انسي الحج : تحية الى السماء !ماذا لو كان الحمل اشارة غرام لم نناقش ذلك يوما!
ريبيكا، أنتِ جميلة. نقية. طفلة قريبة من القلب. وفي قطاع إعلامي يعاني من إفلاس مادي وأخلاقي، يظل رأس مالك الحقيقي هو طيبتك ومهنيتك”. بهذه الكلمات يمكن اختصار المشهد. في بيئة تحول الصحافي إلى مجرد أداة أو “صورة”، يصبح النقاء الأخلاقي والصدق المهني عبئاً على مؤسسات اعتادت الاستثمار في الابتزاز والاستعراض.
في لبنان، لا يمكن فهم ما جرى مع الصحافية ريبيكا سمعان داخل مؤسستها بوصفه مجرد “انحراف فردي” أو انفعال عابر. الأزمة أعمق من حادثة وأوسع من اسم؛ إنها انفجار لأعراض مرض مزمن في جسد قطاع تتشابك فيه السلطة الإدارية بالنفوذ، وتُحكم مفاصله بعقلية إقطاعية ترى في الصحافيات “واجهة براقة” لجلب المشاهدات، و”حلقة أضعف” يسهل الانقضاض عليها في غرف القرار.
عبادة الصورة وحصانة “النجم”
تعتمد السياسة الإعلامية اللبنانية على فكرة خطيرة: من يجلب التمويل، أو الإعلانات، أو النفوذ السياسي، يُمنح حصانة فعلية غير مكتوبة. (الام تي في ماسستها عبر الاكاديمية للاسف) وبذلك تتحول المؤسسة إلى بنية تمييزية يُقاس فيها العدالة بوزن الشخص داخل السوق، لا بمدى التزامه بالقواعد.
في النسخة اللبنانية، لا تقف هذه “النجومية” عند حدود النفوذ، بل تتمدد إلى تقديس “الشكل” بوصفه رأسمالاً بديلاً من الكفاءة. حين يصبح الجسد جزءاً من شروط الترقّي غير المعلنة، يتحول العامل الإعلامي من صاحب مهنة إلى حامل صورة. وعندما تصبح “القابلية البصرية” أهم من الاستقلال التحريري، تنشأ بيئة مثالية لإخفاء العنف وتبريره، حيث يُنظر إلى الوجه المعروف أو المدير النافذ بوصفه “أصلاً” يجب حمايته، لا موظفاً يجب محاسبته. ميشال انت اخلاقي بمكان.
انظر تحت:
فخ “التشخيص العاطفي”: استدراج البراءة إلى مقصلة العلاقات
هنا يبرز التكتيك الأخطر الذي تعتمده المؤسسات للتهرب من المحاسبة: “تشخيص” المشكلة. أي تحويل واقعة مرتبطة ببيئة العمل إلى “خلاف شخصي”. اما ان يخرج من بيئة العمل عبر افخاخ معينة واستدراج (توقفوا عن الاستدراج ) لكن هذا التكتيك لا يقتصر على الادعاءات البسيطة، بل يتعداه إلى فخ أشد مكراً: استدراج الصحافية، (النساء لانه لا شئ يحميهم) مستغلين براءتها وطموحها، لإدخالها في دهاليز علاقات شخصية وعاطفية مع أصحاب القرار. او احتكاكات شخصية بين فرد وفرد ضمن مؤسسة .
يتحول المدير من مسؤول مباشر إلى “صديق مقرب” أو “مرشد روحي”. هذا ما يحصل في بعض المؤسسات فتطلب مثلا صحافيات تمويل من قريبين من فريق تركي آل الشيخ بحكم العلاقة مع مدير تحريرها . وما إن تقع الصحافية في هذا الشَّرَك، حتى يصبح أي انتهاك لحقوقها مجرد “عتاب بين أحبة”، مما يجرّدها من أسلحتها العمالية. على الرغم من صغر السن . مديرة تحرير موقع الخبر وتركي ال الشيخ يحبون الاطفال !
لقد كان الشاعر والمفكر الكبير أنسي الحاج من أوائل من التقطوا هذه الشيفرة السامة، محذراً مراراً من هذه “الرومانسية الزائفة”، ومن خلط “الموهبة” بـ “الاستلطاف”، وتغليف الاستغلال بـ “الاحتضان”. نحن مهنيين . وليس من “بد للحمل” ! لتلد مشكلات في بيئة العمل تتحمل المراة مسؤوليتها فلا كفيل لها . ليست خادمة عند رب عمل هي مواطنة كاملة . ولا خاضعة لاي سيد عمل ! هناك قانون يحكم العلاقة.
