاح الإعلامي نفسه. فهي تنقل المهنة من فضاء المعرفة إلى فضاء العرض، ومن سلطة المعايير إلى سلطة الانطباع، ومن حقوق العاملين إلى امتيازات الواجهة. وعندما يحدث ذلك، لا يعود الانتهاك استثناءً داخل المؤسسة، بل يصبح نتيجة منطقية لنظام اختار منذ البداية أن يحترم الصورة أكثر مما يحترم الإنسان.

عن Rita Chahwan

ريتا بولس شهوان، صحافية وباحثة ساهمت في عدد من الكتب منها "الكويت وإرادة الاستقلال في الوثائق العثمانية" و "ماذا فعل مدحت باشا في الخليج"(ذات السلاسل) وعملت في عدد من الصحف والمواقع الالكترونية العربية. تلقت تدريبات دولية على الاستقصاء وتخصصت في الاستقصاء الاجتماعي – الاقتصادي كما تولي اهمية كبيرة للشأن السياسي.

شاهد أيضاً

»أرماندو كورتشيو« الإيطالي يمنح جمال سند السويدي الدكتوراه الفخرية تقديراً لمسيرته الفكرية والعلمية

منح معهد »أرماندو كورتشيو« الأكاديمي الإيطالي (Istituto Armando Curcio)، يوم الاثنين 12 أكتوبر 2026، برئاسة …