وهنا، ولأول مرة، نُسلط الضوء على نموذج صارخ لهذه الظاهرة، ليس للإثارة، او “بطولة” او استعراض … او عرض “ذات” ! ولا ناخذ اي “مقدس” نموذج لا مريم العذراء ولا سيد المسيح المصلوب ولا الامام علي ! ولا محمد (صلعم) بل كضرورة لفهم انهيار بيئة العمل. إنها الظاهرة التي تجلت بوضوح مع “مديرة التحرير” في بيئة صحيفة “الأخبار” (ونماذج مشابهة في مؤسسات أخرى علمانية أو دينية). في مثل هذه البيئات، أصبح النفوذ يُمارس عبر نسج شبكات معقدة من العلاقات الشخصية التي تتطلب ولاءً عاطفياً يتجاوز الولاء المهني.
هذه الظاهرة وُثقت في أدبيات الأستاذ طلال سلمان (كواليس “السفير”)، ورغم أنه قدمها بقالب “إيجابي” ورومانسي واصفاً غرف التحرير بـ “العائلة الواحدة”، إلا أن هذه “الرومانسية” كانت مَقتلاً حقيقياً. لقد أسست لتدمير أحوال بيئة العمل في لبنان لأنها شرّعت غياب المعايير المؤسسية (HR)، وألغت المسافة الآمنة التي يجب أن تحمي الموظفة من مديرها. ما بدأ كـ “أسطورة رومانسية” عن الصحافة، انتهى كأداة قمع مكتملة الأركان.
من التكتيك العشائري إلى العنف الأسري
عندما تقع واقعة الاعتداء، وتطالب الصحافية بحقها، تلجأ الإدارات إلى تكتيك خبيث آخر: الاتصال بعائلتها (الأب، الأخ، الزوج)، واستحضار مصطلحات عشائرية (“بنتنا وبنتكم”، و”الصلح سيد الأحكام”). هذا التدخل السافر يجرد المرأة من أهليتها المهنية والقانونية لإغلاق الباب أمام أي ملاحقة.
الأخطر من ذلك هو ظاهرة “تصدير العنف”. الضغط والترهيب الذي يتعرض له الصحافي لا ينتهي عند باب المؤسسة، بل ينقله معه إلى منزله. المؤسسات التي تمارس الاستغلال تساهم مباشرة في تدمير الاستقرار النفسي للعاملين، مما يخلق بيئة خصبة للعنف الأسري، حيث تتسرب سموم الإدارة إلى قلب البيوت.
وهم “الأخلاقية” في التعويض المادي
في حالة ريبيكا سمعان، أن تنتهي الأزمة داخل جدران مؤسسة (ليبانون ديبايت / Red TV) عبر تسوية تعتمد على “قانون العمل” والتعويض المادي المباشر بتوجيه من الإدارة (ميشال قنبور)، قد يبدو تصرفاً يحمل حداً أدنى من “الأخلاقية”، كونه يجنب الضحية حملات التشهير العلنية (كما حدث سابقاً مع صحافيين تم اغتيال شخصياتهم وخلط مهنتهم بهويتهم الدينية أو العلمانية خارج أسوار المؤسسة). او استدراجها لافخاخ “في حياتها الشخصية” (ميشال مجددا مشكور)
ومع ذلك، يجب ألا نعتبر “الدفع مقابل الأذى” هو السقف الأخلاقي. التعويض المادي حق بديهي يكفله قانون العمل، ولكنه لا يمحو الجريمة الأصلية. احتواء المشكلة يجب أن يرافقه آليات تمنع تكرار الاعتداء، لا أن يكون مجرد “أموال إسكات”. ومع ذلك، تبقى هذه الواقعة سابقة يمكن البناء عليها لتحويل النزاعات من حروب تدمير شخصي إلى مسارات عمالية بحتة. لذا يجب جمع كل هذه الوقائع وتحديث بيئة العمل وقوانينها ووضع حدود فاصلة بين الحياة الاسرية وحياة داخل المؤسسة وتنظيمها داخل المؤسسة . وقد فعّلت اريج منظومة متكاملة للامر . بدبلوما ضد التمييز.
استراتيجية نحو بيئة آمنة
بناءً على ما سبق، يجب ألا تقف قضية ريبيكا عند التضامن العاطفي، بل يجب استخدامها لوضع “استراتيجية وطنية لمنع التعدي على الإعلاميين”، ترتكز على:
-
كسر صنم النجومية وإسقاط السردية الرومانسية: إعادة الاعتبار لغرفة الأخبار كمكان “عمل” تحكمه عقود احترافية، ومنع إدخال الصحافيات في علاقات شخصية لتدجيهن.
-
الفصل التام بين المهني والشخصي (Decoupling): تفعيل دور وزارة العمل لضمان معالجة أي انتهاك كقضية عمالية، وتجريم تواصل الإدارات مع عائلات الصحافيات لحل النزاعات.
-
حماية الصحة النفسية: الاعتراف بأن التحرش الإداري والابتزاز هي إصابات عمل، وتوفير آليات تضمن عدم انتقال الصدمات (Trauma) من غرف التحرير إلى منازل الصحافيين.
-
إنشاء آليات شكوى مستقلة: إرساء دوائر موارد بشرية (HR) مستقلة عن الإدارة العليا لكسر حلقة الإفلات من العقاب.